تشكل الرأسمالية الاستعمارية نمطًا اقتصاديًّا يعتمد على استغلال الموارد البشرية والطبيعية في سياقات السيطرة الاستعمارية، حيث تتداخل المصالح الرأسمالية مع الهيمنة السياسية والثقافية لتحقيق أرباح كبيرة على حساب الفئات المهمشة. في السياق الإسرائيلي، يبرز هذا النمط بوضوح في قطاع الزراعة، الذي يعتمد -على نحو أساسي- على العمالة المهاجرة، خاصة من تايلاند، لتعزيز الإنتاج الزراعي في المستوطنات والأراضي المحتلة.
من الناحية النظرية، تعرف الرأسمالية الاستعمارية بأنها نظام يجمع بين التراكم الرأسمالي والسيطرة الاستعمارية، كما أوضحت دراسات مثل تلك التي أجرتها فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة للأمم المتحدة، والتي تصف الاقتصاد الإسرائيلي بأنه “اقتصاد إبادة” يعتمد على الاستيطان والاستغلال. في إسرائيل، يمتد هذا النظام إلى استغلال الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث تُقام المزارع والمستوطنات الزراعية على أراضٍ مصادرة، مدعومة بشركات متعددة الجنسيات تقدم المعدات والتمويل.
هنا، يأتي دور العمالة المهاجرة كعنصر أساسي، إذ يُستبدَل بالعمال الفلسطينيين، الذين أصبحوا أقل توافرًا بعد الانتفاضات والقيود الأمنية، عمال تايلانديون رخيصو التكلفة، وأكثر قابلية للاستغلال بسبب وضعهم القانوني الهش. هذا الاستبدال ليس مجرد خيار اقتصادي؛ وإنما جزء من إستراتيجية استعمارية تهدف إلى تقليل الاعتماد على السكان الأصليين، وتعزيز السيطرة الاقتصادية.
تاريخيًّا، بدأ الاعتماد على العمال التايلانديين في الزراعة الإسرائيلية بعد الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987- 1993)، عندما فقد أرباب العمل الإسرائيليون الثقة بالعمال الفلسطينيين بسبب التوترات السياسية. في عام 2011، وقعت إسرائيل وتايلاند اتفاقية ثنائية لتنظيم تدفق العمالة، تهدف إلى تقليل رسوم الاستقدام ومنع السخرة، لكن الواقع أظهر استمرار الانتهاكات.
بحلول عام 2023، كان هناك نحو 30 ألف عامل تايلاندي في إسرائيل، معظمهم من مناطق الشمال الشرقي الفقيرة في تايلاند، حيث تكون الأجور في إسرائيل أعلى بكثير (نحو 1000 دولار شهريًّا مقارنة بتايلاند). ومع ذلك، ارتفع العدد إلى أكثر من 38 ألفًا بحلول عام 2025، مدفوعًا بزيادة “الكوتة” السنوية إلى 13 ألفًا إضافية، كما أعلنت وزارة الزراعة الإسرائيلية في يناير (كانون الثاني) 2025؛ لتلبية احتياجات القطاع الزراعي وسط النزاعات المستمرة. هؤلاء العمال يعملون غالبًا في المستوطنات الزراعية القريبة من الحدود، مثل تلك التي بالقرب من غزة أو لبنان، حيث يتعرضون لأخطار أمنية عالية دون حماية كافية.
تكشف التقارير عن ظروف عمل قاسية تواجه العمال التايلانديين، حيث يُجبرون على العمل ساعات طويلة تصل إلى 17 ساعة يوميًّا دون أيام عطلة، مع أجور أقل من الحد الأدنى القانوني الإسرائيلي (نحو 5300 شيكل شهريًّا). منظمة هيومن رايتس ووتش وثقت في تقريرها عام 2015، الذي لا يزال يعكس الواقع الحالي، حالات تعرض للمبيدات الحشرية دون معدات وقائية، مما يؤدي إلى مشكلات صحية، مثل أمراض الجهاز التنفسي والصداع المزمن. كما يعيشون في مساكن غير لائقة، مثل سقائف أو مخازن مؤقتة، وفي بعض الحالات يضطرون إلى بناء مأوى من الكرتون.
بين عامي 2008 و2013، توفي 122 عاملًا تايلانديًّا، بعضهم بسبب “متلازمة الموت المفاجئ”، ولم تجرَ تحقيقات كافية في الأسباب، مما يثير شكوكًا بشأن ارتباط الوفيات بظروف العمل القاسية. على الرغم من قوانين العمل الإسرائيلية التي تضمن الحقوق الأساسية، فإن التنفيذ ضعيف، خاصة في المناطق النائية، حيث يسيطر أرباب العمل على حياة العمال، بما في ذلك حركتهم واتصالاتهم.
أبرز هجوم حماس في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 الهشاشة الشديدة لهؤلاء العمال، إذ شكلوا أكبر مجموعة أجنبية بين الضحايا، مع مقتل 39 عاملًا تايلانديًّا، واختطاف 32 آخرين. وقد قتل كثير منهم في كيبوتسات مثل ألوميم، حيث هاجم المسلحون أحياء العمال الزراعيين، مما أدى إلى مقتل 16 – 17 عاملًا تايلانديًّا ونيباليًّا. في أعقاب الهجوم، غادر آلاف العمال إسرائيل، لكن الضغوط الاقتصادية دفعتهم إلى العودة، حيث أعلنت تايلاند في يونيو (حزيران) 2024 إرسال 10 آلاف عامل جديد، رغم التحذيرات من المخاطر.
ومع ذلك، استمرت الوفيات، إذ قتل أربعة عمال تايلانديين في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 بصاروخ من لبنان؛ مما دفع الحكومة التايلاندية إلى إرسال خطاب احتجاج لإسرائيل، مطالبة بعدم إرسال العمال إلى مناطق عالية الخطر. هذه الحوادث تكشف عن تجاهل إسرائيل لحماية العمال الأجانب، الذين يُعاملون كعناصر قابلة للاستبدال في نظام اقتصادي يعتمد على عمالة رخيصة للحفاظ على الإنتاج الزراعي في أثناء النزاعات.
من منظور الرأسمالية الاستعمارية، يمثل استغلال العمال التايلانديين آلية لتعزيز الاقتصاد الاستيطاني، حيث يسهمون في إنتاج المحاصيل في المستوطنات غير القانونية وفق القانون الدولي، مما يعزز السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية. الاتفاقيات الثنائية بين إسرائيل وتايلاند، مثل تلك الموقعة في 2011، تديرها الحكومات لضمان تدفق العمالة، لكنها غالبًا ما تفشل في منع الانتهاكات، كما أشارت تقارير منظمات مثل كاف لا أوفيد، وأطباء لحقوق الإنسان في إسرائيل.
كما أن الشركات المتعددة الجنسيات، مثل كاتربيلر، تدعم هذا النظام بتوفير المعدات، في حين تستفيد المؤسسات المالية العالمية من الاستثمارات في السندات الإسرائيلية. هذا الاستغلال يمتد إلى خلق طبقة عاملة هامشية تفتقر إلى الحقوق النقابية، إذ يُمنع العمال من تغيير أرباب العمل أو التنقل بحرية، مما يشبه نظام الاستعباد الحديث. في عام 2025، مع زيادة الكوتة إلى 13 ألفًا، أعلن وزير الزراعة الإسرائيلي آفي ديختر آلية مستمرة لاستقدام العمال من تايلاند، مشددًا على أهميتهم للاقتصاد، لكنه تجاهل الشكاوى بشأن السلامة.
بالإضافة إلى ذلك، يعكس هذا النظام ديناميكيات عالمية أوسع، حيث تُستخدم العمالة المهاجرة من الدول النامية لدعم الاقتصادات المتقدمة، كما في حالة عمال البناء أو الزراعيين في مناطق مختلفة بالعالم. في إسرائيل، يُضاف البعد الاستعماري، إذ يسهم العمال التايلانديون في استدامة الاحتلال من خلال عملهم في المناطق المحتلة، دون أن يحصلوا على حماية مساوية للمواطنين الإسرائيليين. على سبيل المثال، خلال النزاعات مع حزب الله عام 2024، استمر العمال في العمل في مناطق محظورة على المدنيين الإسرائيليين، مما أدى إلى مقتل ستة مهاجرين على الأقل، بما في ذلك خمسة تايلانديين. هذا التجاهل يؤكد الطبقية العنصرية في النظام، حيث يُعامل العمال بوصفهم أدوات اقتصادية قابلة للتضحية.
يُظهر استغلال العمال التايلانديين في الزراعة الإسرائيلية كيف تتفاعل الرأسمالية الاستعمارية مع ديناميكيات العمالة المهاجرة لخلق نظام يعتمد على استغلال الفئات الهشة. من خلال تحليل السياق التاريخي، وظروف العمل، والتداعيات الأمنية، يتضح أن هؤلاء العمال يواجهون انتهاكات خطيرة لحقوقهم في ظل نظام يعزز الهيمنة الاقتصادية والسياسية. معالجة هذه القضايا تتطلب جهودًا مشتركة للمجتمع الدولي لضمان حماية حقوق العمال وتحقيق العدالة الاجتماعية. يبقى هذا الموضوع دعوة إلى التفكير النقدي في العلاقة بين الرأسمالية، والاستعمار، وحقوق الإنسان في عالم متزايد الترابط.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير.