مقالات المركز

التحالفات غير التقليدية.. علاقات بين تايوان وإسرائيل


  • 13 أغسطس 2025

شارك الموضوع

تايوان، بوصفها جزيرة تواجه تحديات سياسية معقدة بسبب وضعها الدولي المتنازع عليه، تسعى باستمرار إلى تعزيز مكانتها في النظام الدولي. نظرًا إلى عدم اعتراف معظم الدول بها دولةً ذات سيادة كاملة بسبب ضغوط الصين، تعتمد تايوان على بناء شبكة من العلاقات غير الرسمية مع دول وكيانات مختلفة. هذه العلاقات تهدف إلى تعزيز الدعم الاقتصادي والسياسي لها في مواجهة العزلة الدبلوماسية. في هذا السياق، تبرز العلاقة مع إسرائيل مثالًا على إستراتيجية تايوان لتوسيع شبكتها من التحالفات غير التقليدية، خاصة مع الدول التي تشترك معها في تحديات جيوسياسية مماثلة، مثل التهديدات الخارجية، أو الاعتراف الدولي المحدود.

إسرائيل -من جانبها- تواجه أيضًا تحديات جيوسياسية، حيث تتعرض لانتقادات دولية بسبب سياساتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة. العلاقة بين تايوان وإسرائيل، مع أنها ليست رسمية بالكامل، تعكس تقاطع المصالح الاقتصادية والإستراتيجية. كلا البلدين يمتلك اقتصادات متقدمة تقنيًّا، ويواجه ضغوطًا سياسية تجبره على البحث عن شركاء غير تقليديين. هذا التقارب يعزز التعاون في مجالات مثل التكنولوجيا والابتكار، ولكنه يثير أيضًا تساؤلات عن الآثار الأخلاقية والسياسية لهذا التعاون، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمشروعات المرتبطة بالأراضي المحتلة.

تتمتع تايوان وإسرائيل بعلاقات دبلوماسية غير رسمية، لكنها وثيقة، تعود جذورها إلى القرن العشرين. تشترك الدولتان في تحديات مشتركة، مثل العزلة الدبلوماسية، والتهديدات الأمنية الإقليمية؛ مما عزز تعاونهما في مجالات مثل التكنولوجيا والزراعة والدفاع. مع أن تايوان لا تعترف رسميًّا بإسرائيل بسبب حساسيات العلاقات مع الدول العربية، فإن التعاون الاقتصادي والعلمي بينهما استمر في النمو. في هذا السياق، يبرز دعم تايوان لمستوطنة في الضفة الغربية كجزء من هذه العلاقة المعقدة، حيث تسعى تايوان إلى تعزيز شراكاتها الإستراتيجية مع كيانات تشترك معها في رؤى سياسية أو اقتصادية.

يتجلى الدعم التايواني للمستوطنة من خلال استثمارات مالية ومبادرات تعاونية تركز على المشروعات الزراعية والتكنولوجية. تشمل هذه المبادرات تمويل مشروعات تطوير البنية التحتية وبرامج تبادل المعرفة بين الشركات التايوانية وسكان المستوطنة. يُنظر إلى هذه الأنشطة على أنها جزء من جهود تايوان لتوسيع نفوذها الاقتصادي في مناطق ذات أهمية إستراتيجية، مع الاستفادة من الخبرات الإسرائيلية في الابتكار التكنولوجي. ومع ذلك، فإن هذا الدعم يثير تساؤلات عن مدى التزامه بالقوانين الدولية، لا سيما في ضوء الوضع القانوني للمستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وفقًا للقانون الدولي، تُعد المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية غير قانونية بموجب اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، التي تحظر نقل السكان المدنيين من قوة الاحتلال إلى الأراضي المحتلة. قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2334 (2016) أكد هذا الموقف، داعيًا الدول إلى الامتناع عن تقديم أي دعم يسهم في استمرار هذه المستوطنات. في هذا السياق، يُنظر إلى الدعم التايواني على أنه ينتهك هذه المبادئ القانونية، مما يعرض تايوان لانتقادات دولية محتملة. ومع ذلك، يجادل بعض المحللين بأن تايوان -بصفتها دولة غير معترف بها على نطاق عريض- قد لا تشعر بالالتزام الكامل بهذه القوانين، خاصة إذا كانت ترى أن مصالحها الإستراتيجية تتطلب هذه الشراكات.

تتميز تايوان باقتصاد قوي يعتمد كثيرًا على التكنولوجيا المتقدمة، خاصة صناعة أشباه الموصلات. هذا القطاع يجعل تايوان لاعبًا رئيسًا في السوق العالمية، حيث تسعى الشركات التايوانية إلى توسيع نطاق استثماراتها وشراكاتها الدولية. في الوقت نفسه، تمتلك إسرائيل سمعة مماثلة بوصفها مركزًا للابتكار التكنولوجي، خاصة في مجالات الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الزراعية. هذا التكامل بين الاقتصادين يخلق فرصًا للتعاون، حيث تستفيد كل من تايوان وإسرائيل من تبادل الخبرات والاستثمارات. ومع ذلك، فإن التعاون الاقتصادي بين البلدين لا يقتصر على المجالات التقليدية. هناك أمثلة على مشروعات مشتركة تتجاوز الحدود الجغرافية التقليدية، بما في ذلك الاستثمارات في مناطق مثيرة للجدل مثل الأراضي الفلسطينية المحتلة. هذه المشروعات غالبًا ما تكون مدفوعة بحوافز اقتصادية، مثل توفير بيئة استثمارية منخفضة التكلفة، أو فرص لتطوير تقنيات جديدة. ومع ذلك، فإن هذه الاستثمارات تثير تساؤلات عن مدى توافقها مع القوانين الدولية، والمعايير الأخلاقية، خاصة عندما تكون مرتبطة بمناطق متنازع عليها.

إن التعاون مع كيانات في مناطق متنازع عليها، مثل المستوطنات في الضفة الغربية، يضع تايوان في موقف حساس؛ من الناحية القانونية، تعد المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة غير قانونية بموجب القانون الدولي، وفقًا لقرارات الأمم المتحدة، وآراء المحكمة الجنائية الدولية. هذا الوضع يضع الشركات والحكومات التي تتعامل مع هذه المستوطنات في مواجهة انتقادات دولية محتملة. تسعى تايوان جاهدة إلى تحسين صورتها الدولية؛ ولهذا فإن الارتباط بهذه القضايا قد يعقد جهودها لكسب الدعم الدولي، خاصة من الدول التي تدعم القضية الفلسطينية. من الناحية الأخلاقية، يثير هذا التعاون تساؤلات عن مسؤولية الشركات والحكومات في احترام حقوق الإنسان والقوانين الدولية. الشركات التايوانية التي تستثمر في هذه المناطق قد تجد نفسها في مواجهة دعوات للمقاطعة أو ضغوط من منظمات حقوق الإنسان. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذا النوع من التعاون قد يؤثر في سمعة تايوان بوصفها دولة تسعى إلى تعزيز صورتها بوصفها قوة اقتصادية مسؤولة.

تواجه تايوان معضلة في محاولتها تحقيق التوازن بين مصالحها الاقتصادية والسياسية؛ فمن جهة، تسعى إلى تعزيز اقتصادها من خلال الاستثمار في الأسواق الدولية، بما في ذلك المناطق التي تقدم فرصًا اقتصادية جذابة. ومن جهة أخرى، فإن التورط في قضايا مثيرة للجدل قد يؤثر سلبًا في سمعتها الدولية. هذا التوتر يعكس التحديات الأوسع التي تواجهها تايوان في سعيها أن تكون لاعبًا عالميًّا مع الحفاظ على استقرارها السياسي. إسرائيل -من جانبها- تستفيد من هذا التعاون من خلال جذب الاستثمارات الأجنبية، التي تعزز اقتصادها وتدعم مشروعاتها في المناطق المحتلة. ومع ذلك، فإن هذا التعاون يعرض إسرائيل أيضًا لانتقادات دولية إضافية، مما قد يزيد تعقيد علاقاتها مع الدول الأخرى؛ ومن ثم فإن العلاقة بين تايوان وإسرائيل تعكس ديناميكية معقدة من المصالح المشتركة والتحديات المشتركة.

على الصعيد الدولي، يمكن أن يكون لهذا التعاون تأثيرات بعيدة المدى؛ أولًا: قد يؤدي إلى تعزيز العلاقات بين تايوان وإسرائيل، مما يوفر لهما دعمًا متبادلًا في مواجهة التحديات الجيوسياسية. ثانيًا: قد يثير هذا التعاون ردود فعل سلبية من الدول والمنظمات التي تعارض سياسات إسرائيل في الأراضي المحتلة. هذا قد يؤثر في تايوان على نحو خاص؛ إذ تسعى إلى كسب دعم المجتمع الدولي في مواجهة الضغوط الصينية. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذا التعاون يسلط الضوء على التحديات الأوسع التي تواجهها الدول ذات الوضع السياسي المعقد في بناء علاقات دولية. التعامل مع كيانات مثيرة للجدل قد يكون ضروريًّا لتايوان لتعزيز اقتصادها وموقعها الدولي، ولكنه يتطلب دراسة متأنية لتجنب الانعكاسات السلبية.

يعكس التعاون بين تايوان وإسرائيل في سياقات مثيرة للجدل تقاطع المصالح الاقتصادية والسياسية في عالم معقد جيوسياسيًّا، وتسعى تايوان إلى تعزيز مكانتها الاقتصادية والسياسية من خلال بناء علاقات مع شركاء غير تقليديين، في حين تواجه إسرائيل تحديات مماثلة في جذب الاستثمارات والدعم الدولي. ومع ذلك، فإن هذا التعاون يثير تساؤلات عن التوازن بين المصالح الاقتصادية والمسؤوليات الأخلاقية والقانونية. في نهاية المطاف، يتطلب هذا النوع من العلاقات دراسة دقيقة لتجنب التداعيات السلبية، سواء على المستوى الدولي، أو فيما يتعلق بالسمعة العالمية لكلا البلدين.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير.


شارك الموضوع