أبحاث ودراسات

من الملاذ إلى العداء

مستقبل الحركات الجهادية في ضوء مشروع “تركيا بلا إرهاب”


  • 25 يوليو 2025

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: economist

مثّل مشروع “تركيا بلا إرهاب”  (Türkiye Terörsüz) نقطة انعطاف في العلاقة بين الدولة التركية والتيارات الإسلامية الجهادية، حيث انتقل الموقف التركي من الحياد النسبي، أو التوظيف المرحلي، إلى سياسة أمنية صارمة ذات طابع أيديولوجي. وفي المقابل، طورت الجماعات الجهادية خطابًا مكثفًا يربط بين المشروع التركي والحرب الدولية على الإسلام، مصورة تركيا عدوًّا إستراتيجيًّا. هذا الصدام المفاهيمي يعكس تحولًا عميقًا في موقع تركيا من منظور الجهاديين؛ من بيئة محتملة للنصرة والهجرة، إلى ساحة للعداء والمواجهة الأيديولوجية والأمنية، ولعل أخطر ما في هذا التصور الجهادي هو أنه لا يُخاطب تركيا كدولة فقط، بل كرمز لفشل نموذج الإسلام السياسي المتحالف مع الدولة القومية والدول الغربية.

ومع أن مشروع “تركيا بلا إرهاب” كان يعتمد على توازن نسبي في استهداف تهديدين رئيسين؛ التهديد القومي العرقي المتمثل في حزب العمال الكردستاني، والتهديد الديني المرتبط بالجماعات الجهادية، فإنه بعد انسحاب حزب العمال الكردستاني -الذي كان يمثل التهديد المسلح الأبرز داخل تركيا عقودًا- من المشهد، ستحظى الجماعات الجهادية بالأولوية للنظام التركي بعد زوال التهديد الكردي، ما يضعنا أمام تساؤلات استشرافية جوهرية عن  رؤية التيارات الجهادية للمشروع بوصفه جزءًا من مشروع إقليمي ودولي لمحاربة الإسلام، وما التكتيكات التي قد تتبعها تلك الحركات لمواجهة أدوات المشروع التركي؟ وما مستقبل الحركات الجهادية وسيناريوهات التحرك المتوقعة على المدى المنظور في ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية.

قراءة في المشروع التركي

بدأت الدولة التركية بإعادة هيكلة أجهزتها الأمنية والإدارية جذريًّا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو (تموز) 2016، حيث اتهمت حركة الخدمة، التابعة لفتح الله غولن، بمسؤوليتها عن الانقلاب، وأدركت الدولة -بقيادة حزب العدالة والتنمية- أن التهديدات لا تنبع فقط من حركات انقلابية تقليدية داخل الجيش؛ بل أيضًا من بنى أيديولوجية وتنظيمية موازية للدولة تعمل داخل المجتمع المدني والمؤسسات الدينية والتعليمية؛ ومن ثم برزت فكرة التطهير الأمني والفكري كضرورة وجودية، وتحول ذلك لاحقًا إلى سياسة معلنة تحت مظلة مشروع شامل لمحاربة الإرهاب.

قبل 2016، كان تعريف الإرهاب في الخطاب التركي يُركز على التهديد الكردي المسلح لحزب العمال الكردستاني، وبعض التنظيمات اليسارية الداخلية، لكن بعد هذا العام توسع هذا التعريف ليشمل التيارات الجهادية السلفية، خاصة المرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية، وتنظيم القاعدة، وبعض الحركات الإسلامية المستقلة التي لا تخضع لرقابة الدولة، فضلًا عن استهداف الشخصيات الدينية والخطاب السلفي غير الرسمي حتى إن لم يحمل طابعًا عنيفًا، هذا التوسع المفاهيمي مكن الدولة من استخدام أدوات مكافحة الإرهاب بشكل أوسع، ودمجها مع خطاب السيادة والأمن القومي.

وإلى جانب الطابع الأمني، استُخدم مشروعتركيا بلا إرهاب لضبط المجال الديني والمجتمعي، حيث أُعيد تعريف الدين على أنه الخاضع للمؤسسة الرسمية رئاسة الشؤون الدينية التركية، ومنضبط في لغته وخطابه مع السياسة العامة للدولة، ولا يتبنى رموزًا أو مصطلحات من الخطاب الجهادي أو السلفي التقليدي، مثل الولاء والبراء والحاكمية، وهو ما أعطى المشروع بعدًا ثقافيًّا أيديولوجيًّا يتجاوز الملاحقة الجنائية، ويُعيد تشكيل البيئة الفكرية العامة.

ولم يكن المشروع معزولًا عن البيئة الإقليمية والدولية، بل جاء في لحظة حرجة كانت تركيا فيها تتعرض لضغوط أمريكية وأوروبية بخصوص تساهلها مع المقاتلين الأجانب في سوريا، وتحاول تحسين علاقاتها مع روسيا وإيران ضمن ترتيبات أستانا، وتسعى إلى استعادة ثقة المؤسسات الغربية بأنها شريك فاعل في مكافحة الإرهاب، حيث كان المشروع فرصة لإظهار التحديث الأمني التركي بما يتماشى مع معايير الأمن الدولي، وفي الوقت نفسه لتعزيز هيمنة أنقرة على الملف السوري، ومناطق النفوذ الحدودي.

 وبالنظر إلى البنية المؤسسية للمشروع نجد أن المشروع لم يأت في صورة قانون واحد؛ بل تشكل عبر تعديلات قانونية تمنح صلاحيات موسعة لأجهزة الأمن الداخلي والاستخبارات، وإنشاء وحدات مختصة بمكافحة التطرف الفكري والرقمي داخل وزارة الداخلية، مع تطوير أدوات الإنذار المبكر لرصد الخطاب المتشدد على وسائل التواصل، فضلًا عن إشراك المؤسسة الدينية (ديانات) في إنتاج خطاب بديل يناهض الإسلام الجهادي، ويعزز الإسلام التركي المعتدل، وهذا ما جعل المشروع ذا طابع شمولي مركب.

وفي هذا السياق، تعددت أدوات هذا المشروع وتنوعت بين البُعدين الأمني والرمزي والمعالجة القانونية والعَقدية؛ مما جعله محط جدل واسع ليس داخل تركيا فقط، بل أيضًا في أوساط التيارات الجهادية التي رأته بمنزلة إعلان حرب شاملة على البنية الفكرية والتنظيمية للجهاد المعاصر، ولعل أبرز أدوات المشروع اتضحت فيما يلي:

  1. الاعتقالات الاستباقية والملاحقات الأمنية: اعتمدت الدولة التركية -في إطار المشروع- سياسة الضربات الاستباقية ضد شبكات يُشتبه في انتمائها إلى تنظيمات جهادية تابعة لتنظيم القاعدة، وتنظيم داعش، بما في ذلك خلايا التجنيد، والترويج والدعم اللوجستي.
  2. الرقابة الرقمية: طُوّرت أنظمة مراقبة إلكترونية لرصد النشاط الجهادي على وسائل التواصل، وفُرضت رقابة صارمة على المنصات التي تتداول رموزًا أو مضامين ذات طابع سلفي جهادي.
  3. الضبط المؤسسي للدين: سعت الدولة التركية إلى إنتاج خطاب ديني رسمي منضبط عن طريق رئاسة الشؤون الدينية (ديانات)، يناهض خطاب الجهاد، ويروج للإسلام الوسطي، من خلال المنابر الرسمية والمناهج التعليمية.
  4. تجريم الرموز الجهادية والمصطلحات العَقَدية: من أدوات المشروع تجريم استخدام مفاهيم مثل الولاء والبراء والحاكمية، أو حتى عرض كتب منظّري الجهاد، مثل سيد قطب وأبي محمد المقدسي، وقد رأت التيارات الجهادية في ذلك تجريفًا للمفاهيم الإسلامية الأصلية، وتأكيدًا أن الحرب لم تعد فقط على السلاح؛ بل على العقيدة نفسها.
  5. برامج إعادة التأهيل الفكري: تبنت مؤسسات الدولة التركية مبادرات لإعادة تأهيل بعض الموقوفين بتهم التطرف، من خلال برامج فكرية ونفسية تستهدف تعديل قناعاتهم.
  6. التجريم الوقائي: استند المشروع إلى تعديلات قانونية موسعة من خلال تجريم الانتماء الفكري، أو التعبير الرمزي، وتمديد مدد الحبس الاحتياطي، واستخدام أدلة غير تقليدية، مثل المنشورات أو الرسائل المشفرة بوصفها قرائن على النيات الإرهابية.

الموقف العَقَدي للجماعات الجهادية من المشروع:

أثار مشروع “تركيا بلا إرهاب” الذي أطلقته الحكومة التركية عقب تصاعد التهديدات الجهادية في الداخل والخارج، اهتمامًا كبيرًا داخل الأوساط الجهادية، التي رأت في هذا المشروع تحولًا نوعيًّا في موقف الدولة التركية من الحركات الإسلامية المسلحة، إذ نظر الخطاب الجهادي إلى المشروع بوصفه أداة سياسية وأمنية مزدوجة، لا تهدف فقط إلى القضاء على التنظيمات المسلحة، بل أيضًا إلى تجفيف منابع الفكر الجهادي، واحتواء الإسلام الحركي خارج الإطار الرسمي.

وفي هذا السياق اعتبرت التنظيمات الجهادية، وعلى رأسها تنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة، إلى مشروع “تركيا بلا إرهاب” جزءًا من تحالف دولي لمحاربة ما يُعرف بـ”الإسلام الجهادي”، وامتدادًا لما تُسميه “التحالف العالمي على الإسلام”، فقد وصف تنظيم الدولة الإسلامية في عدة بيانات رسمية تركيا بأنها مرتدة، وأن مشروعها الأمني الحالي هو أداة لعلمنة المجتمع، وضرب المجاهدين فكريًّا وتنظيميًّا. ومن جهتها، اعتبرت جماعة القاعدة أن تركيا اندمجت في منظومة الحرب على الإسلام، أما هيئة تحرير الشام، ورغم تموضعها المختلف، فقد انتقدت المشروع ضمنيًّا بوصفه محاولة لاجتثاث الحركات الإسلامية المسلحة، لكنها حرصت على تجنب المواجهة المباشرة مع تركيا؛ بسبب العلاقات الوثيقة مع النظام التركي.

وفقًا لهذا التصور، لم تعد تركيا بيئة آمنة للمجاهدين كما كانت تُصوّر في مرحلة ما بعد الربيع العربي؛ بل أصبحت -من وجهة نظر الجماعات الجهادية- عدوًّا انخرط في الحرب العالمية ضد المشروع الإسلامي الجهادي، إذ يُروج في أدبيات هذه التنظيمات أن الدولة التركية لا تختلف عن بعض الأنظمة العربية المتحالفة مع الغرب؛ بل تفوقت عليها من حيث المراوغة السياسية، وتوظيف الإسلام لخدمة الاستبداد. كما يرى الخطاب الجهادي أن مشروع “تركيا بلا إرهاب” هو أداة مباشرة لتنفيذ تعليمات “الناتو” والولايات المتحدة ارتباطًا بالتنسيق الأمني العميق بين أنقرة وواشنطن في ملف المقاتلين الأجانب، ومشاركة تركيا في آليات مراقبة الحدود، ومكافحة التجنيد الإلكتروني.

فضلًا عن هذا، تصور بعض أدبيات الجهاد تركيا كـ”شرطي الحدود”، الذي يمنع تدفق المجاهدين إلى سوريا والعراق، ويسهل اصطيادهم بالتعاون مع المخابرات الغربية، إذ إن إحدى أبرز التهم الجهادية الموجهة إلى المشروع التركي هي ازدواجية الموقف؛ فبينما تدعم أنقرة الجماعات المسلحة الإسلامية في سوريا تُجرم التيارات نفسها داخل تركيا، وهذه الازدواجية تكشف أن مشروع “تركيا بلا إرهاب” لا يستهدف الإرهاب الفعلي؛ بل يُوجه ضد من لا يخضع لسلطة الدولة، أو يخرج عن منطق الإسلام الرسمي الخاضع للمؤسسة الدينية التركية؛ ومن ثم فإن الهدف الحقيقي للمشروع -في نظرهم- هو ضبط الحقل الإسلامي، وتقويض نشاطه الجهادي، وليس مكافحة الإرهاب بالمعنى الموضوعي.

وانطلاقًا مما سبق، تؤكد معظم الأدبيات الجهادية أن المشروع التركي يستهدف الفكر الجهادي حتى في صورته الدعوية النظرية، أو الدعوية السلمية، فقد رُصدت حالات حظر كتب وتوقيف دعاة سلفيين، ومداهمة مدارس شرعية غير رسمية، وإغلاق حسابات تنشر محتوى فكريًّا لا يرتبط مباشرة بالعنف، وهذا ما تراه التنظيمات الجهادية دليلًا على الطبيعة الأيديولوجية للمشروع التي لا تسعى إلى محاربة التهديد الأمني؛ بل إلى محاربة التوجه العَقَدي والفكري الذي يمثل خطورة على علمانية الدولة.

فضمن التصورات الجهادية، يُعد مشروع “تركيا بلا إرهاب” وسيلة لتكريس إسلام رسمي يُستخدم لخدمة السلطة السياسية، ويُروج له عبر مؤسسات الدولة، مثل رئاسة الشؤون الدينية (ديانات)، ويقابل هذا الإسلام الرسمي ما تصفه التنظيمات الجهادية بالإسلام الأصيل المقاوم، الذي يرى أن الجهاد هو السبيل لإقامة الشريعة، ومواجهة الأنظمة؛ ومن ثم فإن المشروع هو صراع بين نموذجين للإسلام: إسلام الدولة والمؤسسة، وإسلام الثورة والجهاد.

تكتيكات المواجهة الجهادية للمشروع التركي:

تتقاطع النظرة الجهادية للمشروع التركي عند اعتباره شكلًا من أشكال “الردة السياسية”؛ لأنه يدعي نصرة الإسلام في حين يتحالف مع قوى دولية كبرى، ويقمع الفصائل الجهادية المستقلة، وهذا الموقف العدائي لم يبق في إطار التنظير العَقَدي؛ بل تجسد في تكتيكات ميدانية متصاعدة، حيث تبنت الحركات الجهادية أدوات متعددة لتوظيف المشروع لخدمة مصالحها، لعل من أبرزها ما يلي:

  • التحول إلى السرية الكاملة: فرض المشروع التركي بيئة أمنية ضاغطة على الجماعات الجهادية داخل تركيا؛ ما دفع معظمها إلى تفكيك البنى الظاهرة، والتحول إلى الخلايا الصغيرة المستقلة، وكان من أبرز الجماعات التي لجأت إلى هذا التكتيك: تنظيم الدولةولاية تركيا، وهو ذراع محلية تابعة للتنظيم، اعتمد على خلايا نائمة غير مركزية، في حين اتجهت جماعة أنصار الإسلام، المرتبطة بالسلفية الجهادية العراقية، إلى العمل السري داخل الجنوب الشرقي التركي.
  • إعادة الانتشار الإقليمي والانسحاب من الداخل التركي:  لجأت بعض الجماعات إلى الانسحاب من العمق التركي إلى المناطق الحدودية، خاصة نحو الشمال السوري، على غرار حركة أحرار الشرقية، وفرقة السلطان مراد، رغم ارتباطها بتركيا أمنيًّا، لكن بعض العناصر ذات الخلفية الجهادية لجأت إلى التخفي داخل هذه التشكيلات، وعناصر من هيئة تحرير الشام المنفصلين عقَديًّا عنها، انتقلوا إلى بيئات أكثر انفتاحًا، مثل ريف إدلب الغربي، أو مناطق شرق حلب، وهذا الانتشار أسهم في خفض المواجهة المباشرة مع الدولة، لكنه لم يُنهِ خطر التنظيمات التي لا تزال تنشط في المناطق النائية.
  • بناء شبكات إعلامية موازية خارج تركيا: ردًا على التضييق داخل تركيا، أنشأت جماعات، مثل القاعدة وداعش، قنوات خارجية بديلة عن طريق تطبيقات مشفرة، كما برزت منصات باللغة التركية تُدار من الخارج، وتروج للمنهج الجهادي، وتهاجم المشروع مباشرة، مثل Tevhid Dergisi التابع للتيار الجهادي التركي، وقنوات باللغة التركية لمؤسسة الفرقان التابعة لداعش.
  • استخدام المشروع ذريعة للتجنيد: وظفت التنظيمات الجهادية مشروع “تركيا بلا إرهاب” في الخطاب الدعائي التعبوي، حيث صُوِّر على أنه اضطهاد رسمي للمسلمين، ومحاولة لتغريب المجتمع عن الإسلام الحقيقي، فضلًا عن اعتبار المشروع دليلًا على خيانة الحكومات الإسلامية المتحالفة مع الغرب. كما استغلت الجماعات الجهادية مشاهد المداهمات والاعتقالات للنظام التركي في سياق عودة ما يُطلق عليه محاكم التفتيش الإسلامية.
  • التحريض على الهجرة من تركيا: تبنى تنظيم الدولة الإسلامية خطابًا واضحًا منذ عام 2020 يدعو عناصره وأنصاره في تركيا إلى الهجرة باعتبارها “أرض كفر”، و”دار حرب”، لا يجوز البقاء فيها، ورسخت تلك الدعوة الأدوات الإعلامية للحركات الجهادية على غرار إصدار مرئي بعنوان “فروا إلى الله”، تضمن دعوة صريحة للهجرة من تركيا، فضلًا عن فتاوى من شخصيات، مثل أبي وليد المقدسي، تحرم العمل الدعوي العلني داخل تركيا، وترى البقاء فيها في إطار “الركون إلى الظالمين”.

مستقبل الحركات الجهادية

يفرض مشروع “تركيا بلا إرهاب” واقعًا أمنيًّا وأيديولوجيًّا جديدًا على الجماعات الجهادية في الداخل التركي، والمناطق الحدودية، فقد تحول المجال التركي من بيئة عبور وتكتيك إلى بيئة عداء وملاحقة، وقد أسفر هذا عن دفع الجماعات الجهادية إلى إعادة تقييم إستراتيجياتها وتكتيكاتها تجاه الدولة التركية، وهو ما قد يحمل عدة تكهنات بشأن مستقبل تحركات الحركات الجهادية، تتضح فيما يلي:

السيناريو الأول: العمل السري المنظم:

تميل الجماعات الجهادية في هذا السيناريو إلى تجنب المواجهة المباشرة مع الدولة التركية، وتتجه إلى التحول إلى شبكات سرية مغلقة تعتمد على الخلايا الصغيرة غير مركزية، والعمل العَقَدي الدعوي في الخفاء، مع الاعتماد على تقنيات التخفي الرقمي والمجتمعي، ويعد هذا السيناريو الأكثر ترجيحًا على المدى المنظور ارتباطًا بتصاعد الرقابة الأمنية، واتساع مشروع “تركيا بلا إرهاب” ليشمل حتى العمل الدعوي والسلفي غير المسلح، وهو يتيح للجماعات الحفاظ على الوجود العَقَدي والتنظيمي دون خسائر مباشرة، ويدعم حدوث هذا السيناريو تزايد عمليات الاعتقالات الوقائية التي تمارسها الدولة التركية في السنوات الأخيرة بتهم الانتماء العَقَدي، فضلًا عن ارتفاع استخدام الجهاديين تطبيقات اتصال مشفرة، ومنصات سرية للتواصل، مع تراجع النشاط الإعلامي الجهادي العلني باللغة التركية، وتحوله إلى رموز مشفرة، أو قنوات مغلقة، غير أن تحقق هذا السيناريو كاملًا يواجه معوقات هيكلية، منها: صعوبة التواصل بين الخلايا الجهادية، وضعف التجنيد في ظل انكماش المساحات الآمنة، ونجاح الاستخبارات التركية في اختراق الشبكات التقنية للجماعات الجهادية، ومع ذلك، فإن تحقق هذا السيناريو يُعد الأكثر تهديدًا؛ إذ يصعب على الدولة التركية تتبعه، كما يفتح الباب لنمو جيل متطرف أكثر تجذرًا.

السيناريو الثاني: التمدد الإقليمي للجماعات الجهادية:

يفترض هذا السيناريو أن التيارات الجهادية ستتجه إلى تقليص نشاطها داخل تركيا، والانتقال تدريجيًّا إلى مناطق النزاع في سوريا والعراق وأفغانستان، أو ساحات جديدة مثل دول آسيا الوسطى  بوصفها ذات الأولوية الأمنية لتركيا، مستفيدة من ضعف الحوكمة هناك، مع الحفاظ على حد أدنى من الحضور داخل تركيا لأغراض الدعم والتمويل واللوجستيات، ويعزز حدوث هذا السيناريو -على نحو أقل ترجيحًا عن سابقه- أن البيئة الداخلية التركية باتت طاردة للجهاديين من الناحية الأمنية والاجتماعية والدعوية، في مقابل بيئات أخرى توفر ملاذًا وشرعية نسبية، ويخدم هذا التصور ميل الجماعات الجهادية إلى إعادة التموضع دائمًا عند اشتداد الضغط المحلي، ويدعم هذا تنامي محاولات العبور إلى الشمال السوري أو ليبيا، إلى جانب تضاعف أعداد الجهاديين الأتراك المعتقلين في دول الجوار التركي، مع تراجع عدد الهجمات أو الحوادث الأمنية المرتبطة بالجهاديين في المدن التركية الكبرى في السنوات الأخيرة، فضلًا عن تكثيف التنسيق بين بعض العناصر الجهادية والقادة المحليين في الفصائل السورية الخارجة جزئيًّا عن السيطرة التركي، لكن يواجه هذا السيناريو تحديات مثل صعوبة الانتقال الحدودي في ظل تشديد الرقابة التركية، ووجود توتر بين بعض الفصائل الجهادية والنظام التركي في الشمال السوري، بالإضافة إلى التنافس بين الفصائل نفسها في الخارج؛ ومن ثم فإن تأثير حدوث هذا السيناريو على الدولة التركية سيكون محدودًا أمنيًّا في الداخل، لكنه سيحمل أعباءً اقتصادية وأمنية ترتبط باستمرار الإنفاق العسكري والاستخباراتي في محيط تركيا الإقليمي.

السيناريو الثالث: التصعيد المحدود:

يقوم هذا السيناريو على احتمال تنفيذ عمليات جهادية محدودة وعالية الرمزية داخل الأراضي التركية، سواء من خلال التفجير، أو الاغتيال، أو مهاجمة رموز أمنية أو دينية، كرد فعل على التصعيد من الدولة التركية، وينسجم هذا السيناريو مع العقيدة الجهادية القائمة على الثأر والرد والانتقام الرمزي، كما أنه يخدم أهدافًا إعلامية وتعبوية، ويعطي الجماعة زخمًا في مواجهة خطاب الهزيمة والتراجع. ويعزز حدوث هذا السيناريو تصاعد خطاب الثأر ضد تركيا في الخطاب الإعلامي الجهادي، مثل إصدارات مجلة النبأ الداعشية وبيانات تنظيم القاعدة، إلى جانب ظهور تسجيلات تحريضية تستهدف شخصيات ومؤسسات تركية باسم الرد على الحرب على الإسلام، بالإضافة إلى تنامي قدرات النظام التركي على كشف خطط الخلايا الجهادية لاستهداف قنصليات أو أماكن حساسة، مثل مخطط تفجير إسطنبول 2022. كما أن وجود عناصر تركية ضمن قيادات ميدانية في ولاية الشام بتنظيم الدولة يدعم احتمال التوجيه العكسي. ويبقى هذا السيناريو الأكثر كلفة وخطورة على الدولة التركية؛ لأنه يُحدث صدمة أمنية وسياسية، ويزعزع شعور الاستقرار المجتمعي، ويحرج الخطاب الرسمي التركي بشأن النموذج الإسلامي المعتدل، ويُعطي المبرر لتوسيع المشروع أمنيًّا.

الخاتمة

أحدث مشروع “تركيا بلا إرهاب” تحولات جوهرية ترتبط بمستقبل تموضع الجماعات الجهادية داخل تركيا والدول المجاورة، ليس فقط من حيث النشاط الأمني؛ بل من حيث الخطاب والعقيدة والبنية التنظيمية، ما جعله واحدًا من أوسع المشروعات الأمنية التي استهدفت بنية التيارات الجهادية داخل دولة ذات خلفية إسلامية حاكمة، ورغم ما حققه المشروع من نتائج أمنية مرحلية، فإن ردود فعل التيارات الجهادية تكشف عن انتقال الصراع من المستوى العسكري إلى المستوى العَقَدي؛ ما يُنذر بتجذر أشكال جديدة من العمل الجهادي السري، وقد كشفت هذه التحولات عن قابلية التكيف لدى الجماعات الجهادية مع المتغيرات الأمنية، لكنها في الوقت نفسه أبرزت انقسامات داخل الحقل الجهادي بشأن الموقف من تركيا بوصفها دولة إسلامية تسعى إلى تحييد خطر الجماعات الجهادية تحت شعار محاربة الإرهاب؛ ومن ثم يبقى التحدي الحقيقي للنظام التركي في موازنة الأمن مع الحفاظ على الحريات الدينية والفكرية؛ تجنبًا لتعميق بيئة العداء العَقَدي، التي تمثل الوقود الأساسي للتجنيد الجهادي الطويل المدى، وهو ما يستوجب إعادة الدولة التركية هندسة مشروعها الأمني بحيث يتخذ بعدًا فكريًّا دعويًّا أشمل؛ ما قد يقود إلى مواجهات جديدة غير تقليدية، سيكون فيها الفكر الجهادي أكثر خطرًا وسرية.

ما ورد في الدراسة يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير.


شارك الموضوع