لقد أودى الصراع بين روسيا وأوكرانيا بحياة عشرات الآلاف من البشر، وتسبب في دمار تقدر قيمته بمليارات الدولارات؛ ولهذا السبب يأمل كثيرون أن يعلن الجانبان وقفًا قريبًا لإطلاق النار، ولكن حقيقة أن الولايات المتحدة وبعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي كانت تقدم المعدات العسكرية والذخيرة لأوكرانيا جعلت من الصعب إنهاء الصراع. إن طبيعة المساعدات التي يقدمها الاتحاد الأوروبي لأوكرانيا تختلف عن تلك التي تقدمها الولايات المتحدة؛ فقد كان الاتحاد الأوروبي يقدم “مساعدات خالصة” لأوكرانيا، ولم يحقق أي ربح تقريبًا. ومن ناحية أخرى، تحقق الولايات المتحدة، بمجمعها الصناعي العسكري المتطور، أرباحًا كبيرة من خلال توريد الأسلحة والذخيرة لأوكرانيا، يذهب معظمها إلى جيوب الصناعات الدفاعية الأمريكية، وعلى هذا فإن تكلفة سفك الدماء في أوكرانيا تعني خسارة طويلة الأجل لأوروبا.
لقد أدى الصراع بين روسيا وأوكرانيا إلى قطع الصلة بين بعض اقتصادات الاتحاد الأوروبي وقطاع الطاقة في روسيا؛ مما أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة. وفي خضم التباطؤ الاقتصادي العالمي، انخفضت العائدات المالية لدول الاتحاد الأوروبي، وأصبح تعافيها الاقتصادي متعثرًا، وأصبحت الأسواق المالية الأوروبية متقلبة، وضعف اليورو. في ضوء مطالب الإدارة الأمريكية الجديدة، لا يتعين على دول الاتحاد الأوروبي زيادة ميزانياتها الدفاعية فقط؛ بل أيضًا المساهمة على نحو أكبر في ميزانية حلف شمال الأطلسي، مع الاستمرار في تقديم مزيد من المساعدات العسكرية لأوكرانيا، وهذا يعني زيادة العجز المالي وأعباء الديون على دول الاتحاد الأوروبي.
قبل الصراع بين روسيا وأوكرانيا، كانت روسيا المورد الرئيس للغاز الطبيعي للاتحاد الأوروبي، إذ بلغت حصتها في سوق الغاز الطبيعي في الاتحاد الأوروبي 40%، ولكن بعد اندلاع الصراع، بدأت دول الاتحاد الأوروبي بالبحث عن إمدادات طاقة متنوعة لتقليل اعتمادها على الطاقة الروسية.
وبينما عززت دول الاتحاد الأوروبي تعاونها في مجال الطاقة مع الدول المصدرة للغاز الطبيعي، مثل النرويج والجزائر وقطر، واستكشاف مصادر جديدة لاستيراد الغاز الطبيعي المسال، اغتنمت الولايات المتحدة الفرصة لزيادة صادراتها من الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا. ومع ذلك، ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي في الاتحاد الأوروبي؛ مما أدى إلى رفع تكلفة السلع.
ومع أن الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء تبنت سياسات فعّالة، وتستخدم قنوات مالية متعددة لتقليل اعتمادها على الطاقة الروسية، ومعالجة أزمة الطاقة الناجمة عن الصراع بين روسيا وأوكرانيا مؤقتًا، فإن وارداتها من الطاقة وتجارتها الخارجية لا تزال تواجه أخطارًا جيوسياسية. وإذا استمر الصراع بين روسيا وأوكرانيا، فسوف يواجه اقتصاد الاتحاد الأوروبي ضغوطًا اقتصادية أكبر، ويتخلف عن الاقتصادات المتقدمة الأخرى.
كما اضطر الاتحاد الأوروبي، في مواجهة ارتفاع تكاليف الطاقة، إلى خفض متطلباته من الطاقة النظيفة في الأمد القريب؛ إذ لجأت الدول الأعضاء إلى الوقود الأحفوري للحفاظ على إنتاجها الصناعي، وتزويد الصناعات والأسر بالكهرباء والتدفئة. وقد أعلنت ألمانيا وإيطاليا والنمسا وهولندا والدنمارك ودول أخرى في الاتحاد الأوروبي بالفعل إعادة فتح محطات الطاقة التي تعمل بالفحم.
كما أجبرت أزمة الطاقة شركات التصنيع في الاتحاد الأوروبي، وخاصة تلك العاملة في الصناعات التقليدية المتميزة، مثل صناعة الآلات والصناعات الكيماوية، على تعديل سلاسل التوريد الخاصة بها. كما أن عددًا كبيرًا من الشركات الأوروبية، وخاصة تلك التي استثمرت في الولايات المتحدة، غير راضية عن الاتحاد الأوروبي في ضوء إستراتيجية واشنطن “أمريكا أولًا”؛ وهو ما أدى إلى تفاقم المخاوف داخل أوروبا بشأن “إنهاء دورها الصناعي”.
ورغم تسارع التحول الأخضر في الاتحاد الأوروبي، فإنه يواجه كثيرًا من التحديات وعدم اليقين. وقد قدم الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء سلسلة من السياسات لدعم التحول الأخضر، من شأنها أن تخلق نقاط نمو اقتصادي جديدة وفرص صناعية؛ مما يدفع البلدان إلى زيادة الاستثمار في الصناعات ذات الصلة، وتعزيز تطويرها، ولكن بفضل تأثير الصراع بين روسيا وأوكرانيا في اقتصاد الاتحاد الأوروبي، انخفض نمو الاستثمار في التحول الأخضر. وهناك فجوة كبيرة بين دول الاتحاد الأوروبي عندما يتعلق الأمر بالاستثمار في التحول الأخضر.
فضلًا عن ذلك، لا يزال الاتحاد الأوروبي يواجه اختناقات تكنولوجية، وبنية أساسية غير كافية؛ مما قد يؤدي إلى إبطاء التحول الأخضر. إن البنية التحتية التكنولوجية الحالية في الدول الأوروبية لا تستطيع تلبية احتياجات التحول الأخضر على نحو كامل.
وبالإضافة إلى ذلك، هناك اختلافات بين دول الاتحاد الأوروبي فيما يتصل بسرعة السياسات الرامية إلى تعزيز التحول الأخضر وكثافتها؛ فبعض الدول الأعضاء لديها وجهات نظر مختلفة بشأن نسبة التكاليف والفوائد المترتبة على التحول الأخضر، وهو ما يجعل من الصعب تنسيق سياسات الدول الأعضاء المختلفة.
بالإضافة إلى ذلك، اجتذبت سياسات مثل قانون خفض التضخم في الولايات المتحدة استثمارات من شركات الاتحاد الأوروبي؛ وهو ما أدى إلى نقل بعض سلاسل الصناعة الخضراء الأوروبية، والتأثير في التحول الأخضر بالاتحاد الأوروبي.
باختصار، يقف الاتحاد الأوروبي على أعتاب تحقيق أكبر قدر من المكاسب من حثّ روسيا وأوكرانيا على إعلان وقف إطلاق النار، وهو ما سيكون له تأثير عميق في العلاقات الدولية والاقتصاد العالمي؛ ومن ثم فإن إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن سيكون الأكثر فائدة للاتحاد الأوروبي.