وحدة الدراسات الصينية

مقابلة خاصة

الصراع الروسي الأوكراني وإعادة النظر في مفهوم الأمن


  • 22 فبراير 2025

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: ghall

يصادف الرابع والعشرون من فبراير (شباط) ذكرى الصراع بين روسيا وأوكرانيا، الذي استمر ثلاث سنوات، وهو ما يطرح عدة أسئلة، منها: لماذا استمر الصراع فترة طويلة؟ وهل يقترب من نقطة تحول الآن بعد جلوس كل من الولايات المتحدة وروسيا إلى طاولة المفاوضات؟ وكيف سيتطور الصراع في ظل الظروف الجديدة؟

مع اقتراب الذكرى السنوية الثالثة، عقدت صحيفة غلوبال تايمز مقابلات مع خبراء في الولايات المتحدة وأوروبا. في هذه المقابلة الأولى من السلسلة، شارك غلين دايسن (Glenn Diesen)، عالم السياسة النرويجي، والأستاذ في جامعة جنوب شرق النرويج (USN)، أفكاره، إذ يعتقد أن أزمة أوكرانيا هي أحد أعراض انهيار البنية الأمنية الأوروبية، ويرى أن أوروبا يجب أن تتغلب على سياسات التكتلات المنتمية إلى حقبة الحرب الباردة، وتعود إلى مبدأ الأمن غير القابل للتجزئة.

غلوبال تايمز: يقترب الصراع بين روسيا وأوكرانيا من عامه الثالث، لماذا استمر كل هذا الوقت؟

دايسن: استمرت الحرب كل هذا الوقت لاستنزاف روسيا. منذ اليوم الأول بعد بدء الصراع، أكد فولوديمير زيلينسكي أن موسكو اتصلت به لبدء المفاوضات بشأن حياد أوكرانيا. في مارس (آذار) 2022، أكد زيلينسكي أن كثيرًا من الدول الغربية أرادت حربًا طويلة حتى تتمكن من استنزاف روسيا، حتى لو كان “هذا يعني زوال أوكرانيا”. ومع ذلك، وبعد ذلك بوقت قصير، كشف الوسطاء الأتراك والإسرائيليون أن مفاوضات السلام في إسطنبول فشلت بعد أن ضغطت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة على زيلينسكي للانسحاب من المفاوضات؛ لأنهم أرادوا حربًا طويلة لاستنزاف روسيا. على مدى السنوات الثلاث التالية، أرسل حلف شمال الأطلسي الأسلحة، ورفض أي مفاوضات أو حتى اتصالات دبلوماسية مع روسيا، إذ زعم أن الحرب لن تنتهي إلا باستسلام روسيا وانسحابها من أوكرانيا. ولأن روسيا رأت هذا تهديدًا وجوديًّا، فقد استمرت في القتال. بعد ثلاث سنوات من الصراع، نفد مخزون الناتو من الأسلحة التي يمكن إرسالها، ونفد مخزون أوكرانيا من الجنود. إن الحرب في أوكرانيا تشكل أحد أعراض انهيار البنية الأمنية الأوروبية. ومن المؤمل أن تتمكن أوروبا من التغلب على سياسات التكتلات التي سادت إبان الحرب الباردة، والعودة إلى مبدأ الأمن غير القابل للتجزئة.

غلوبال تايمز: يوم الثلاثاء، بعد محادثات بين الولايات المتحدة وروسيا في المملكة العربية السعودية، اتفق البلدان على أربعة مبادئ؛ الأول هو “البدء في العمل على مسار لإنهاء الصراع”. ما رأيك في أهمية هذا الاجتماع؟

دايسن: لقد شهدنا بعض التطورات الإيجابية، مثل القرار بإعادة البعثات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا. هناك أيضًا رغبة متبادلة في ضمان حل سياسي ينهي الحرب نهاية دائمة، بدلًا من وقف إطلاق النار المؤقت، ومعالجة أعراض الحرب فقط، وهذا يعطي أملًا حقيقيًّا للتفاؤل. يبدو أن الولايات المتحدة تدرك أن النظام العالمي الأحادي القطب قد انتهى، ولم يعد بإمكانها الهيمنة على كل ركن من أركان الكوكب؛ لذلك يجب وضع إعادة تصور للأمن، حيث يجب على الولايات المتحدة أن تأخذ في الحسبان المخاوف الأمنية للقوى العظمى الأخرى.

غلوبال تايمز: قال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إنه قد يلتقي قريبًا بالرئيس الروسي فلاديمير بوتن. إذا حدث هذا الاجتماع، فكيف تعتقد أنه سيؤثر في حل الصراع الروسي الأوكراني؟

دايسن: من المؤكد تقريبًا أن هذا الاجتماع سيحدث؛ لأن كلا من الولايات المتحدة وروسيا تريد إنهاء الحرب. ومع ذلك، فإن المشكلة هي أن أوكرانيا تضطلع بدور صغير فقط في هذه المفاوضات، وأوروبا ليس لها دور.

غلوبال تايمز: تزعم بعض وسائل الإعلام الأوروبية أن “خطة السلام” الأمريكية تركت حلفاءها الأوروبيين “في حالة صدمة”. ردًا على سلسلة من الإجراءات الأمريكية الأخيرة، هل تعتقد أن خطة السلام الأمريكية قادرة على تحقيق ما تسميه “سلامًا عادلًا ودائمًا”؟

دايسن: يجب أن يكون الجزء الأساسي من أي اتفاق سلام استعادة حياد أوكرانيا. قبل ثلاث سنوات، كان الحياد كافيًا، ولكن بعد ثلاث سنوات من الحرب، أصبحت هناك مطالب بالمزيد. ومع ذلك، هناك حاجة ماسة إلى اتفاق وقف إطلاق النار؛ لأن أوكرانيا لن تخسر سوى مزيد من الرجال والأراضي كلما استمرت الحرب. لقد دُمرت أوكرانيا الآن، والولايات المتحدة تقلص خسائرها في سعيها إلى مغادرة أوكرانيا والاستيلاء على بعض مواردها في طريقها للخروج.

غلوبال تايمز: مؤخرًا، كرر وزير الخارجية الصيني وانغ يي موقف الصين بشأن أوكرانيا في مؤتمر ميونخ للأمن، داعيًا جميع أصحاب المصلحة في الصراع بين روسيا وأوكرانيا إلى المشاركة في محادثات السلام. كيف تقيم موقف الصين ودورها في أزمة أوكرانيا؟

دايسن: إسهامات الصين في إنهاء الحرب مهمة. صحيح أن هذا صراع في أوروبا، لكن خطر تصعيده إلى حرب نووية يشير إلى أنه يؤثر أيضًا في أمن العالم. كما أن الصين قادرة على استيعاب جزء كبير من الجنوب العالمي للمساهمة.

غلوبال تايمز: لقد علقت ذات مرة بأن “الحجة المثالية الأكثر جاذبية وخطورة التي دمرت أوكرانيا هي أنها تتمتع بالحق في الانضمام إلى أي تحالف عسكري ترغب فيه”. ومؤخرًا، صرح الأمين العام لحلف شمال الأطلسي بأن أوكرانيا لم تُوعَد قط بعضوية حلف شمال الأطلسي. ما رأيك في معنى هذا التصريح لأوكرانيا؟

دايسن: “عضوية حلف شمال الأطلسي” تتجاهل أن وضع كتلة عسكرية معادية على حدود روسيا يشكل قضية بالغة الأهمية لروسيا؛ لأنها ترى هذا تهديدًا وجوديًّا. إن حرمان روسيا من حق النقض على توسع حلف شمال الأطلسي يبدو قانونيًّا، لكنه يؤدي إلى اضطرار روسيا إلى فرض حق النقض بالقوة العسكرية. ولو وعد حلف شمال الأطلسي بعدم التوسع في عام 2021، لما كان هناك صراع بين روسيا وأوكرانيا. إن التظاهر بأن أوكرانيا لم تُوعَد قط بعضوية حلف شمال الأطلسي أمر مدمر، إذ كان من الممكن تجنب الحرب، والآن ستكون أوكرانيا في موقف صعب جدًّا ومكشوف.

غلوبال تايمز: في كتابك “حرب أوكرانيا والنظام العالمي الأوراسي”، أشرت إلى أن “الحرب في أوكرانيا هي أحد أعراض انهيار النظام العالمي”. ومع دخول الصراع عامه الرابع، كيف تعتقد أن دور الغرب في النظام العالمي قد تغير؟

دايسن: بعد الحرب الباردة، حددت الولايات المتحدة إستراتيجية أمنية قائمة على الأحادية القطبية، أو التفوق العالمي. تقليديًّا، يعتمد الأمن على التخفيف من حدة المنافسة الأمنية بين القوى العظمى، إذ إن الفشل في احترام المخاوف الأمنية للقوى العظمى الأخرى سيؤدي إلى التصعيد. ومع ذلك، فإن الأمن في ظل التفوق العالمي للولايات المتحدة لا يستلزم مراعاة المخاوف الأمنية للقوى العظمى الأخرى؛ بل يستلزم أن تكون الولايات المتحدة مهيمنة إلى الحد الذي لا يهم إذا شعرت الدول الأخرى بالتهديد، إذ لا يوجد شيء يمكنها القيام به. يجب على الولايات المتحدة الآن تغيير إستراتيجيتها الأمنية، والبدء بمراعاة أمن خصومها. في هذا العالم الجديد، سوف يتفتت الغرب؛ لأن الأوروبيين لم يعودوا شركاء للهيمنة الجماعية.

المصدر: صحيفة غلوبال تايمز (Global Times) الصينية

ما ورد في المقابلة يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير.


شارك الموضوع