في الآونة الأخيرة، حدّث الموقع الرسمي لوزارة الخارجية الأمريكية الموقف الأمريكي بشأن جزيرة تايوان، من خلال إزالة البيان السابق الذي أكدت في الولايات المتحدة أنها “لا تدعم استقلال تايوان”. كما ورد أن السلطات التايوانية تتفاوض مع واشنطن على شراء أسلحة، منها صواريخ كروز بحرية (Sea Breaker)، وراجمات الصواريخ هيمارس (HIMARS)، بقيمة تتراوح من 7 إلى 10 مليارات دولار. لقد اتخذت الولايات المتحدة إجراءات لا يمكن وصفها بسوى الحقيرة فيما يتعلق بالخط الأحمر للصين، مع تمسكها العنيد بالسياسة الخاطئة المتمثلة في “استخدام جزيرة تايوان لاحتواء الصين”، دون أن تدرك أنها تلعب بالنار.
فيما يتصل بقضية تايوان، أكدت الحكومة الأمريكية -منذ فترة طويلة- أنها “تعارض أي تغييرات أحادية الجانب في الوضع الراهن من أي من الجانبين”، لكن تصرفات القوى الانفصالية في تايوان، والتدخلات التي يتم فرضها من خلال كثير من السياسات والقوانين الأمريكية أدت جميعها إلى تقويض استقرار مضيق تايوان، ويرجع هذا إلى محاولة الولايات المتحدة استغلال القوى الانفصالية التايوانية لربط الجزيرة بعربة واشنطن الجيوستراتيجية.
إن التاريخ لا يمكن التلاعب به، ولا يمكن إنكار الحقائق أو تحريفها فيما يتصل بقضية تايوان. ومهما طال أمد هذه القضية العالقة، ومهما تغيرت البيئة السياسية الداخلية في تايوان، فإن الحقيقة الأساسية المتمثلة في أن “جانبي مضيق تايوان ينتميان إلى صين واحدة” لا يمكن تغييرها، ولن تتزعزع بكين عن موقفها، ولن تدعم أي محاولة من جانب قوى “استقلال تايوان”، أو القوى الخارجية المناهضة للصين، لتغيير هذه الحقيقة الأساسية من جانب واحد.
في المقابل، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، أن الولايات المتحدة لا تزال ملتزمة بـ”سياسة الصين الواحدة”، وهذا يوضح أن بعض الساسة الأمريكيين ينظرون إلى قضية تايوان بوصفها مجرد “ورقة” يتم التلاعب بها في ظل سعيهم إلى توسيع مساحة المناورة لديهم لاستخدام “ورقة تايوان” في احتواء الصين، في حين يهدفون إلى تجنب تجاوز الخطوط الحمراء و”الاشتباك المباشر” مع الصين بشأن المصالح الأساسية.
في مايو (أيار) 2022، أزالت إدارة جو بايدن -بهدوء- عبارات مثل “عدم دعم استقلال تايوان” من موقعها على الإنترنت، ثم استعادتها بعد أقل من شهر. ومع ذلك، بعد تولي الإدارة الأمريكية الحالية، حذفت وزارة الخارجية -بهدوء أيضًا- البيان نفسه من موقعها على الإنترنت، وهو إجراء وإن بدا أنه لا يسعى إلى استفزاز الصين علنًا، لكنه يحمل نيات إستراتيجية عميقة وخطيرة. من ناحية أخرى، وبوصفها صاحبة المبادرة الرئيسة والمشاركة الأساسية في إعلان القاهرة (1943)، وإعلان بوتسدام (1945)، وفي مواجهة تصميم الصين الراسخ على حماية مصالحها الأساسية، فإن الولايات المتحدة لا تستطيع -ولا تجرؤ- على دعم تقسيم الصين علانية، سواء من وجهة نظر أخلاقية، أو على أساس قدراتها الإستراتيجية الخاصة؛ لأن القيام بذلك يتعارض مع المعايير العالمية. ونتيجة لهذا تبنت الولايات المتحدة إستراتيجية “هامشية”، فلجأت إلى مناورات صغيرة، مثل “تحديث” بيانات سياسية على المواقع الإلكترونية لوزارة الخارجية، أو الإدلاء بما يسمى بتصريحات “زلة اللسان” عن “الدفاع عن تايوان”. ويتلخص جوهر هذه الإجراءات في طمس وإفراغ المعنى الجوهري لسياسة الصين الواحدة التي تنتهجها الولايات المتحدة باستمرار.
ومن ناحية أخرى، نظر بعض الساسة الأمريكيين في السنوات الأخيرة إلى الصين بوصفها “المنافس الإستراتيجي الرئيس”، وحاولوا “التفوق عليها في المنافسة”، مسلطين الضوء على القيمة الإستراتيجية لتايوان كقطعة شطرنج في هذا السياق، ويعود ذلك إلى عدة أسباب، أهمها:
أولًا– تقع جزيرة تايوان في موقع مركزي داخل “سلسلة الجزر الأولى” التي تستخدمها الولايات المتحدة لاحتواء الصين، وخاصة بموجب “إستراتيجية المحيطين الهندي والهادئ” الأمريكية؛ مما يمنح الجزيرة قيمة إستراتيجية جيوسياسية لا يمكن تعويضها.
ثانيًا– وسط إستراتيجية “التطويق” التكنولوجية الفائقة الأمريكية ضد الصين، و”التطويق المضاد” للصين، مع استمرار صناعة التكنولوجيا في البر الرئيس الصيني في تحقيق اختراقات، أصبحت صناعة أشباه الموصلات في تايوان من الحواجز الدفاعية القليلة المتبقية لتصنيع الرقائق المتقدمة ضمن نهج “الفناء الصغير والسياج العالي” الأمريكي؛ لذلك تستخدم الولايات المتحدة تكتيكات ناعمة وقاسية، باستخدام الإعانات لجذب نقل قدرات شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات المحدودة (TSMC) إلى الداخل الأمريكي، في حين تضغط أيضًا على الشركة للتخلي عن بعض مقاعد مجلس الإدارة، وتسليم تقنيات العمليات المتقدمة إلى الجانب الأمريكي.
وبفضل التعاون النشط بين قوى “استقلال تايوان”، فإن الأساس الذي تقوم عليه صناعة أشباه الموصلات في تايوان يتعرض للتآكل تدريجيًّا على يد الولايات المتحدة، ولكن في ظل تحول الوجود العسكري الأمريكي تدريجيًّا نحو “سلسلة الجزر الثانية”، واحتفاظها بـ”حلفاء” فقط في “سلسلة الجزر الأولى”، فعندما تفقد تايوان نفوذها الكبير في صناعة أشباه الموصلات في المستقبل، كم ستكون الولايات المتحدة على استعداد لدفع المزيد من أجل الاحتفاظ بهذه “الورقة العديمة الفائدة”؟ يبدو أن واشنطن تحتاج إلى تقييم مدى قدرة قوى “استقلال تايوان” على بيع مصالح الشعب التايواني.
إن الاعتراف بالوضع الأساسي المتمثل في أن جانبي مضيق تايوان ينتميان إلى صين واحدة واحترامه يشكلان الفرضية والأساس لحل قضية تايوان سلميًّا. وقد اقترحت الصين سياسة “إعادة التوحيد السلمي”، و”دولة واحدة ونظامان”؛ لمعالجة قضية تايوان بهدف إيجاد “الحل الأمثل” للقضية سلميًّا.
أخيرًا، ننصح الجانب الأمريكي بعدم اختبار صبر الصين، والتوقف عن التلاعب بالقضايا المتعلقة بتايوان، والتوقف عن إرسال إشارات خاطئة إلى القوى الانفصالية الداعية إلى “استقلال تايوان”. وبدلًا من ذلك، يتعين على الولايات المتحدة أن تتخذ إجراءات ملموسة لأداء دور بناء في السلام والتنمية في مضيق تايوان، وهو النهج الصحيح لتعزيز تنمية العلاقات الصينية الأمريكية.