
تتباين التقديرات التي تقول إن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب سوف يهاجم إيران، أو يعقد معها اتفاقية سلام، ويرتبط بذلك حديث طويل عن “الجفاف السياسي”، و”الجفاء الدبلوماسي” والخلاف في “الأدوات والأهداف” بين سيد البيت الأبيض ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو؛ فهناك من يقول إن زيارة نتنياهو ذات الـ30 ساعة فقط للبيت الأبيض، وبدون مراسم استقبال رسمية، أو مؤتمر صحفي في نهاية المباحثات دليل على هذا الفتور والتباعد في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب.
بالطبع لا أتفق مع هذا “التنويم السياسي”؛ لأن الحديث نفسه يدور كل يوم عند الحديث عما تقوم به إسرائيل في غزة وسوريا ولبنان وإيران. وفي يونيو (حزيران) الماضي كان هناك حديث طويل عن الخلافات الأمريكية الإسرائيلية بالتزامن مع تقارب أمريكي إيراني في مفاوضات مسقط، وفي النهاية وقعت الحرب، وتأكد للجميع أن كل ما قيل عن الخلافات الأمريكية الإسرائيلية كان جزءًا من خطة “الخداع الإستراتيجي” لتنفيذ كل الأهداف المتفق عليها بين واشنطن وتل أبيب.
في ظل هذه التعقيدات، هناك 6 عوامل وملفات رئيسة هي التي سوف تحدد خطوات الرئيس ترمب المقبلة، وهذه الملفات هي:
أولًا- التنازلات الإيرانية
حتى الآن لا يُرضي الخطاب الإيراني العلني عن الصفقة كلًا من إسرائيل والولايات المتحدة. ويقوم هذا العرض الإيراني على استعداد طهران لتخفيض معدل تخصيب اليورانيوم إلى 3.7%، مع القبول بمزيد من الرقابة الدولية على البرنامج النووي الإيراني. وقد يصل الأمر -في أحسن الأحوال- إلى سماح إيران بأن يضم وفد المفتشين الدوليين من الوكالة الدولية للطاقة الذرية “مفتشين أمريكيين”. وجوهر الموقف الإيراني أنهم مستعدون “لطمأنة” المجتمع الدولي بأن إيران لن تصل إلى السلاح النووي. وهناك ضوء أخضر من القيادة الإيرانية لفريق التفاوض بتقديم كل ما يمكن من أجل نزع “الذريعة الإسرائيلية” بشأن سعي طهران إلى امتلاك قنبلة نووية. وحتى اليوم ترفض إيران المقترح الروسي الذي يدعو إلى نقل نحو 400 كيلوجرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% إلى روسيا. كما أن طهران غير متحمسة للمقترح الذي كان قبل حرب يونيو (حزيران) الماضي بتخصيب اليورانيوم خارج إيران في دولة إقليمية، وتوزيعه على كل دول المنطقة.
في المقابل، تريد واشنطن وتل أبيب 5 مطالب رئيسة من إيران، وهي: صفر تخصيب لليورانيوم، وصفر أجهزة طرد مركزي، وخاصة الأجهزة الحديثة التي يطلق عليها “أي آر 6″، وصفر مفاعلات نووية؛ بمعنى تفكيك المفاعلات النووية الإيرانية على غرار “السيناريو الليبي”، وتحجيم مدى الصواريخ إلى 300 كم، ووقف كل برامج الصواريخ البالستية التي تعمل “بالوقود الصلب”، وقطع إيران لعلاقاتها مع أنصارها وداعميها في لبنان والعراق واليمن وغزة.
قراءة موقف الطرفين تكشف أن “الحسابات بعيدة جدًّا جدًّا”، ويمكن وصفها “بالحسابات الصفرية”؛ لأن الفجوة بين الطرفين كبيرة جدًّا، فما تطلبه واشنطن وتل أبيب تراه طهران “استسلامًا وليس سلامًا”، وما تعرضه طهران لا يشبع غرور نتنياهو؛ ولهذا فإن التحرك نحو مساحة مشتركة سوف يكون “الاختبار الحقيقي” للتراجع عن الحرب، لكن لو ظل الطرفان عند هذه الحدود فالحرب واقعة لا محالة.
ثانيًا- المعادلة الإسرائيلية
تقدم إسرائيل -على نحو متواتر- معلومات للولايات المتحدة عن حجم الدفاعات الجوية الإيرانية وجاهزيتها. وفي الوقت الحالي تقوم تقييمات المخابرات الإسرائيلية على أنه يمكن توجيه ضربة كبيرة إلى إيران دون خسائر كبيرة. وتعتمد هذه التقييمات على نتائج 3 هجمات إسرائيلية مباشرة على إيران: الأولى كانت في 19 أبريل (نيسان) 2024، والثانية في فجر 26 أكتوبر (تشرين الأول) 2024، والثالثة في حرب الـ12 يومًا، التي بدأت فجر الجمعة 13 يونيو (حزيران) الماضي.
ردًا على ذلك، تعمل إيران من خلال دبلوماسية وخطاب إعلامي يؤكدان “التكلفة السياسية والعسكرية” الكبيرة التي سوف تدفعها إسرائيل والولايات المتحدة في حالة الهجوم على الأراضي الإيرانية؛ ففي مقابل الدفع الإسرائيلي بأن إيران في أضعف حالتها، تُلوِّح إيران بالحرب الإقليمية الواسعة “كخط دفاع متقدم” لتغيير أي تماهٍ أمريكي مع الحسابات الإسرائيلية.
ثالثًا- الدعم الروسي الصيني
اشتكى بعض القادة الإيرانيين بأن الدعم الروسي الصيني لإيران في حرب الـ12 يومًا لم يكن على مستوى التوقعات. لكن اليوم، هناك حديث إيراني مختلف بأن الدعم وصل بالفعل من روسيا والصين، وربما من باكستان لترميم الثغرات التي وقعت في الدفاعات الجوية الإيرانية خلال حرب الـ12 يومًا. ووفق عدد من الشركات التجارية الأمريكية التي تقدم خدمات الأقمار الصناعية، فإن إيران بالفعل سارعت نحو إصلاح الدفاعات التي تضررت من حرب يونيو (حزيران) الماضي وبنائها؛ وهنا السؤال: هل ترى الحسابات الأمريكية والإسرائيلية أن هذا الدعم الصيني الروسي يمكنه أن يفشل أهداف أي حملة عسكرية على إيران؟ الإجابة عن هذا السؤال قد تغيّر قرار الحرب إلى العودة مرة أخرى للمفاوضات في مسقط.
رابعًا- الحراك الداخلي
شراء البيت الأبيض محطات الإنترنت من طراز “ستارلينك” يؤكد أن الإدارة الأمريكية ما زالت تراهن على “حركة الشارع” في إيران. الرئيس ترمب سبق له أن تراجع عن الهجوم عندما تراجع زخم المظاهرات في الداخل الإيراني، التي بدأت في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وامتدت إلى بدايات هذا العام؛ ولهذا فإن نجاح الحكومة الإيرانية في احتواء أو عدم احتواء أي مظاهرات خلال الأسابيع المقبلة سوف يكون من العوامل الإستراتيجية في صناعة قرار الحرب مع إيران.
خامسًا- مصالح الدولة العظمى
هناك في واشنطن مَن يرى مصالح جيوسياسية كبيرة للولايات المتحدة في الحرب على إيران، وإسقاط نظامها، وتفتيت جغرافيتها؛ لأن سقوط إيران سوف يؤثر سلبًا في كل المحور الذي يبدأ من روسيا والصين، وينتهي بحلفاء إيران في المنطقة، ولأن إسقاط النظام في إيران، وتفكيك الجغرافيا الإيرانية التي تزيد على 1.6 مليون كم إلى 5 دويلات، يجعل الولايات المتحدة تقف على حدود الصين الشرقية وحدود روسيا الجنوبية. وكل هذا سوف يؤدي إلى تحول جيوسياسي لصالح الولايات المتحدة في آسيا الوسطى وجنوب القوقاز؛ بما يضعف التعاون الروسي الصيني، ويكبد بكين وموسكو خسائر إستراتيجية واقتصادية غير مسبوقة. وهناك في واشنطن من يسيل لعابه لهذه المكاسب في سياق التنافس مع روسيا والصين.
سادسًا- الممانعة العربية
لا يوجد للولايات المتحدة حدود مباشرة أو قريبة من إيران؛ ولهذا قالت إيران إنها سوف تستهدف الوجود والقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة العربية، وكل إقليم الشرق الأوسط الذي ينتشر فيه نحو 42 ألف جندي أمريكي، وفيه مقار للقيادة العسكرية الأمريكية للشرق الأوسط. ويترافق مع ذلك ارتباط الولايات المتحدة بمصالح كبيرة سياسية واقتصادية مع الدول العربية والشرق أوسطية. وبدء حرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل سوف يشكّل بداية لفوضى كبيرة تستمر سنوات طويلة، في حين تقوم رؤية دول المنطقة وخططها على تعزيز السلام والاستقرار، وتبريد الصراعات، والتركيز على التنمية وتحديات التحول الاقتصادي. ويمكن رسم 3 مسارات للسعي العربي في “الممانعة ورفض الحرب” في المنطقة عبر هذه المسارات هي:
1- الهمس العربي في أذن ترمب
خلال العقود والسنوات الماضية كانت إسرائيل فقط هي من “تهمس” في أذن أي رئيس أمريكي، لكن هذا الأمر تغير تمامًا في الوقت الحالي، حيث ترتبط الولايات المتحدة بمصالح عملاقة تساوي تريليونات الدولارات مع الدول العربية. واليوم تعد الشراكات السياسية والأمنية العربية مع الولايات المتحدة في أفضل حالاتها. على سبيل المثال، تؤدي مصر وقطر والولايات المتحدة “دور الوسيط” لتنفيذ المرحلة الثانية في مبادرة الرئيس ترمب للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. ويستعد الرئيس ترمب لحضور عدد من القادة العرب في اجتماع “مجلس السلام” الذي سوف يعقد في 19 من فبراير (شباط) الجاري لتفعيل مجلس السلام، والاتفاق على مهام “قوة الاستقرار”، وجمع الأموال لإعادة إعمار قطاع غزة. ولا يمكن أن يتجاهل الرئيس دونالد ترمب الصوت العربي “الممانع والرافض” لأي حرب جديدة في المنطقة؛ لأن كل الدول العربية -بلا استثناء- تعارض الذهاب إلى حرب جديدة في المنطقة، وهو ما يجعل هناك -لأول مرة- تأثير كبير “للهمس العربي” في أذن الرئيس ترمب لمنع واشنطن من العودة مرة أخرى إلى الحرب على إيران كما يسعى نتنياهو.
2- الوساطة العربية
ليس مقصودًا بها فقط أن المفاوضات الإيرانية الأمريكية تجرى على الأراضي العمانية، لكن أيضًا مصر وقطر والسعودية والإمارات أدّت دورًا كبيرًا في تأجيل “الموجة الثانية” من الضربات الأمريكية على إيران. وهناك انخراط دبلوماسي عربي واضح لمنع وقوع الحرب. وتتلقى سلطنة عمان دعمًا كاملًا وغير مشروط من كل الدول العربية لوقف هذه الحرب. ولا تزال الدول العربية تبذل جهودًا على مدار الساعة رفضًا للحرب، وهذا الأمر له صدى كبير لدى صانع القرار الأمريكي.
3- الطاقة والملاحة والركود
تتصدر الواقعية أجندة “الموقف العربي” في رفض الحرب بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة. وتحذر الدول العربية بأن أي حرب إقليمية جديدة في المنطقة يمكن أن تؤثر سلبًا في الخطوط والعقد الملاحية، مثل مضيق هرمز، وباب المندب، وبحر العرب، وهو ما يؤدي إلى مشكلات في سلاسل الإنتاج بين الشرق والغرب. والأخطر أن اندلاع الحرب قد يعوق مرور نحو 21% من النفط المنقول بحرًا في العالم، حيث يمر نحو 20 مليون برميل يوميًّا من مضيق هرمز. وسبق لإيران أن هددت بإغلاق المضيق حال نشوب حرب جديدة عليها، وكل هذا قد يؤدي إلى رفع قيمة التأمين والشحن بما يفاقم من أسعار النفط، ويقود -لو طالت الحرب- إلى “تضخم طويل” يمكن أن يؤدي إلى ركود أو كساد عالمي، وهو ما لا يتمناه الرئيس ترمب في عام سوف يشهد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
المؤكد أن قرار الحرب النهائي لم يتخذ بعد، لكن العروض التي قدمها الطرفان تقود مباشرة إلى الحرب، وهنا يأتي دور الحكماء من القادة العرب والدول المحبة للسلام بالضغط لمنع نشوب حرب جديدة، خصوصًا أن حرب الـ12 يومًا، وبدعم عملية “مطرقة الليل” الأمريكية، لم تحقق أي شيء.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير