
بعد ستة أسابيع فقط من احتلال العراق، وفي مشهد هوليوودي، في الأول من مايو (أيار) 2003، هبط الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن بطائرة عسكرية على حاملة الطائرات “يو إس إس إبراهام لينكولن”؛ ليعلن في خطاب تليفزيوني مباشر انتهاء العمليات العسكرية الرئيسة في العراق، ووضع خلفه لافتة كُتِب عليها “المهمة أُنجزت”
“Mission Accomplished”، لكن الحقيقة يعرفها الجميع؛ وهي أن العراق تحول إلى مستنقع للولايات المتحدة، التي أنفقت نحو تريليون دولار -بحسب جامعة براون- على ما سُمِّي آنذاك “الحرب على الإرهاب”، دون أن تحقق نتيجة واحدة، وسوف تخرج الولايات المتحدة والتحالف الذي تقوده من قاعدة عين الأسد في العراق هذا العام 2026، أي بعد أكثر من 23 عامًا من المشهد الدرامي للرئيس جورج بوش الابن عن إعلان الحرب في العراق.
هذه النشوة السياسية والعسكرية، التي كانت ملامحها واضحة على وجه جورج بوش الابن، تكررت بنفس الكلمات، ومشاعر التفوق العسكري، وتوزيع الاتهامات والتهديدات مع الخطاب التليفزيوني المباشر للرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي جاء هذه المرة من مقر إقامته في “مار- أ- لاغو” بولاية فلوريدا، التي تعد أقرب الولايات الأمريكية إلى الكاريبي وأمريكا اللاتينية. وهناك مؤشرات كثيرة تقول إن النتيجة التي سوف تحصل عليها الولايات المتحدة في فنزويلا قد لا تختلف كثيرًا عن النتائج والثمار المُرّة التي جَنتها من حربها في العراق وأفغانستان؛ فالمشاهد متقاربة، والحسابات واحدة، وهو ما يدفع إلى اعتقاد أن النتائج لن تكون مختلفة في ظل تشابه التعقيدات التي تحيط بالأهداف الأمريكية التي أحاطت بإدارتي الرئيس جورج بوش الابن في العراق، والرئيس دونالد ترمب في فنزويلا؛ ففي العراق وفنزويلا صُوِّرَ الجيش الأمريكي بأنه القوة التي لا تُقهر. وبينما قصفت نحو 150 طائرة من 20 منصة وقاعدة مختلفة العاصمة كاراكاس، يتذكر الجميع كيف كانت القاذفات الإستراتيجية الأمريكية تنطلق من قواعد تبعد عن العراق بأكثر من 6 آلاف كيلومتر لتقصف ميناء أم قصر، أو قصر صدام حسين في بغداد. وفي الوقت الذي لم يُطْلِع الرئيس ترمب الكونغرس، أو يأخذ موافقة مجلس الأمن على اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، لا يزال مشهد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق كولن باول خارج مجلس الأمن ماثلًا أمام الجميع، الذي أعلن فيه أن بلاده سوف تحتل العراق بغض النظر عن موافقة مجلس الأمن.
فما العوامل والتحديات التي يمكن أن تُجهِض كل أهداف الرئيس دونالد ترمب، ووزير خارجيته مارك روبيو، في فنزويلا؟ وهل يمكن أن يتحول “التدخل الجراحي”، وعملية “العزم المطلق” إلى هزيمة ونكسة أمريكية جديدة تُضاف إلى النكسات والهزائم التي بدأت مع الحرب في فيتنام، واستمرت في العراق وأفغانستان، ووصلت في مرحلتها الحالية إلى فنزويلا، ويمكن أن تتوسع إلى كولومبيا وكوبا ونيكاراغوا، وغيرها من دول الكاريبي وأمريكا اللاتينية؟
تراهن واشنطن أن تتحول فنزويلا إلى النموذجين الألماني والياباني بعد احتلالها لهما في نهايات الحرب العالمية الثانية، لكن هذا يتنافى مع الواقع؛ فمنذ إعلان خطف أو اعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، لم تُعلِن الإدارة الأمريكية كيفية التحرك نحو المستقبل، وكل الإعلانات السياسية والإعلامية تقتصر فقط على تمجيد العملية الأمنية لاعتقال مادورو، وتهديد الأنظمة السياسية الاشتراكية بنفس سيناريو فنزويلا، وكيفية الحصول على 50 مليونًا من النفط الفنزويلي الثقيل، لكن لا أحد في البيت الأبيض، أو وزارتي الخارجية والحرب الأمريكية، يتحدث عن التحديات التي تواجه الإدارة الأمريكية، والتي بدأت بتحدٍّ أخلاقي وسياسي عندما تدخلت الولايات المتحدة في خطف رئيس لدولة ذات سيادة، وعضو في الأمم المتحدة، بالرغم من الخطاب العلني للإدارة الأمريكية الحالية، وخصوصًا من جانب تولسي غابارد، مديرة المخابرات الوطنية، التي كانت تؤكد دائمًا أن الولايات المتحدة ليس من سياستها إسقاط الحكومات والأنظمة من الخارج، وأنها لن تتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى؛ ولهذا فإن عملية “العزم المطلق” تواجه عوامل وأسباب كثيرة للفشل، منها:
أولًا- عدم سقوط النظام
بالرغم من القبض على الرئيس مادورو وزوجته، وكل ما قيل عن ضعف النظام وترهله السياسي والأمني والعسكري، فإن النتيجة الوحيدة لكل ما حدث من حشد عسكري، وقتل نحو 75 فنزويليًّا وكوبيًّا، قادت فقط إلى القبض على شخصين، في حين ما زال النظام السياسي قائمًا، واستطاع أن يتكيف مع غياب الرئيس بتكليف المحكمة العليا لنائبة الرئيس، ديلسي رودريغيز، لتحل مؤقتًا محل الرئيس مادورو، وفق ما ينص عليه الدستور الفنزويلي الحالي. ولم تحدث انشقاقات في النظام الحاكم؛ بل على العكس، ظهر رئيس البرلمان ووزيرا الدفاع والداخلية إلى جانب الرئيسة المؤقتة. وتُشير تفاصيل المشهد أن الوضع في فنزويلا قد يكون أكثر كارثية على الولايات المتحدة من العراق؛ فعقب الضربات الجوية الأمريكية على العراق عام 2003 خرجت مظاهرات عارمة في العراق، وأُسقِطَ تمثال صدام في مشهد دراماتيكي لا ينساه أحد، لكن في فنزويلا لم يحدث مثل ذلك، فلم تخرج مظاهرات في الشوارع ضد النظام، ورغم القلق الطبيعي في مثل هذه الأحداث فإن كل شيء يبدو طبيعيًّا جدًّا في العاصمة كاراكاس، والولايات الفنزويلية المختلفة، وهي نتيجة لم يتوقعها مخططو السياسة الأمريكية، حيث كانت كل التقديرات الأولية تقول إن خطف مادورو سوف يؤدي إلى انشقاقات داخلية في النظام، وخروج مظاهرات عارمة في الشوارع، وكل ذلك لم يحدث.
ثانيًا- ضعف المعارضة
أثبت اختطاف الرئيس مادورو واعتقاله هشاشة المعارضة الموالية لواشنطن، فلم تستطع هذه المعارضة أن تستثمر الأيام الماضية لتقدم نفسها للشارع؛ فلا أحد يعرف أين يوجد زعيم المعارضة إدموندو غونزاليس أوروتيا، الذي زعمت المعارضة أنه فاز بالانتخابات الرئاسية الماضية في يوليو (تموز) 2024. كما أن ماريا كورينا ماتشادو، التي فازت بجائزة نوبل للسلام، تخشى العودة إلى البلاد منذ تسلّمها جائزة نوبل في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. ومنذ أن هرب خوان غوايد، المرشح السابق للرئاسة، إلى ميامي بولاية فلوريدا، لا أحد يعرف مكانه، وليس له أي نشاط، ولم يعلن عودته إلى فنزويلا، وكل المؤشرات على الأرض تؤكد غياب المعارضة وضعفها؛ ولهذا كان الرئيس ترمب صادمًا للبعض عندما وصف زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو بأنها لا تحظى بالاحترام في بلادها.
ثالثًا- عدم الثقة في واشنطن
التاريخ الطويل للولايات المتحدة مع 33 دولة وحكومة في منطقتي الكاريبي وأمريكا اللاتينية يكشف عدم الثقة في الولايات المتحدة التي سبق لها التدخل في أمريكا اللاتينية منذ أيام جيمس مونرو (صاحب مبدأ مونرو 1826)، وجون كوينسي آدمز، والحرب الإسبانية الأمريكية التي بدأت عام 1899. ولا تنسى شعوب أمريكا اللاتينية والكاريبي أن الولايات المتحدة تدخلت عسكريًّا طوال قرنين ونصف القرن في المنطقة بغرض “هندسة مصالحها” فقط، دون مساعدة شعوب أمريكا اللاتينية والكاريبي على تجاوز مشكلاتهم السياسية والاقتصادية، فالولايات المتحدة هي التي تدخلت وفصلت بنما عن كولومبيا في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) 1903، وهي التي غزت هايتي وبنما. هذه الدروس والخبرات السلبية السابقة تجعل من الصعب على النخبة السياسية الفنزويلية أن تثق بالولايات المتحدة. ومن يراجع المواقف الأمريكية يتأكد أنها مواقف سلبية ليس فقط من الرئيس مادورو وزوجته، بل من وزير الداخلية ديوسدادو كابيلو، الذي يسيطر على قوات الأمن، وتتهمه واشنطن بارتكاب انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان، ويعد من أقرب حلفاء مادورو. وكل المؤشرات تقول إن هناك “تصادمًا” بينه وبين الإدارة الأمريكية، ولا يمكن أن يكون شريكًا في تحقيق أهداف واشنطن في فنزويلا، خصوصًا مع التهديدات الأمريكية له بأنه قد يلقى نفس مصير الرئيس مادورو. والسيناريو نفسه يتطابق مع وزير الدفاع الفنزويلي فلاديمير بادريينو الذي أدرجته واشنطن بالفعل ضمن قائمة الأهداف المحتملة، حيث يواجه كابيلو لائحة اتهام أمريكية تتعلق بتهريب المخدرات، ومثل مادورو وضعت واشنطن مكافأة بملايين الدولارات على رأسه، وهو ما يجعل هذه النخبة السياسية والأمنية والعسكرية أمام خيار واحد؛ هو “إفشال أهداف الولايات المتحدة”، ليس فقط في فنزويلا؛ بل في كل أمريكا اللاتينية والكاريبي.
رابعًا- غياب خطة لليوم التالي
على غرار الحرب في أفغانستان والعراق، لا تملك الولايات المتحدة أي رؤية أو خطة “لليوم التالي” في فنزويلا. فمع أن الدستور الفنزويلي يقول بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في حالة غياب الرئيس، فإن كل المؤشرات تؤكد أن هذا المسار مستبعد تمامًا، ولا يوجد أي استعدادات لإجراء انتخابات جديدة في فنزويلا، ربما لإدراك الولايات المتحدة أن إجراء الانتخابات سوف يعزز حضور أنصار الرئيس نيكولاس مادورو. وهذا الأمر يكشف “التعامل بالقطعة” مع الملف الفنزويلي، وعدم وجود رؤية إستراتيجية للتعامل مع التحديات التي سوف تظهر بعد اختطاف الرئيس الفنزويلي.
خامسًا- حسابات الثور الأبيض
منذ الوهلة الأولى لعملية “الحسم المطلق” صدَّرت الولايات المتحدة خطابًا إعلاميًّا وسياسيًّا لا يمكن أن تكون له نتيجة إلا الفشل؛ فالرئيس ترمب ينصب نفسه حاكمًا على كل أمريكا اللاتينية والكاريبي، وبعد تهديد كندا في السابق بضمها قسريًّا إلى الولايات المتحدة، يهدد اليوم المكسيك، وكوبا، وكولومبيا، ونيكاراغوا، وأي زعيم أو دولة تقف في طريقه. هذه وصفة للفشل وليس للنجاح؛ فدول كثيرة، ليس في أمريكا اللاتينية والكاريبي فقط بدأت تفكر بمنطق ” أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض”، وهذا يعني اصطفاف دول كثيرة في أمريكا اللاتينية والكاريبي وإفريقيا والشرق الأوسط وآسيا -وحتى في أوروبا- ضد أفكار الهيمنة والاستحواذ التي يتحدث بها البيت الأبيض، فمن الصين وروسيا شرقًا حتى البرازيل غربًا، يقف الجميع ضد سياسة التدخل في الشؤون الداخلية للأطراف الأخرى، ويرفضون انتهاك سيادة الدول، وخرق حصانة الرؤساء والزعماء.
المؤكد أننا أمام عالم جديد لن تحكمه القوانين ومواثيق المؤسسات الدولية، مثل الأمم المتحدة، وأمام مرحلة تقتضي من الجميع الاستعداد والحذر، وامتلاك كل عناصر القوة الشاملة؛ حتى لا تكون هناك ثغرات يدخل منها الآخرون.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير