تقدير موقف

5 سيناريوهات لنتائج الحرب الأمريكية الإيرانية


  • 31 يناير 2026

شارك الموضوع

“الحسابات الصفرية” هي من تحكم نتيجة السباق بين “الدبلوماسية” و”البندقية” في ظل ما يحدث من تصعيد في الشرق الأوسط بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية. فرغم انفتاح إيران الدائم على المفاوضات، وتنويه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بأنه مستعد للحديث إلى الإيرانيين، فإن المطالب التي يطرحها الرئيس ترمب لا تترك للحكومة الإيرانية مساحة للاستمرار في تسويق سرديتها التي قامت عليها منذ عام 1979. فمن وجهة نظر نخبة النظام الإيراني، فإن الاستجابة لشروط ترمب تعني انهيار كل الأيديولوجية والمشروع السياسي والقومي الذي قامت عليه الجمهورية الإسلامية قبل نحو 47 عامًا.

وتُشير كل الشواهد إلى أن “باب الدبلوماسية” بات ضيقًا جدًّا في ظل الحشد العسكري الأمريكي غير المسبوق في المنطقة بعد وصول 6 مدمرات عسكرية إضافية إلى الشرق الأوسط، وتمركز حاملة الطائرات “إبراهام لينكولن” شمال بحر العرب بالقرب من إيران، وتجهيز نحو 20 قاعدة عسكرية في إقليم الشرق الأوسط تضم نحو 40 ألف جندي أمريكي لتوجيه ضربة جديدة. فالرئيس ترمب -مدعومًا من الأوروبيين وإسرائيل- يسعى إلى “تغيير النظام الإيراني” منذ ولايته الرئاسية الأولى، ويرى أن ضعف المجموعات المسلحة الموالية لإيران، وقصف إيران خلال حرب 12 يومًا في يوليو (تموز) الماضي أضعف الدفاعات الجوية الإيرانية، وخاصة منظومات إطلاق الصواريخ، حيث تشير التقديرات الأمريكية إلى أن إيران لديها كمية كبيرة من الصواريخ البالستية القصيرة والمتوسطة المدى، وصواريخ كروز، لكن عدد “منصات الإطلاق الجاهزة” ليس كبيرًا، رغم تأكيد إيران الدائم أنها رمَّمت الثغرات التي كانت في حرب يوليو (تموز) الماضي.

تنامي الشعور الأمريكي والإسرائيلي، والأوروبي كذلك، بضعف القدرات الإيرانية، وتصريح المستشار الألماني فريدريش ميرتس بأن أيام النظام الإيراني باتت معدودة، كلها عوامل تدفع بالرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي إلى القيام بحرب جديدة على إيران لن يكون الهدف منها تدمير ما تبقى من البرنامج النووي الإيراني؛ بل إسقاط النظام الإيراني، وتحويل الجغرافيا الإيرانية التي تزيد على 1.6 مليون كم إلى مساحة للفوضى على الجانب الآخر من الخليج العربي، وبالقرب من طريق “الحزام والطريق”، وتهديد مناطق جنوب القوقاز التي تجاور روسيا من الجنوب. فما “مساحة النافذة الدبلوماسية” التي باتت مفتوحة أمام الخيار السياسي؟ وما السيناريوهات التي سوف تخرج عن أي حرب جديدة بين الولايات المتحدة وإيران؟ وهل ينجح الرفض العربي للعملية العسكرية في كبح جماح الحرب والعودة إلى مائدة التفاوض؟

استسلام وليس سلام

ترى طهران أن الشروط التي جاءت في “العرض الافتتاحي” الذي قدمه سيد البيت الأبيض تعني استسلام إيران، وليس إرساء لقواعد السلام والاستقرار في المنطقة. ويصر الرئيس ترمب على تحقيق 3 مطالب رئيسة؛ لأن استجابة الحكومة الإيرانية لهذه المطالب الثلاثة سوف تؤدي تلقائيًّا في النهاية إلى تحقيق الهدف الرابع، وهو سقوط الحكومة الإيرانية من الداخل، وهذه الشروط الثلاثة هي:

1- تفكيك البرنامج النووي الإيراني

ويشمل هذا الشرط تفكيك كل المفاعلات النووية الإيرانية، ومنها مفاعلات الأبحاث الصغيرة، ومفاعل بوشهر على الخليج العربي، وتفكيك ما تبقى من مفاعلات فوردو ونطنز وأصفهان التي قصفتها القاذفات الإستراتيجية الأمريكية في العملية التي أطلق عليها “مطرقة الليل” في 22 يوليو (تموز) 2025. ليس هذا فقط؛ بل على إيران -وفق الشروط التي طرحها المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف على وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي- تسليم كل اليورانيوم الذي لديها، سواء أكان مخصبًا أم غير مخصب، وتسليم ما لديها من معادلات فيزيائية تتعلق بالبرنامج النووي، وتسريح العلماء النوويين، وأن تتعاون تعاونًا كاملًا وغير مشروط مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتحقيق هذه الأهداف.

2- الصواريخ

تشترط الولايات المتحدة أن تتخلص إيران من كل أنواع الصواريخ البالستية المتوسطة المدى، وإغلاق خطوط إنتاج الصواريخ التي تعمل “بالوقود الصلب”، وأن تدمر أكثر من 80% من صواريخ كروز، وتدمر كل الزوارق البحرية السريعة التي تهدد الملاحة في مضيق هرمز. والمتاح فقط لإيران أن تحتفظ بصواريخ لا يزيد مداها على 300 كم فقط حتى لا تهدد جيرانها، أو إسرائيل، أو القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة. وفي جولات التفاوض السابقة التي استضافتها سلطنة عُمان وإيطاليا، رفضت إيران رفضًا قاطعًا أي حديث عن برنامجها الصاروخي، وتقول إنها لا تملك سلاح طيران بسبب العقوبات الغربية عليها، ولم يتبقَّ لها سوى الصواريخ كخيار أخير للدفاع عن سيادتها وأراضيها.

3- الوكلاء

يشترط البيت الأبيض لوقف حملته العسكرية الجديدة على إيران أن تقبل طهران بالتخلي الكامل عن جميع وكلائها، والمجموعات المسلحة التي تدين بالولاء لإيران، مثل جماعة أنصار الله “الحوثي” في اليمن، وحركة حماس في فلسطين، والحشد الشعبي في العراق، وحزب الله في لبنان. والشرط الأمريكي يقوم على تخلي إيران عن تقديم أي دعم مالي، أو لوجستي، أو سياسي لهذه المجموعات المسلحة، وأن تدعم إيران فكرة نزع السلاح من هؤلاء الشركاء ودمجهم في دولهم. وسبق لإيران أن رفضت هذا العرض في شهر مايو (أيار) الماضي، وقالت إن قرار هذه المجموعات يعود إليها، وليس إلى الحكومة الإيرانية، وإن كل هذه التنظيمات لها حاضنتها الشعبية التي لها مظالمها وقضاياها المحلية التي لا يمكن لإيران أو غيرها أن تدفعها إلى التخلي عنها.

5 سيناريوهات 

في ظل هذه “الحسابات الصفرية”، ووصف إيران للمطالب الأمريكية بأنها استسلام، ومع الحشد العسكري الأمريكي غير المسبوق، وذهاب إيران إلى المناورات بالذخيرة الحية قرب مضيق هرمز، فإننا أمام 5 سيناريوهات رئيسة لمخرجات هذه الحرب المتوقعة في أي وقت ونتائجها، وهذه السيناريوهات هي:

الأول: سيناريو فنزويلا

ويقوم على اعتقال “المرشد العام للثورة الإيرانية”، أو الرئيس الإيراني، أو اغتيالهما مع عدد كبير من قادة الحرس الثوري الإيراني وقوات الباسيج، بشرط أن يجد الأمريكيون قادة جددًا للتفاوض معهم لتحقيق الشروط الثلاثة دون سقوط النظام نفسه على غرار ما جرى في فنزويلا يوم 3 يناير (كانون الثاني) هذا العام. لكن هذا السيناريو يواجه سلسلة من العقبات والتحديات، منها تماسك النظام الإيراني وقدرته على امتصاص الصدمات. فرغم المظاهرات التي اندلعت يوم 28 ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، وقبلها المظاهرات الحاشدة في أعوام 2022 و2009، فإن النظام الإيراني أثبت أنه نظام قوي ومتماسك، وفشلت كل الرهانات الغربية والأمريكية في انشقاق قوات من الجيش، أو الحرس الثوري، أو قوات الباسيج. وما يؤكد هذا المنحى أنه في الساعات الأولى من حرب الـ12 يومًا في يوليو (تموز) الماضي قُتِل أكبر عدد من كبار القادة السياسيين والعسكريين، واستُهدِفَ الرئيس الإيراني نفسه، لكن إيران واصلت الحرب، وواصلت قصف المدن الإسرائيلية، وهذا ما يجعل تكرار النموذج الفنزويلي في إيران صعبًا جدًّا.

الثاني: إسقاط النظام

وهذا السيناريو يقوم على إسقاط النظام دون سقوط الدولة والجمهورية الإيرانية، من خلال ضربات مركزة على قواعد الباسيج، والحرس الثوري، ومنازل الزعماء والقادة، بما يؤدي إلى هروب هؤلاء القادة أو خروجهم من طهران، ويسمح للولايات المتحدة بتنصيب قادة المعارضة في الحكم، سواء أكان حفيد الشاه رضا بهلوي أم غيره، فترة مؤقتة تقود في النهاية إلى إجراء انتخابات تأتي بنظام سياسي موالٍ للولايات المتحدة والغرب وإسرائيل. ومشكلة هذا السيناريو أن النظام في إيران يحكم منذ 47 عامًا، وبات له أتباع وموالون في جميع مؤسسات الدولة. كما أن غالبية النخبة السياسية في إيران هي نخبة أيديولوجية ترفض معنى الهروب ومفهومه، حتى لو أدى هذا الأمر إلى التضحية بحياتهم، وكل ذلك يجعل فرص هذا السيناريو محدودة جدًّا.

الثالث: الفوضى الكاملة

وفي تقديري الشخصي، فإن هذا السيناريو هو ما تريده وتتمناه الولايات المتحدة، بغض النظر عن قدرتها على تحقيقه. ويقوم هذا السيناريو على أن توجيه ضربة إلى إيران لن يؤدي إلى سقوط النظام فقط؛ بل إلى انتشار فوضى عارمة تؤدي في نهاية المطاف إلى تفتيت الدولة الإيرانية وتقسيمها إلى عدة دويلات صغيرة، حيث يشكل الفرس نحو 56% من السكان بنحو 61 مليون نسمة، ويشكل الأذريون نحو 20 مليون نسمة، والأكراد نحو 10 مليون نسمة، والعرب مليونين، والبلوش مليونين، وهو ما يعني أن تفكك الدولة الإيرانية سوف يقود إلى 5 دول جديدة هي: دولة للفرس، ودولة لأكراد إيران، ودولة للأذريين حال عدم التحاقهم بدولة “أذربيجان”، ودولة للعرب الأهواز كما كانت قبل ضمها لإيران، ودولة للبلوش الذين لديهم امتدادات في أفغانستان. وهذا السيناريو هو الأخطر على استقرار وسلام ليس الشرق الأوسط فقط؛ بل يمس هذا السيناريو مباشرة مصالح كل من الصين وروسيا في آسيا الوسطى وجنوب القوقاز، ويطلق سلسلة من التحديات والمتغيرات الجيوسياسية على حدود كل من روسيا والصين.

الرابع: تشجيع المظاهرات

دائمًا ما كان الجمهوريون يتهمون الرئيس باراك أوباما بأنه لم يدعم دعمًا كافيًا المظاهرات الأكبر في تاريخ إيران، التي وقعت عام 2009. ومن وجهة نظر صقور الجمهوريين، مثل جون بولتون، فإن أوباما لو دعم المظاهرات في ذلك التوقيت عام 2009 لربما نجحت آنذاك في إسقاط النظام. اليوم تعود هذه السردية التي تقول إن ضرب إيران، وخاصة مواقع قوات الباسيج التي تتعامل مع المظاهرات، ومراكز قيادة الحرس الثوري، سوف يشجع الإيرانيين على الخروج هذه المرة لإسقاط النظام حتى يبدو التغيير من الداخل وليس من الخارج. وهناك تقارير لموقع أكسيوس نقلت عن مقربين من ترمب بأنه يفضل هذا السيناريو، لكن هذا السيناريو غير مضمون؛ لأن شن عمليات عسكرية ضد إيران في يوليو (تموز) الماضي قاد إلى التفاف الشعب حول النظام وليس العكس، وهي معادلة لم تتوقعها الولايات المتحدة وإسرائيل، ويمكن أن يتكرر هذا الالتفاف مرة أخرى حول القيادة الإيرانية، أو على الأقل لا تكون المظاهرات بالشكل والطريقة التي تنتظرها واشنطن وتل أبيب.

الخامس: النتائج الباهتة

وهو سيناريو يتشابه مع ما حدث في يوليو (تموز) الماضي، حيث يمكن للحشد العسكري الأمريكي أن يوجه ضربات قوية إلى المقدرات المدنية والعسكرية، وإلى بنية القيادة في إيران دون أن تخرج مظاهرات كبيرة في الشارع، ودون أن يحدث انشقاق داخل النظام الإيراني، سواء على المستوى المدني أو العسكري، مع استمرار غياب صوت معارض قوي. وهنا سوف نكون أمام نتائج يصورها الرئيس ترمب بأنها عظيمة، في حين لا يتغير شيء في إيران باستثناء مزيد من الإنهاك والتدمير للمقدرات المدنية والعسكرية.

المؤكد أن الدبلوماسية هي أفضل طريقة لحل الصراعات والخلافات، لكن الحشد الأمريكي، ودبلوماسية القوة التي ينتهجها البيت الأبيض تحوّل الشرق الأوسط إلى صفيح ساخن خلال الساعات والأيام المقبلة، وهنا يأتي دور الحكمة العربية، حيث تحاول كل الدول العربية -دون استثناء- وقف أي حرب جديدة بين إيران من جانب، والولايات المتحدة وإسرائيل من جانب آخر.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع