مقالات المركزمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة

25 عاما بعد 11 سبتمبر.. كيف صنعت أميركا اقتصاد الحرب الذي لا يتوقف؟


  • 9 سبتمبر 2026

شارك الموضوع

في 11 سبتمبر (أيلول) 2026، تحل الذكرى الخامسة والعشرون للهجمات التي هزت الولايات المتحدة والعالم، واستهدفت مركز التجارة العالمي والبنتاغون، وانتهت بسقوط طائرة في ولاية بنسلفانيا، مخلفة آلاف القتلى والجرحى.

لكن 11 سبتمبر لم يكن مجرد يوم غير إجراءات السفر والأمن في المطارات، بل كان نقطة تحول أعادت رسم السياسة الأميركية والعالمية لعقود.

قبل ذلك اليوم، كان المسافر يستطيع الوصول إلى المطار في اللحظات الأخيرة، والصعود إلى الطائرة من دون إجراءات أمنية معقدة، بل وحتى حمل زجاجة مشروب غازي معه. أما بعد 11 سبتمبر، فقد تغير كل شيء تقريبا. لكن التغيير الأكبر لم يكن في المطارات، بل في ساحات الحروب.

بعد أسابيع من الهجمات، بدأت الولايات المتحدة حربها في أفغانستان، ثم جاء غزو العراق عام 2003. ومعهما دخلت واشنطن مرحلة جديدة من الالتزام العسكري الخارجي امتدت لأكثر من عقدين، ورافقها توسع هائل في الإنفاق الدفاعي.

في أكتوبر (تشرين الأول) 2001، بدأ الكونغرس الأميركي تعديل القيود المالية للسماح بضخ عشرات المليارات من الدولارات في اعتمادات عسكرية إضافية وطارئة، متجاوزة في كثير من الأحيان الحدود التقليدية للإنفاق في أوقات السلم.

ومنذ ذلك الحين، أصبح الحديث عن “اقتصاد الحرب الدائم” أو “المجمع الصناعي العسكري” جزءا أساسيا من النقاش حول الاقتصاد والسياسة الأميركية.

الأرقام تكشف حجم التحول. بلغت الموازنة العسكرية الأميركية نحو 320 مليار دولار عام 2000، ثم 304 مليارات عام 2001، قبل أن ترتفع إلى 348 مليار دولار عام 2002، و493 مليارا عام 2004، و500 مليار عام 2005، وصولا إلى نحو تريليون دولار عام 2026.

وبذلك، يمثل الارتفاع الهائل والمستمر في الإنفاق العسكري منذ 11 سبتمبر أحد أبرز التحولات التي طبعت الحقبة الأميركية في مرحلة ما بعد الهجمات.

يوغوسلافيا.. الاختبار الذي سبق حروب القرن

لكن قصة هذا التحول لم تبدأ في 11 سبتمبر. فقبل أفغانستان والعراق، كانت هناك يوغوسلافيا.

استمرت حرب الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) ضد جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية 78 يوما، بين 24 مارس (آذار) و9 يونيو (حزيران) 1999. ووفق ما يورده المقال، خلصت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة إلى أن نحو 500 مدني لقوا حتفهم خلال العملية.

كانت تلك الحرب لحظة مفصلية في التعامل الغربي مع استخدام القوة العسكرية خارج الحدود. فقد تقبل الرأي العام في الولايات المتحدة وأوروبا حملة قصف طالت مناطق سكنية، رغم سقوط قتلى وجرحى من المدنيين.

وكان لهذا الأمر أهمية كبيرة، وفقا للتحليل الذي يطرحه المقال، لأن الولايات المتحدة وحلفاءها انتقلوا بعد ذلك إلى حرب أفغانستان ثم العراق، حيث كان عدد الضحايا المدنيين أكبر بكثير.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل أصبحت الحرب أكثر قبولا لدى الجمهور الغربي عندما تقدم عبر خطاب إعلامي وسياسي يبررها باعتبارها ضرورة أمنية أو إنسانية؟

يرى منتقدون أن السيطرة على الرواية الإعلامية لعبت دورا أساسيا في تقليل حجم الاعتراض الشعبي على الحروب، وأن تجربة يوغوسلافيا قدمت نموذجا لما يمكن أن يحدث عندما تتحول القوة العسكرية إلى أداة مقبولة في السياسة الخارجية.

أيزنهاور حذر.. والتحذير ما زال قائما

قبل نحو أربعة عقود من حرب يوغوسلافيا، كان الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور قد حذر الأميركيين من الخطر الذي قد يشكله «المجمع الصناعي العسكري».

في خطابه الشهير في 17 يناير (كانون الثاني) 1961، حذر أيزنهاور من القوة المتنامية للتحالف بين المؤسسة العسكرية وصناعة الدفاع، ومن إمكانية اكتسابه “نفوذا غير مبرر” على سياسات الحكومة، مشيرا إلى أن وجود صناعة تسليح ضخمة ودائمة كان تطورا جديدا في التجربة الأميركية.

وتعلقت مخاوفه بإمكانية تحول هذه القوة إلى نفوذ يهدد العملية الديمقراطية والحريات الفردية. ودعا إلى وجود مواطنين “يقظين وواعين” للحفاظ على التوازن بين متطلبات الدفاع والأهداف السلمية، وحذر من تحول السياسة العامة إلى رهينة لنخب علمية وتكنولوجية ممولة من الحكومة.

وبعد أكثر من ستة عقود، تبدو تلك التحذيرات حاضرة بقوة في النقاش حول حجم صناعة الدفاع الأميركية وتأثيرها في القرار السياسي.

خمسة عمالقة يهيمنون على صناعة الدفاع

تملك الولايات المتحدة أكبر مجمع صناعي عسكري في العالم. وبين عامي 1993 و2000، انخفض عدد الشركات الكبرى المتعاقدة في قطاع الطيران والدفاع من 51 شركة إلى خمس شركات رئيسية: لوكهيد مارتن، وRTX، وبوينغ، ونورثروب غرومان، وجنرال دايناميكس.

وفي السنة المالية 2024، ذهبت نحو 30% من عقود وزارة الدفاع الأميركية إلى هذه الشركات الخمس حصرا.

ويرى منتقدون أن هذا التركيز الكبير يستدعي مراجعة من منظور مكافحة الاحتكار، وربما اتخاذ إجراءات من جانب الكونغرس ووزارة العدل بهدف الحد من قوة هذه الشركات.

ولا تتوقف المشكلة عند حجم الشركات، بل تمتد إلى تكلفة البرامج العسكرية نفسها. فقد أفاد مكتب المساءلة الحكومية في سنوات سابقة بأن 96 برنامجا رئيسيا للأسلحة تجاوزت تكلفتها التقديرات الأصلية بنحو 296 مليار دولار.

أما برنامج الطائرة المقاتلة “إف-35” (F-35)، وهي أغلى منظومة أسلحة لدى وزارة الدفاع الأميركية، فقد تأخر أكثر من عقد عن الجدول الزمني الأصلي، فيما تجاوزت تكلفته التقديرات الأولية بنحو 183 مليار دولار.

عندما تلتقي السياسة بالمال

في عام 2024، استحوذت الولايات المتحدة على 37% من إجمالي الإنفاق العسكري العالمي. لكن السؤال لا يتعلق فقط بحجم الأموال التي تنفقها واشنطن على الدفاع، بل أيضا بمن يستفيد من استمرار هذا الإنفاق.

يضع المقال جزءا من المشكلة في واشنطن، حيث يستفيد بعض أعضاء الكونغرس من منظومة الصناعات العسكرية عبر الاستثمارات الشخصية في الأسهم، والتبرعات الانتخابية، والضغط السياسي لحماية الوظائف في دوائرهم الانتخابية.

ويمتلك عشرات المشرعين الأميركيين وأزواجهم أسهما تقدر بملايين الدولارات في شركات دفاعية كبرى، مثل لوكهيد مارتن ورايثيون تيكنولوجيز (RTX). ويملك بعض هؤلاء أسهما في شركات دفاعية في الوقت الذي يشغلون فيه عضوية لجان برلمانية تشارك في التصويت على موازنات الدفاع.

وتنفق شركات الدفاع عشرات الملايين من الدولارات سنويا على جماعات الضغط في محاولة للتأثير في القرارات المتعلقة بالإنفاق العسكري. وتوفر مصانع الأسلحة والقواعد العسكرية آلاف الوظائف في ولايات ودوائر انتخابية محددة، ما يجعل الإنفاق الدفاعي قضية اقتصادية وانتخابية، وليس مجرد قضية أمن قومي.

تريليون دولار.. والسؤال عن الأولويات

يرى منتقدو الإنفاق العسكري المفرط أن الاقتصاد الأميركي يدفع ثمنا لذلك، لأن الأموال التي تذهب إلى القطاع العسكري يمكن أن تحرم قطاعات مدنية أخرى من الموارد.

ومن شأن خفض الإنفاق على الأسلحة، وفق هذا الطرح، تحرير مليارات الدولارات لتوجيهها نحو الاحتياجات الداخلية، أو خفض العجز والدين الوطني. ويمكن توجيه جزء من هذه الأموال إلى الرعاية الصحية والتعليم والطاقة النظيفة والبنية التحتية ووسائل النقل العام.

وتشير الأبحاث إلى أن الإنفاق الفيدرالي غير العسكري يمكن، في كثير من الحالات، أن يخلق وظائف أكثر مقابل كل دولار ينفق مقارنة بالإنفاق العسكري.

هل تستطيع أميركا اختيار السلام؟

صناعة السلام لا تعني مجرد غياب الحرب، بل تعني توظيف القدر نفسه من الاستراتيجية والتنظيم والموارد التي تستخدمها الدول في الحروب من أجل بناء علاقات سلمية ومستدامة مع الدول الأخرى، وتعزيز العدالة الدولية والمساواة في حقوق الإنسان.

فبدلا من صناعة الأعداء، يمكن لصناعة السلام أن تفتح الطريق أمام التعاون، وتجنب الصراعات، وتنقذ الأرواح.

وتصف الولايات المتحدة الصين حاليا بأنها “العدو رقم واحد”، في وقت يستعد فيه الزعيم الصيني لزيارة واشنطن.

وهنا يبرز السؤال الأكبر: هل تستطيع الولايات المتحدة اتخاذ خطوة تاريخية تبتعد فيها عن منطق الحرب، وتعيد توجيه مواردها نحو السلام والازدهار؟

بعد 25 عاما على 11 سبتمبر، وبعد عقود من التوسع العسكري، تبدو الإجابة أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بحجم الجيش الأميركي أو عدد الأسلحة التي تمتلكها واشنطن، وإنما بالسؤال عن نوع الدور الذي تريد الولايات المتحدة أن تلعبه في العالم: قوة تعتمد على الحرب، أم قوة تستخدم نفوذها لبناء السلام والازدهار؟

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع