مقالات المركز

2026: عام إعادة هندسة النفوذ الأمريكي في إفريقيا


  • 18 فبراير 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: foreignpolicy

تمهيد

تشهد السياسة الأمريكية تجاه إفريقيا في عام 2026 تحوّلًا نوعيًّا يعكس ملامح أوسع لإعادة تشكّل النظام الدولي، حيث لم تعد القارة حاضرة في التفكير الإستراتيجي لواشنطن بوصفها شريكًا تنمويًّا، أو فضاءً للتعاون طويل الأمد؛ بل بوصفها مساحة مصالح محددة تُدار بمنطق نفعي صارم. عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض بولاية ثانية لم تُنتج مسارًا جديدًا بقدر ما عمّقت الاتجاهات التي ظهرت في ولايته الأولى، مع انتقال أوضح من خطاب الشراكة إلى ممارسة براغماتية قائمة على الانتقاء. في هذا السياق، تتعامل الإدارة الأمريكية مع إفريقيا بوصفها هامشًا تابعًا لأولويات أكبر، تُستدعى عند الحاجة الأمنية أو الاقتصادية، وتُهمَّش حين تغيب الجدوى المباشرة؛ ما يؤسس لعلاقة أكثر برودة، لكنها أكثر وضوحًا في توجهها وأهدافها.

ويزداد هذا التحول وضوحًا عند وضع السياسة الأمريكية تجاه إفريقيا ضمن السياق الأوسع لما يمكن تسميته بـ”عقيدة ترمب الجديدة”، التي تعيد إحياء منطق القوة الصلبة والمنافسة بين القوى الكبرى، وتتعامل مع النظام الدولي بوصفه ساحة صراع لا إطار شراكة. في هذا الإطار، لا تُستهدف إفريقيا لذاتها؛ بل تُستدرج كمساحة جانبية في مواجهة أشمل مع الصين، وكخزان إستراتيجي للمعادن الحيوية والممرات الجيوسياسية ونقاط النفوذ الأمني. وبهذا المعنى، تصبح القارة مطلوبة اقتصاديًّا وأمنيًّا، لكنها مهمشة سياسيًّا، ولا يُنظر إليها كفاعل جماعي قادر على المشاركة في صياغة الأجندات، بل كموضوع لإدارة المصالح ضمن معادلة “القوة أولًا” التي تهيمن على تفكير واشنطن[1].

وضمن هذه الرؤية، تتراجع إفريقيا في سلّم الأولويات الدبلوماسية الأمريكية مقارنة بمسارح أكثر إلحاحًا، مثل أوروبا الشرقية، أو الشرق الأوسط، أو المحيطين الهندي والهادئ، دون أن يعني ذلك انسحابًا كاملًا من القارة؛ فالولايات المتحدة لا تغادر إفريقيا، لكنها تعيد تموضعها فيها، مركِّزة على نقاط تماس بعينها تتصل مباشرة بأمنها القومي. من هنا، يتخذ الحضور الأمريكي شكل تدخلات محدودة ومرنة، تقوم على التعاون العسكري الانتقائي، والضربات السريعة، وترتيبات أمنية ثنائية، بدل الانخراط العميق الطويل الأمد. هذا النمط يعكس تصورًا جديدًا لدور القوة الأمريكية، يقوم على تقليص الكلفة السياسية والمالية، وتحقيق مكاسب سريعة قابلة للتسويق داخليًّا.

أما البعد الاقتصادي، فيمثل حجر الزاوية في المقاربة الأمريكية الجديدة، لكنه لا يُدار من منظور التنمية، أو توسيع التبادل التجاري؛ بل من زاوية الأمن القومي والمنافسة مع الصين. فإفريقيا تُختزل في الحسابات الأمريكية في كونها مصدرًا للمعادن الحرجة والطاقة اللازمة للصناعات المستقبلية، من السيارات الكهربائية إلى أشباه الموصلات؛ ونتيجة لذلك، تتحول السياسة الاقتصادية إلى أداة جيوسياسية، تُفضّل الصفقات الثنائية القصيرة، واتفاقات الوصول والاستخراج، على حساب دعم سلاسل قيمة إقليمية، أو مشروعات تنموية مستدامة. هذا النهج يعمّق الطابع الوظيفي للعلاقة، ويجعل حضور واشنطن الاقتصادي انتقائيًّا ومحصورًا في الجغرافيا الغنية بالموارد.

سياسيًّا وأخلاقيًّا، يترافق هذا التحول مع تراجع ملحوظ في انخراط الولايات المتحدة في ملفات الحكم الرشيد، وبناء المؤسسات، والتنمية، وهو ما يتجلى في إضعاف أدوات المساعدات التقليدية وتهميش العمل المتعدد الأطراف. هذا الانسحاب يفتح المجال أمام قوى دولية أخرى لملء الفراغ، لكنه في الوقت نفسه يضع الدول الإفريقية أمام معضلة إستراتيجية معقّدة: كيف تتعامل مع قوة عظمى تنظر إليها بوصفها ساحة صفقات لا شريكًا سياسيًّا؟ في هذا السياق، تصبح السياسة الأمريكية تجاه إفريقيا في 2026 أكثر برودة وأقل التزامًا، لكنها أيضًا أكثر صراحة في منطقها؛ ما يفرض على القارة إعادة التفكير في أدواتها التفاوضية وموقعها في عالم يتجه بثبات نحو تعددية قطبية غير متوازنة.

وفي هذا السياق، تتكثف ملامح السياسة الأمريكية تجاه إفريقيا عند تقاطع الأمن بالقوة، والمصالح بالخطاب الإنساني، في مشهد يعكس عودة منطق التدخل الانتقائي أكثر مما يعكس التزامًا بحلول مستدامة؛ فالتهديدات الأمريكية بالتدخل في نيجيريا والكونغو، تحت ذرائع مكافحة الإرهاب أو حماية الأمن الإقليمي، تكشف عن توظيف الأزمات الإفريقية ضمن حسابات أوسع تتصل بإعادة التموضع الإستراتيجي، ومواجهة نفوذ القوى المنافسة، لا بمعالجة جذور العنف والهشاشة. ومع تداخل العوامل الدينية والاقتصادية والحوكمة، تبرز أخطار أن يؤدي أي انزلاق نحو استخدام القوة إلى تعميق عدم الاستقرار بدلًا من احتوائه؛ وعليه يصبح مستقبل الدور الأمريكي في إفريقيا مرهونًا بالاختيار بين مسار تعاون تنموي يعالج الأسباب البنيوية للأزمات، أو نهج ضغوط وتدخلات قد يعيد إنتاج دوائر الفوضى في قارة تدفع بالفعل كلفة صراعات الآخرين[2].

وفي ضوء ذلك، يسعى المقال إلى طرح تساؤلٍ مركزي عن حقيقة التوجه الأمريكي في إفريقيا: هل تعبّر التهديدات بالتدخل العسكري عن إرادة جادة لمعالجة جذور الأزمات وبناء الاستقرار، أم أنها مجرّد أداة لإعادة فرض النفوذ الأمريكي بمنطق القوة في ساحة تتصاعد فيها المنافسة الدولية؟

إفريقيا في الحسابات الإستراتيجية الأمريكية

تدرك الولايات المتحدة أنّ إفريقيا أصبحت إحدى الساحات الأكثر حساسية في ميزان القوة الدولي، وهو ما يفسّر تصاعد خطاب التهديد العسكري الأمريكي في عدد من الأزمات الإفريقية خلال السنوات الأخيرة. يرتبط هذا التوجه بتقدير إستراتيجي متزايد داخل مؤسسات الأمن القومي الأمريكي يرى أن الفراغات الأمنية في القارة تتيح لقوى دولية منافسة إعادة تشكيل النظام الإقليمي بما يضر بالمصالح الأمريكية؛ ولذلك تنظر واشنطن إلى التدخل -أو التلويح به- بوصفه أداة ضغط سياسية ضرورية لاحتواء المسارات التي قد تُفضي إلى تهديدات مباشرة أو غير مباشرة لمصالحها الحيوية، سواء في غرب إفريقيا، أو القرن الإفريقي، أو وسط القارة[3].

كما يرتبط التهديد العسكري الأمريكي بطبيعة التحولات داخل الدول الإفريقية نفسها، حيث تتقاطع الأزمات الداخلية مع صعود فاعلين مسلحين وشبكات إرهابية عابرة للحدود، وهو ما يشكل بيئة خصبة لعدم الاستقرار يمكن أن تمتد تداعياتها إلى مصالح واشنطن الاقتصادية والأمنية. في هذا السياق، تبرز نيجيريا مثالًا واضحًا، إذ تُعدّ أكبر قوة اقتصادية وسكانية في أفريقيا، وانهيار استقرارها سيخلق فراغًا أمنيًّا كبيرًا قد يعيد تشكيل غرب القارة بالكامل. وتنسحب هذه المخاوف كذلك على الكونغو الديمقراطية، التي تشكل ثرواتها المعدنية الاستراتيجية -خصوصًا الكوبالت- محورًا أساسيًّا في الصناعات الأمريكية الحديثة.

ولا يمكن فصل التهديد الأمريكي بالتدخل العسكري عن المنافسة الجيوسياسية المتصاعدة مع الصين وروسيا، اللتين تتقدمان بثبات داخل القارة من خلال الاستثمارات الضخمة، أو الانتشار الأمني. ترى واشنطن أن انزلاق دول أساسية إلى أحضان هذه القوى سيقوض قدرتها على التأثير في مستقبل الطاقة، والمعادن النادرة، والممرات البحرية، وكلها عناصر جوهرية في المشروع الاقتصادي الأمريكي؛ لذلك تستخدم لغة التدخل العسكري كإشارة ردع موجهة إلى الدول الإفريقية والقوى الدولية المنافسة، لتأكيد أن الولايات المتحدة لا تزال قادرة على ممارسة نفوذ مباشر عند الضرورة.

ويتصل هذا التهديد أيضًا بالاعتبارات الداخلية الأمريكية، حيث تُوظّف بعض الإدارات قضية “مكافحة الإرهاب” و”حماية الاستقرار” في إفريقيا لإظهار الحزم في السياسة الخارجية أمام الرأي العام، خاصة في المراحل الانتخابية، فخطاب التدخل يمنح واشنطن مساحة للتحرك الرمزي دون الانخراط في عمليات واسعة، لكنه يظل كافيًا لتمرير رسائل مفادها أن الولايات المتحدة مستعدة لاتخاذ قرارات صعبة إذا تعارضت التطورات مع أمنها القومي. وهذا النمط من التلويح يمنح صناع القرار أدوات تفاوضية إضافية مع الحكومات الإفريقية[4].

وفي النهاية، تنظر واشنطن إلى التهديد العسكري بوصفه جزءًا من إستراتيجية أوسع لضبط التوازنات في القارة، ومنع تحوّل النزاعات المحلية إلى أزمات إقليمية شاملة يمكن أن تعيد تشكيل خريطة النفوذ الدولي؛ فالأزمات في نيجيريا والكونغو أو الخلافات المرتبطة بسد النهضة لا تمثل مشكلات محلية فقط؛ بل دوائر صراع تتقاطع فيها مصالح كبرى تتعلق بالطاقة والمياه والتجارة والأمن؛ ومن هنا يصبح التلويح بالتدخل العسكري أداة ضغط وقائية تهدف إلى توجيه مسار الأزمات، ومنع خروجها عن السيطرة بما يضر بالمصالح الأمريكية الطويلة المدى[5].

الأزمات الإقليمية الإفريقية وإعادة توظيفها في الإستراتيجية الأمريكية

تشكل التوترات الإقليمية في إفريقيا بيئة خصبة تعيد إنتاج أنماط التدخل الخارجي، حيث تستغل القوى الكبرى -وفي مقدمتها الولايات المتحدة- هذه الأزمات باعتبارها مبررًا لتعزيز حضورها الأمني والعسكري. فمع تصاعد عدم الاستقرار في غرب القارة ووسطها وشرقها، باتت الأزمات الممتدة في نيجيريا والكونغو وإثيوبيا ومصر بشأن ملف سد النهضة تشكل نقاط ارتكاز جوهرية ضمن الحسابات الإستراتيجية الأمريكية. وتتداخل في هذه التوترات عوامل ديموغرافية وسياسية واقتصادية معقدة، ترتبط بصعود الفواعل غير الدولية، وانتشار الجماعات المسلحة، واحتدام النزاعات على الموارد الطبيعية، إضافة إلى ضعف البنى المؤسسية في كثير من دول الإقليم. وتُعد هذه الأزمات في نظر واشنطن فرصة لإعادة صياغة نفوذها، وموازنة صعود الصين وروسيا، ووسيلة في الوقت نفسه للضغط على الحكومات الإفريقية بما يتوافق مع المصالح الأمريكية؛ وبذلك يتحول الصراع المحلي إلى ساحة تنافس جيوسياسي، ما يعمّق هشاشة القارة، ويزيد احتمالات تدويل النزاعات[6].

أولًا: نيجيريا

تُعد الأزمة في نيجيريا واحدة من أكثر بؤر التوتر التي تسترعي الاهتمام الأمريكي؛ لكونها أكبر دولة من حيث عدد السكان في إفريقيا، ولقوة اقتصادها، وموقعها المحوري في غرب القارة. تواجه نيجيريا خليطًا معقدًا من التحديات الأمنية، أبرزها تمرد “بوكو حرام” وتنظيم الدولة في غرب إفريقيا، والصراعات الطائفية والمجتمعية في الشمال، وأعمال العنف بين الرعاة والمزارعين، إضافة إلى التهديدات التي تستهدف صناعة النفط الحيوية في دلتا النيجر. هذا المشهد المتشابك أعاد فتح الباب أمام نقاشات أمريكية بشأن إمكانية التدخل المباشر أو الدعم العسكري المكثف، خصوصًا بعد التلميحات الحادة من إدارة ترمب لاحقًا بشأن ضرورة “تأمين” نيجيريا، ومنع توسع الجماعات الإرهابية. وتستخدم واشنطن هذه التهديدات أداةً لتعزيز نفوذها، وزيادة تعاونها الأمني مع الجيش النيجيري، وربط ذلك بالتزام الحكومة بإصلاحات سياسية وحقوقية تتماشى مع الرؤية الأمريكية لحوكمة المنطقة[7].

إلى جانب البعد الأمني، تنظر الولايات المتحدة إلى نيجيريا بوصفها ساحة تنافس مع الصين وروسيا، اللتين نجحتا في توسيع نفوذهما الاقتصادي والعسكري في غرب إفريقيا. وتخشى واشنطن من تحوّل نيجيريا إلى محور ترتكز عليه بكين في مبادرة الحزام والطريق، خصوصًا في مجالات البنية التحتية والطاقة والاتصالات. كما يقلقها تنامي الحضور الروسي من خلال صفقات السلاح والتعاون الأمني؛ لذلك توظف الولايات المتحدة الخطاب المتعلق بالتدخل العسكري كرسالة ضغط إستراتيجية تهدف إلى تثبيت الشراكة الأمنية مع أبوجا، ومنع تقاربها مع القوى المنافسة. وفي الوقت نفسه، تمثل نيجيريا نقطة ارتكاز لعمليات القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (AFRICOM)، التي تعتمد عليها واشنطن في مراقبة الساحل وغرب القارة؛ وبذلك لا تصبح الأزمة النيجيرية مجرد صراع داخلي؛ بل محورًا مركزيًّا ضمن المعادلة الجيوسياسية للقوة، حيث تتداخل الحسابات الأمنية بالاعتبارات الاقتصادية والدبلوماسية[8].

ثانيًا: سد النهضة

تشكل أزمة سد النهضة بين مصر وإثيوبيا واحدة من أكثر القضايا الإستراتيجية حساسية في شرق إفريقيا، ولها انعكاسات مباشرة على الأمن الإقليمي والمصالح الدولية. تراقب الولايات المتحدة هذه الأزمة بدقة؛ لما لها من تأثيرات محتملة في استقرار حليفها التقليدي مصر، وفي مسار التنمية الإثيوبي، وفي توازن النفوذ في القرن الإفريقي. وقد حاولت واشنطن في عدة مراحل أداء دور وسيط، لكن هذا الانخراط لم يكن مجرد مسعى دبلوماسي؛ بل كان جزءًا من معادلة أوسع تتعلق بالمياه والطاقة والأمن الإقليمي. ويبرز تهديد التدخل الأمريكي -سواء العسكري أو السياسي- كأداة ضغط غير مباشرة على الأطراف، خصوصًا حين يتصاعد التوتر بين القاهرة وأديس أبابا. ومع أن الولايات المتحدة لا تلوّح بتدخل عسكري صريح، فإن إدارتها تستخدم الأزمة لتعزيز إستراتيجيتها الهادفة لمنع التمدد الصيني، وضمان عدم تغير موازين القوة في المنطقة على نحو يُضعف النفوذ الأمريكي[9].

ترتبط الأزمة كذلك بمصالح الولايات المتحدة في أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي، حيث يشكل استقرار العلاقات بين مصر وإثيوبيا والسودان عنصرًا أساسيًّا في تأمين خطوط التجارة الدولية، والحد من التهديدات العابرة للحدود. كما تمتلك واشنطن مصالح تقنية واقتصادية مرتبطة بمشروعات الطاقة المتجددة والمياه؛ ما يجعلها معنية مباشرة بأي تغيرات في بنية موارد النيل. وفيما يتعلق بالولايات المتحدة، فإن استمرار النزاع بشأن السد دون تسوية قد يؤدي إلى سباق تسلح مائي، أو إلى مواجهات عسكرية إقليمية، وهو ما يمنح واشنطن فرصة لزيادة تدخلها الدبلوماسي، وربما الأمني. ومن خلال تبني موقف “الوسيط الحاسم”، تحاول الولايات المتحدة توظيف الأزمة لتثبيت نفوذها في منطقة تتزايد فيها الاستثمارات الصينية كثيرًا. وهكذا تصبح قضية السد ساحة جديدة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية مع الحسابات الجيوسياسية للقوى الكبرى[10].

ثالثًا: الكونغو الديمقراطية

تُعد الكونغو الديمقراطية من أكثر الدول التي تشهد تعقيدًا في أنماط الصراع، حيث تتداخل فيها النزاعات العرقية والطائفية والسياسية مع صراع واسع على الموارد الطبيعية، خاصة الكوبالت والذهب والماس والمعادن الإستراتيجية المستخدمة في الصناعات التكنولوجية العالمية. وتثير هذه الثروة الضخمة اهتمامًا مباشرًا من الولايات المتحدة، التي ترى الكونغو جزءًا مهمًّا من سلسلة الإمدادات العالمية، خصوصًا في مجال تصنيع البطاريات، والسيارات الكهربائية. ومع تصاعد العنف في شرق الكونغو، وانتشار الجماعات المسلحة العابرة للحدود، ازداد الحديث عن احتمالات التدخل العسكري الأمريكي، سواء من خلال دعم عمليات الأمم المتحدة، أو عن طريق التعاون المباشر مع الحكومة الكونغولية. تستخدم واشنطن خطاب حماية المدنيين، ومكافحة الإرهاب، لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى ضمان عدم سيطرة الصين على قطاع التعدين الذي تغلغلت فيه تغلغلًا كبيرًا. وهكذا يصبح الصراع المحلي بوابة لصراع عالمي على الموارد[11].

تدرك الولايات المتحدة أن استمرار الفوضى في الكونغو يهدد مصالحها الاقتصادية، ويتيح لموسكو وبكين تعزيز حضورهما العسكري والاقتصادي. ففي السنوات الأخيرة، توسع النفوذ الروسي من خلال شركات الأمن الخاصة، في حين عززت الصين سيطرتها على غالبية مناجم الكوبالت من خلال استثمارات وشراكات طويلة الأمد. ولمنع فقدان السيطرة على واحدة من أهم مناطق المعادن الإستراتيجية، تلوّح واشنطن بتكثيف تدخلها الأمني والدبلوماسي، مستفيدة من ضعف الدولة الكونغولية، وتعدد الفصائل المسلحة في شرق البلاد. كما تطرح نفسها شريكًا أفضل للحكومة من خلال برامج التدريب العسكري والمساعدات التنموية. ومع ذلك، تُقابل هذه السياسات بانتقادات داخلية وإقليمية تتهم الولايات المتحدة باستخدام خطاب حقوق الإنسان غطاءً لتعظيم مكاسبها الاقتصادية. وفي ضوء هذا التشابك، تتحول الكونغو إلى نموذج واضح لكيفية توظيف التوترات الإقليمية في خدمة الإستراتيجية الأمريكية الأوسع في إفريقيا[12].

تداعيات التلويح الأمريكي بالتدخل العسكري على استقرار القارة الإفريقية

يمثّل التلويح الأمريكي بالتدخل العسكري في نيجيريا، أو الانخراط الأمني المتزايد في أزمات الكونغو وسدّ النهضة، لحظة فارقة في معادلة الأمن الإفريقي؛ فالتدخل، حتى لو جاء تحت عناوين “حماية المسيحيين”، أو “مكافحة الإرهاب”، أو “ضمان الاستقرار”، يُعيد إنتاج منطق القوة على حساب منطق بناء المؤسسات، ويُعرِّض القارة لموجة جديدة من عدم الاستقرار البنيوي. وتتجاوز التداعيات حدود الدولة المستهدَفة إلى الإقليم كله، من خلال إعادة تشكيل خرائط التحالفات، وتغذية صراعات الموارد، وتدويل الانقسامات الهشّة داخل المجتمعات الإفريقية. وفيما يلي أبرز التداعيات المحتملة على الاستقرار في القارة[13]:

  1. تقويض سيادة الدول الإفريقية وتآكل شرعية النُّظم السياسية: أي تدخل عسكري أمريكي مباشر في نيجيريا -أو غيرها- سيُضعف فكرة السيادة الوطنية، ويُرسِّخ صورة أن حل الأزمات الداخلية لا يتم من خلال المؤسسات الوطنية، أو الأطر الإقليمية؛ بل من خلال القوة الخارجية. هذا الواقع يضرب شرعية النخب الحاكمة؛ إذ يُنظر إليها على أنها عاجزة عن حماية مواطنيها دون مظلّة أمريكية، أو متواطئة مع أجندات خارجية. وعلى المدى الطويل، يفتح ذلك الباب أمام حركات تمرّد وانقلابات عسكرية تدّعي استعادة الكرامة الوطنية، فيتحول التدخل من أداة استقرار إلى محفِّز لدورات متتالية من عدم الاستقرار السياسي.
  2. مفاقمة الانقسامات الدينية والإثنية وتحويل الصراعات إلى حروب هُوية: اعتماد خطاب حماية المسيحيين في نيجيريا، أو توظيف هويات إثنية ومناطقية في الكونغو، يحوِّل الصراعات من نزاعات ذات جذور اقتصادية إلى حروب هُوية صفرية. التدخل الأمريكي، والنتيجة المحتملة هي انتقال الأزمات من كونها قابلة للاحتواء من خلال تسويات سياسية، إلى صراعات وجودية ترى فيها الجماعات أن بقاءها مرهون بإقصاء الآخر أو إضعافه؛ ما ينسف فرص المصالحات المجتمعية لاحقًا.
  3. عسكرة موارد القارة، وتعميق صراعات النفط والمعادن والمياه: في نيجيريا، يُنذر أي حضور عسكري أمريكي بالتحوّل من “حماية المدنيين” إلى حماية مصالح النفط والمعادن الحرجة. وفي الكونغو، حيث الكولتان والمعادن الإستراتيجية، يظهر بوضوح خطر ارتباط الضربات والعقوبات بتأمين سلاسل الإمداد لصالح شركات بعينها. أما في ملف سد النهضة، فمجرد إدخال البُعد العسكري في نزاع مائي يزيد احتمالات تحويل الماء إلى أداة ابتزاز إستراتيجي. عسكرة الموارد على هذا النحو تغري أطرافًا محلية وإقليمية بتسليح الجماعات والميليشيات للسيطرة على حقول إنتاج أو ممرات نقل؛ ما يجعل الثروة لعنة أمنية بدلًا من أن تكون رافعة تنمية واستقرار.
  4. إعادة تشكيل خرائط النفوذ الدولي وتدويل الساحة الإفريقية: التدخل الأمريكي لن يحدث في فراغ؛ إذ ستسعى قوى أخرى -كالصين وروسيا ودول إقليمية فاعلة- إلى استثماره لتعزيز حضورها المضاد. في نيجيريا والكونغو، قد يدفع الضغط الأمريكي بعض النخب إلى البحث عن مظلات أمنية بديلة، بما يشبه نموذج “فاغنر” في دول الساحل والوسط الإفريقي. وفي حوض النيل، أي اصطفاف أمريكي مع طرف ضد آخر في أزمة السد يفتح شهية قوى أخرى لتدعيم الطرف المقابل. هكذا تتحوّل الأزمات الإفريقية إلى ساحات تنافس دولي حاد، تُقدَّم فيها حسابات توازن القوى العالمية على حساب أولويات التنمية والاستقرار الداخلي.
  5. توسيع دوائر العنف العابر للحدود وزيادة تدفقات اللاجئين والمهاجرين: التجارب السابقة في العراق وليبيا وأفغانستان تُظهر أن التدخل العسكري الخارجي غالبًا ما يُعيد تشكيل خرائط العنف بدلًا من إنهائه. في حالة نيجيريا، قد يدفع التدخل الجماعات المسلحة إلى التشرذم والانتشار نحو دول الجوار في الساحل وغرب إفريقيا، مع تنامي شبكات تهريب السلاح والمقاتلين. وفي الكونغو، أي تصعيد جديد مرتبط بالمعادن سيغذّي موجات نزوح إضافية شرقًا وغربًا. هذه الديناميكيات تخلق ضغوطًا كبيرة على دول الجوار الضعيفة أصلًا، وتزيد تدفقات اللاجئين نحو أوروبا؛ ما يربط أمن القارة الإفريقية مباشرة بمعادلات الأمن والهجرة في الشمال العالمي.
  6. تقويض مسارات الحكم الرشيد وتعطيل الإصلاحات المؤسسية والديمقراطية: حين تُبنى السياسات على منطق الشريك الأمني أكثر من منطق الإصلاح السياسي، تميل واشنطن إلى دعم نُظُم قادرة على التعاون استخباريًّا وعسكريًّا، حتى إن كانت ضعيفة في حقوق الإنسان والشفافية. في نيجيريا والكونغو، قد يدفع ذلك الحكومات إلى أولوية شراء السلاح على حساب الاستثمار في التعليم والصحة والإدارة المحلية. ومع تعاظم الإنفاق العسكري، يُستبعَد المجتمع المدني، وتُهمَّش النقابات والأحزاب المعارضة تحت ذريعة حالة الطوارئ الأمنية. وتدريجيًّا، تتآكل فرص بناء مؤسسات قوية وخاضعة للمساءلة، ويُعاد إنتاج بيئة الفساد وضعف الحوكمة التي كانت أصلًا من أهم محفّزات الأزمات التي استدعت التدخل.

لماذا لا تستطيع واشنطن خسارة إفريقيا؟

يُعاد تموضع أفريقيا اليوم في قلب الإستراتيجية الأمريكية بوصفها ساحة تنافس مركّبة تتقاطع فيها اعتبارات الطاقة والممرات البحرية والأمن الإقليمي وسلاسل الإمداد العالمية؛ فتهديدات التدخل في نيجيريا، والانخراط في ملف الكونغو، ومحاولة الإمساك بخيوط سدّ النهضة، لا يمكن قراءتها بوصفها مواقف معزولة، بل بوصفها حلقات في رؤية أمريكية تسعى إلى منع تحوّل القارة إلى فضاء نفوذ حرّ للصين وروسيا وقوى أخرى. في الخطاب، تُقدَّم السياسات الأمريكية غالبًا في إطار حماية الحريات الدينية، ومكافحة الإرهاب، ودعم الاستقرار، لكن في العمق تتحرك واشنطن تحت ضغط ثنائية: منع الخصوم من تثبيت موطئ قدم إستراتيجي، وتأمين موارد حيوية للأسواق والصناعات الأمريكية. إفريقيا هنا ليست هامشًا جغرافيًّا؛ وإنما جزء من معادلة أوسع لإعادة بناء الهيمنة الأمريكية في نظام دولي يتجه نحو التعددية القطبية[14].

في المقابل، تتقدم الصين في إفريقيا بأدوات مغايرة من حيث الشكل، أكثر نعومة وأقل صخبًا، تقوم على التمويل، البنية التحتية، والديون، من خلال مبادرة “الحزام والطريق”، وشبكات المواني والطرق والسكك الحديدية. هذا التغلغل الاقتصادي يمنح بكين نفوذًا سياسيًّا متناميًا دون الحاجة إلى التلويح المباشر بالقوة العسكرية، ويخلق اعتمادًا بنيويًّا طويل الأمد للدول الإفريقية على التمويل والتكنولوجيا الصينية. هنا تجد الولايات المتحدة نفسها في موقع الدفاع، فتستخدم ملفات حقوق الإنسان، وحرية الدين، والشفافية في قطاع الموارد كأدوات ضغط مضاد على النخب الحاكمة. تهديد التدخل في نيجيريا، أو العقوبات على فاعلين مسلحين في الكونغو، يدخل في هذا السياق: محاولة إعادة تأطير العلاقة مع إفريقيا من معادلة “الاستثمار مقابل الولاء” بالصورة الصينية، إلى معادلة “الأمن والشرعية مقابل الاصطفاف” وفق الصيغة الأمريكية[15].

أما روسيا، فتسعى إلى تعويض محدودية قدراتها الاقتصادية من خلال أدوات صلبة وخشنة في آن؛ من شركات المرتزقة إلى صفقات السلاح، ثم الدخول على خطوط النزاعات الداخلية بحثًا عن قواعد عسكرية وامتيازات تعدين. حضورها في الساحل والصحراء، وفي قلب الكونغو، يجعل أي فراغ أمني أو سياسي فرصة سانحة لترسيخ نفوذ يصعب إزاحته لاحقًا؛ لهذا تتعامل واشنطن مع أزمات مثل الكونغو أو السودان أو ليبيا بوصفها -ضمنيًّا- خطوط تماس مع موسكو، وليست ملفات إفريقية داخلية فقط. حين تلوّح الولايات المتحدة بالتدخل العسكري، أو بعقوبات قاسية، فهي توجه رسالة مزدوجة: إلى الأنظمة الإفريقية بأن هامش المناورة مع الخصوم محدود، وإلى روسيا بأن توسيع حضورها في القارة سيقابَل بردّ أمريكي، ولو عبر وكلاء محليين، وأدوات اقتصادية وقانونية لا عبر مواجهة مباشرة.

وفي خلفية هذا التنافس، يبرز الاتحاد الأوروبي وقوى متوسطة أخرى -مثل تركيا والقوى الخليجية- كلاعبين يسعون إلى تحصيل مكاسب جيوسياسية واقتصادية، لكنهم يفتقدون إلى القدرة على فرض معادلات كبرى بمفردهم. أوروبا مثقلة بهاجس الهجرة والطاقة والإرهاب العابر للحدود؛ ما يجعلها تميل إلى سياسات “إدارة الأزمات” لا إعادة هندستها. تركيا تتحرك بأجندة أمنية- تجارية، والخليج يجمع بين الاستثمار والاعتبارات الأمنية وسباق المواني والبحار الدافئة. في هذا السياق، تحاول الولايات المتحدة أن تبقى “المظلّة العليا” التي تضبط إيقاع هؤلاء الفاعلين جميعًا، وتوظّف حضورهم لخدمة نظام دولي تقوده هي، لكن كثافة اللاعبين تُضعِف القدرة الأمريكية على احتكار النفوذ كما كان في التسعينيات، وتحوّل إفريقيا إلى مسرح تعقيد لا يمكن السيطرة عليه بالكامل[16].

نتيجة ذلك، يتحوّل موقع إفريقيا في الإستراتيجية الأمريكية من هامش يمكن إهماله إلى جبهة لا يمكن خسارتها، دون أن يواكب ذلك أحيانًا تصور متماسك طويل الأمد لدى واشنطن. التهديد بالتدخل العسكري في نيجيريا، والانخراط في معادلة المعادن الحرجة في الكونغو، ومحاولات الوساطة أو الضغط في أزمة سد النهضة، كلها تعكس إدارة بالأزمات أكثر مما تعكس رؤية بنيوية لشراكة متكافئة مع القارة. هذا الاضطراب يفتح الباب أمام سيناريوهين متناقضين: إما أن تنجح الولايات المتحدة في إعادة صياغة حضورها بأدوات أكثر ذكاءً واحترامًا لسيادة الدول الأفريقية، أو أن تتسع الفجوة بينها وبين الشعوب والنخب، فتستثمر الصين وروسيا وقوى أخرى هذا التآكل لصالح منظومة نفوذ بديلة تجعل من التلويح الأمريكي بالقوة العسكرية أداة أقل فاعلية، وأعلى تكلفة في المستقبل.

وفيما يتعلق بالانعكاسات على المصالح الأمريكية، فإن تشابك الأزمات في نيجيريا والكونغو وشرق إفريقيا يفرض على واشنطن معادلة معقّدة تتجاوز البعد الأمني التقليدي إلى مستويات أوسع تمسّ الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد والنفوذ الجيوسياسي. فاضطراب نيجيريا يهدد أحد أهم مصادر النفط الخفيف عالي الجودة للأسواق الأمريكية، ويقوّض قدرة واشنطن على موازنة السوق العالمية في مواجهة نفوذ دول منافسة. كما أن استمرار عدم الاستقرار في الكونغو يعرّض مصالح الولايات المتحدة في المعادن الاستراتيجية -مثل الكوبالت والليثيوم- للخطر، بما ينعكس مباشرة على صناعاتها التكنولوجية والعسكرية. أما أزمة سد النهضة فتؤثر في هيبة الولايات المتحدة بوصفها وسيطًا دوليًّا قادرًا على إدارة النزاعات المائية، وهو ما تستثمره الصين وروسيا لتعزيز حضورهما في إفريقيا. وفي ظل هذا التوازن الهش، تدرك واشنطن أن الفشل في التحكم بمسار هذه الأزمات سيقلّص نفوذها الإقليمي، ويفتح الباب أمام إعادة تشكيل البيئة الإستراتيجية في القارة بعيدًا عن المصالح الأمريكية.

الملفات التي سوف يركز عليها ترمب في افريقيا في ٢٠٢٦

من المرجّح أن يتصدر ملف المعادن الحيوية وسلاسل الإمداد أجندة واشنطن في إفريقيا خلال 2026، لا بوصفه قضية تنموية أو تجارية تقليدية؛ بل بوصفه أداة صلبة في تنافس القوى الكبرى مع الصين. فالمؤشرات الأحدث تُظهر أن الإدارة الأمريكية تربط علاقتها بالقارة بقدرتها على “تحصين” سلاسل توريد الكوبالت والليثيوم والنحاس والعناصر الأرضية النادرة، مع دفعٍ نحو شراكات تُعيد ترتيب الوصول إلى الخام والتكرير والتصنيع الأولي. ويتضح ذلك من استضافة Marco Rubio لاجتماع وزاري بشأن المعادن الحيوية في واشنطن، مع حضور متوقّع لمسؤولين من دول إفريقية “معدنية” مثل Guinea وZambia وKenya، إضافة إلى دفع مباحثات شراكة مع Democratic Republic of the Congo[17].

وعلى مستوى الاقتصاد السياسي، سيبرز ملف “الدبلوماسية التجارية” والصفقات الثنائية بوصفه الصيغة المفضلة لإدارة العلاقة مع القارة: أقل حديثًا عن تكامل تجاري طويل المدى، وأكثر تركيزًا على ترتيبات سريعة قابلة للقياس تخدم المرونة الأمريكية في سلاسل الإمداد، وتستهدف قطاعات بعينها بدل محاولة منافسة الصين “دولارًا بدولار” في البنية التحتية. وتدل تصريحات مسؤولين أمريكيين على توجّه انتقائي يميّز “قطاعات أولوية” (خصوصًا المعادن) مع إعادة تأهيل بعض طواقم السفارات لمهام تجارية، وطرح مفهوم “الاعتماد على الذات” بوصفه شرطًا ضمنيًّا في المساعدات والشراكات. هذه المقاربة تجعل العلاقة أقرب إلى مفاوضات منفعة مباشرة: من يقدّم ضمانات استثمار، وإتاحة مواقع، وحوافز، يحصل على حزمة تعاون؛ ومن لا يفعل يُترك على هامش الاهتمام[18].

أما الملف الأمني، فالأرجح أنه سيتخذ شكل انخراط محدود ومركّز بدل التزامات ممتدة، مع إبقاء مكافحة الإرهاب وحماية المواقع/ الممرات الحيوية ضمن نطاق “تدخلات منخفضة الكلفة” سياسيًّا. القراءة السائدة في التحليلات الحديثة أن إفريقيا تُعامل على أنها “مسرح طرفي” تُدار فيه المخاطر لا تُحل جذورها، من خلال تعاون استخباري وتدريب ومساندة انتقائية لدول بعينها، وليس من خلال مشروع أمني إقليمي شامل. وفي 2026، قد تُترجم هذه النزعة إلى تحرّكات دبلوماسية وأمنية في بؤر بعينها (الساحل/ القرن/ المناطق الساحلية الإستراتيجية)؛ بهدف منع تمدد تهديدات تمس المصالح الأمريكية، وحماية سلاسل التوريد المرتبطة بالمعادن والطاقة. النتيجة المتوقعة: أمن “وظيفي” يخدم أولويات واشنطن أكثر مما يبني قدرة مؤسسية مستدامة للدول الإفريقية.

وسيظل ملف المساعدات -لا سيما الصحية- معادًا تعريفه داخل منطق المصلحة والقياس والمشروطية، بدل كونه أداة نفوذ ناعم واسعة النطاق. فالتقارير الحديثة تتحدث عن إعادة هيكلة طريقة التعامل مع دعم إفريقيا، والانتقال إلى ترتيبات ثنائية تُلزِم الشركاء بشروط أكثر حدة، بشأن الفاعلية والشفافية وأحيانًا البيانات والحوكمة، مع تراجع نسبي عن نمط التوسع الذي طبع مراحل سابقة. وفي الوقت نفسه تظهر محاولات لعقد اتفاقات صحية كبيرة متعددة السنوات لكن بقيمة إجمالية أقل من السابق، وبتركيز أكبر على ما تراه واشنطن نتائج قابلة للتحقق وملائمة للأولويات الأمريكية. هذا يحوّل المعونة من شبكة أمان إلى أداة تفاوض: تُستخدم لتعديل سلوك الشركاء، أو لإزاحة نفوذ منافس في قطاعات محددة، لا لبناء شراكة تنموية شاملة[19].

وسيبقى التنافس مع الصين بوصفه الإطار الحاكم لمعظم الملفات، حتى حين لا يُذكر صراحة: واشنطن لا تستهدف تقليص نفوذ بكين في إفريقيا كلها؛ بل إزاحتها من قطاعات تُعد حساسة، خاصة المعادن، وسلاسل الإمداد، وبعض مجالات التكنولوجيا، مع قبول ضمني بأن أجزاء واسعة من القارة ليست أولوية أمريكية ما لم ترتبط بمصلحة مباشرة. في هذا السياق، تصبح قضايا مثل التموضع في دول بعينها (كبلدان منتجة للنفط، أو المعادن، أو محاور لوجستية) جزءًا من هندسة نفوذ انتقائية، في حين يتراجع الاستثمار في الأطر المتعددة الأطراف لصالح صفقات ثنائية تُدار بمنطق القوة والصفقة. هذا الاتجاه قد يمنح بعض الحكومات الإفريقية هامش مناورة من خلال تنويع الشركاء، لكنه يرفع أيضًا خطر اختزال القارة إلى سعر ضمن منافسة كبرى، وليس شريكًا في صياغة القواعد.

ختامًا، وفي ضوء ما سبق، تبدو سياسة ترمب تجاه القارة الإفريقية في 2026 امتدادًا مُكثّفًا لمنطق التعامل الانتقائي الذي يُخضع إفريقيا لمعادلة المنفعة المباشرة أكثر مما يرفعها إلى مرتبة الشريك الإستراتيجي؛ فالقارة تُستدعى حين تتقاطع مع أولويات واشنطن: تأمين المعادن الحرجة وسلاسل الإمداد، وضبط بؤر الإرهاب والتهديدات العابرة للحدود، وحماية الممرات والمواقع ذات القيمة الجيوسياسية، وإعادة هندسة المساعدات بوصفها أداة نفوذ مشروط لا التزامًا تنمويًّا طويل الأمد، وكل ذلك تحت سقف منافسةٍ تتصاعد مع الصين وروسيا. غير أن هذه المقاربة -برغم وضوحها- تحمل مفارقة أساسية: إذ تسعى واشنطن إلى تقليص الكلفة والانخراط، لكنها في الوقت نفسه تُغامر بتعميق هشاشة البيئات التي تريد إدارتها من خلال أدوات أمنية وصفقات قصيرة النفس، بما قد يفتح المجال لمزيد من التدويل والتنافس على الموارد بدل تثبيت الاستقرار؛ ومن ثمّ فإن السؤال الذي سيظل يحكم مآلات هذا المسار ليس حجم الحضور الأمريكي في إفريقيا بقدر ما هو نوعيته: هل ستنجح الإدارة الأمريكية في تحويل مقاربة المصالح إلى شراكات متوازنة تقلل دوافع الفوضى وتدعم بناء الدولة، أم ستُفضي “سياسة الصفقات” إلى نفوذٍ سريع لكنه هشّ، يفاقم الشكوك الإفريقية، ويمنح المنافسين فرصًا أوسع لملء الفراغات؟

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع