مقالات المركز

12 يونيو.. يوم روسيا بين رمزية الدولة الحديثة وبناء الهوية الوطنية في عهد فلاديمير بوتين


  • 12 يونيو 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: santehnika

لا تنشأ الأعياد الوطنية من فراغ، ولا تستمد معناها من مجرد ارتباطها بتاريخ بعينه في التقويم. فهي في جوهرها بناء سياسي وثقافي تصوغه الدولة وتعيد إنتاجه باستمرار، من أجل ربط المجتمع بسردية محددة عن نشأتها وشرعيتها ومصيرها. فالعيد الوطني ليس مجرد لحظة احتفال عابرة، بل أداة لتشكيل الذاكرة الجماعية، ووسيلة لترسيخ الهوية الوطنية، وجسر يصل بين المواطن وفكرة الدولة المجردة.

ومن هذا المنظور تحديداً يمكن قراءة يوم روسيا، الذي يُحتفل به في الثاني عشر من يونيو (حزيران) من كل عام، بوصفه أكثر من مجرد تاريخ رسمي، وباعتباره مرآة لمسار الدولة الروسية الحديثة في بحثها عن ذاتها بعد واحد من أكبر التحولات التي شهدها القرن العشرون.

يعود هذا التاريخ إلى 12 يونيو (حزيران) 1990، حين أقر مؤتمر نواب الشعب لجمهورية روسيا السوفيتية الاتحادية الاشتراكية إعلان سيادة الدولة. وجاء هذا الإعلان في لحظة بالغة الحساسية من تاريخ الاتحاد السوفيتي، إذ كانت سياسات البيريسترويكا قد أضعفت المركز السوفيتي، وبدأت الجمهوريات المكونة للاتحاد تتسابق نحو تأكيد سيادتها فيما عرف لاحقاً بـ«موكب السيادات».

ولم يكن الإعلان الروسي في صيغته الأولى دعوة صريحة إلى الانفصال الكامل، بل تأكيداً على أولوية القوانين الروسية على القوانين الاتحادية، وعلى حق الجمهورية في إدارة شؤونها. غير أن هذه الخطوة، الصادرة عن أكبر جمهوريات الاتحاد السوفيتي وأثقلها وزناً، أسهمت موضوعياً في تسريع تفكك البنية السوفيتية التي انهارت بعد نحو عام ونصف العام.

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ونشوء الاتحاد الروسي، وجدت الدولة الجديدة نفسها أمام فراغ رمزي عميق. فالأعياد السوفيتية الكبرى كانت محملة بإرث أيديولوجي يصعب على النظام الجديد تبنيه دون تناقض، في حين بدت الذاكرة الإمبراطورية لما قبل عام 1917 بعيدة ومثقلة بدلالاتها التاريخية المتشعبة.

وفي مرحلة اتسمت بأزمات حادة، من الصدمة الاقتصادية إلى الأزمة الدستورية عام 1993، احتاجت النخبة السياسية الروسية إلى يوم وطني جديد يجسد ميلاد الدولة الحديثة ويمنحها سنداً رمزياً لشرعيتها. ومن هنا جاء المرسوم الرئاسي الصادر عام 1994 الذي اعتمد الثاني عشر من يونيو (حزيران) عيداً رسمياً.

ولم يكن هذا الاختيار اعتباطياً، بل مثل محاولة لتأسيس نقطة بداية تفصل بين حقبة الاتحاد السوفيتي وحقبة الاتحاد الروسي المستقل، وتقدم للمجتمع تاريخاً مؤسساً يمكن البناء عليه. وبهذا المعنى، كانت المسألة مرتبطة بالشرعية السياسية بالدرجة الأولى، إذ تسعى كل دولة ناشئة إلى تثبيت لحظة تأسيسية تنطلق منها سرديتها الخاصة عن نفسها.

ويقع مفهوم السيادة في قلب هذه المناسبة، غير أن السيادة في السياق الروسي لا تختزل في معناها القانوني بوصفها السلطة العليا للدولة على إقليمها. فهي ترتبط في الخطاب السياسي الروسي بفكرة القرار الوطني المستقل، ووحدة الدولة، والقدرة على حماية المصالح العليا من دون الخضوع لإملاءات خارجية.

وقد تطور هذا المفهوم لاحقاً ليأخذ أبعاداً أوسع، عبرت عنها مفاهيم مثل «الديمقراطية ذات السيادة»، التي طُرحت في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وسعت إلى التأكيد على أن للاتحاد الروسي نموذجاً خاصاً في التطور السياسي.

وبهذا المعنى، تحول يوم السيادة من إعلان قانوني داخلي إلى رمز لرؤية أشمل ترى في الاستقلال السياسي شرطاً أساسياً لوجود الدولة. وتظل هذه القراءة موضع نقاش، إذ يرى بعض المحللين أن التشديد على السيادة قد يستخدم أحياناً لتبرير تركيز السلطة، بينما يرى آخرون فيه استجابة مشروعة لتجربة الضعف التي عاشتها البلاد خلال تسعينيات القرن الماضي.

ويعكس يوم روسيا كذلك محاولة معقدة لإعادة تعريف الهوية الوطنية. فقد انتقلت البلاد من هوية سوفيتية فوق قومية، قامت على الانتماء الأيديولوجي والمشروع الاشتراكي العابر للحدود القومية، إلى هوية روسية اتحادية ما زالت في طور التشكل.

وتنطوي هذه الهوية على تفاعل مستمر بين ثلاثة مكونات رئيسية: الإرث الإمبراطوري بامتداده التاريخي، والإرث السوفيتي بإنجازاته وإخفاقاته، والدولة الاتحادية الحديثة بمؤسساتها الدستورية.

وتنبع إحدى الإشكاليات الأساسية من التمييز بين الانتماء الإثني الروسي والانتماء المدني إلى الدولة الروسية، وهو تمييز جوهري في دولة لا تشكل فيها قومية واحدة مجموع السكان. ومن هنا فإن الهوية التي يسعى العيد إلى التعبير عنها هي هوية الدولة لا هوية العرق، أي هوية سياسية جامعة يفترض أن تستوعب جميع مواطني الاتحاد الروسي على اختلاف أصولهم وثقافاتهم.

وهنا تبرز الوظيفة الأعمق للعيد الوطني في بلد بحجم الاتحاد الروسي وتعقيد تركيبته. فالدولة تمتد عبر مساحة جغرافية هائلة، وتضم عشرات القوميات واللغات والأديان، وتتوزع فيها السلطات بين المركز والجمهوريات والأقاليم.

وفي مثل هذا الفضاء المتعدد، يصبح الرمز الوطني المشترك ضرورة سياسية واجتماعية، لأنه يوفر إطاراً جامعاً يتجاوز الانتماءات الجزئية دون أن يلغيها. ومن خلال يوم روسيا تسعى الدولة إلى ترسيخ شعور بالانتماء إلى مشروع سياسي واحد، وإلى تثبيت فكرة أن وحدة المجال السياسي والاجتماعي تمثل شرطاً لاستقرار الجميع.

ومع مرور الوقت، تغير المعنى السياسي لهذا اليوم بصورة ملحوظة. ففي بداياته كان مرتبطاً بمرحلة انتقالية مضطربة ومثقلاً بذكرى التفكك والأزمات، لكنه تحول تدريجياً إلى رمز لاستمرارية الدولة الروسية وقدرتها على تجاوز اضطرابات التسعينيات واستعادة تماسكها الداخلي.

وقد ارتبط هذا التحول بسردية أوسع حول إعادة بناء الدولة بعد سنوات الضعف، وهي سردية جعلت من السيادة والاستقرار قيمتين محوريتين في الخطاب الرسمي الروسي. وبهذا انتقل يوم روسيا من كونه تذكيراً بلحظة قطيعة تاريخية إلى كونه احتفالاً باستمرارية الدولة واستعادة دورها.

ولا ينفصل الحديث عن السيادة الروسية اليوم عن السياق الدولي المعاصر. فمفردات السيادة والاستقلال أصبحت جزءاً من رؤية موسكو لنظام عالمي تراه متجهاً نحو التعددية القطبية، ومن رغبتها المعلنة في الدفاع عن استقلال قرارها السياسي والاقتصادي في مواجهة ما تعتبره محاولات للهيمنة الأحادية.

وبهذا المعنى، لم يعد يوم روسيا مجرد مناسبة داخلية، بل بات يحمل دلالات تتصل بموقع الاتحاد الروسي في النظام الدولي وبالتصور الروسي لدوره العالمي.

غير أن قراءة هذا البعد تظل خاضعة لتباين واسع في وجهات النظر داخل المجتمع الدولي بشأن طبيعة هذا الدور وحدوده ومشروعيته، وهو تباين ينبغي أخذه في الاعتبار عند تحليل الخطاب الروسي حول السيادة، بدلاً من التعامل معه بوصفه حقيقة مسلم بها.

ومن الإنصاف القول إن هذا اليوم لم يحظ منذ نشأته بإجماع كامل حول معناه. فقد وجد قطاع من المجتمع الروسي صعوبة في تحديد ما الذي يحتفل به على وجه الدقة، وربطه بعضهم بتفكك الاتحاد السوفيتي، الذي لا يزال جزء من الروس يعبرون عن أسفهم لانهياره.

بل إن التساؤل حول طبيعة الاستقلال الذي يُحتفى به ظل مطروحاً لسنوات: استقلال عمن؟ وعن أي كيان؟

ولم يتبلور المعنى الإيجابي للمناسبة دفعة واحدة، بل تشكل تدريجياً عبر سنوات من العمل الرمزي والمؤسسي الذي سعى إلى ربط اليوم بقيم الدولة والاستقرار والسيادة الوطنية، بدلاً من ربطه بلحظة الانهيار.

وهذا التحول في الإدراك الجمعي يمثل في حد ذاته مؤشراً مهماً على الطريقة التي تُبنى بها المعاني الوطنية وتترسخ، إذ نادراً ما تكتمل دلالة العيد في لحظة إعلانه، بل تتراكم معانيه عبر الزمن وتُعاد صياغتها تبعاً لتغير أوضاع الدولة والمجتمع.

ويتضح من ذلك كله أن يوم روسيا ليس مجرد عيد رسمي مدرج في التقويم، بل هو مرآة لمسار الدولة الروسية الحديثة في انتقالها من مرحلة الانهيار والبحث عن الذات إلى مرحلة إعادة بناء السيادة والهوية والدور الدولي.

إنه تكثيف رمزي لعملية طويلة ومعقدة من إعادة تأسيس الشرعية السياسية وصياغة الذاكرة التاريخية في فضاء متعدد القوميات والثقافات.

وتكمن أهمية هذا اليوم تحديداً في قدرته على جمع التاريخ والسياسة والهوية في رمز واحد، يلخص كيف تسعى دولة كبرى إلى إعادة تعريف نفسها بعد قطيعة تاريخية كبرى، وكيف يتحول حدث قانوني بدا في حينه عابراً إلى إحدى ركائز الوعي الوطني والاستمرارية التاريخية في الاتحاد الروسي المعاصر.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع