زيارة ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي، وصديق “البزنس” من القلة من أهل الثقة لدونالد ترمب، إلى موسكو، التي يرتقب أن تتم خلال هذا الأسبوع الجاري، لن تكون مجرد جولة تفاوضية إضافية؛ بل ستكون الحلقة الخامسة في سلسة اللقاءات مع الرئيس الروسي، التي تجري خلف الأبواب المغلقة، منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض، لكنها تبدو من حيث الشكل والظروف المصاحبة هي الأهم حتى الآن، وإن لن تكن الأخيرة في وجهة نظري؛ وذلك لأنها تأتي في ظل تصعيد خطابي ترمباوي غير مسبوق، وفتور روسي محسوس، وتحولات كبيرة -وإن كانت هادئة- في الموقف الأوكراني.
هذه الزيارة تأتي في وقت حساس؛ لأن ترمب عبّر علنًا -أكثر من مرة خلال الأيام الأخيرة- عن خيبة أمله في غياب أي تقدم ملموس في العملية التفاوضية بين موسكو وكييف؛ ما دفع بوتين، الذي اعتدنا تعامله مع هذه العملية بهدوء، إلى الخروج علنًا، والرد على ترمب -وإن على نحو غير مباشر- بالقول إنه لا يجب رفع سقف التوقعات حتى لا تحدث خيبة الأمل، قائلًا أمام الكاميرات خلال جلسة غير رسمية مع حليفه لوكاشنكو، في جزيرة فالام بالقرب من فنلندا، يوم 1 أغسطس (آب): “الإحباط وخيبة الأمل تولدانها التوقعات المبالغ فيها”.
وعطف على ذلك بالقول إن التسوية يتم التوصل إليها في مفاوضات لا تصاغ أمام الكاميرات وعدسات وسائل الاعلام؛ بل خلف الأبواب المغلقة. ويبدو أن ترمب التقط الرسالة وقرر -على الفور- إيفاد ويتكوف ليسمع من بوتين، أو لينقل إليه رسالة من ترمب.
ترمب لوّح بفرض عقوبات ثانوية قاسية على شركاء روسيا التجاريين، وقلص مهلة الخمسين يومًا إلى اثني عشر يومًا، يبدو بعدما تعرض للنقد أو السخرية في الداخل الأمريكي والخارج، أو بعد توصيات من مستشاريه. هذه العقوبات إن فُرضت ستكون موجهة ضد الصين والهند في المقام الأول، وكذلك تركيا، وربما البرازيل.
كما أنه ردًا على ما وصفه بتهديدات مدفيديف، نائب رئيس مجلس الأمن الروسي والرئيس السابق لروسيا، أعلن إعادة تموضع غواصتين نوويتين في مياه المتوسط، ما صاحبه موجة صاخبة في الإعلام رأت ذلك أول تهديد نووي مباشر منذ بداية الحرب في أوكرانيا، وجاء ذلك في سياق التراشق بينه وبين مدفيديف بلعبة المفردات النووية.
رد الكرملين بشأن إعلان زيارة ويتكوف المرتقبة اعتمد خطابًا هادئًا ومتزنًا في تناولها. دميتري بيسكوف أشار إلى أن الرئيس بوتين لا يستبعد لقاء ويتكوف مرة أخرى، لكنه ربط الأمر بـ “التحضيرات الفنية”؛ ما قد يدفعنا إلى تفسير موقف الكرملين بالحذر، خاصة أننا كنا في انتظار قدوم ويتكوف مساء الأحد 3 أغسطس (آب) 2025، ثم فوجئنا صباح 4 أغسطس (آب) بتصريحات لترمب تقول إنه سيأتي إلى موسكو نهاية الأسبوع.
القراءة الروسية لهذه التحركات الأمريكية -من واقع متابعتي- تستند إلى تجربة طويلة مع الإستراتيجيات الغربية المزدوجة، فموسكو تدرك تمامًا أن ويتكوف يؤدي دور “الشرطي الطيب” في المعادلة الأمريكية، في حين يلوح ترمب بالعصا النووية، وعصا العقوبات.
ومن هنا لا ينبغي فهم أو تفسير زيارة ويتكوف بوصفها مبادرة سلام بقدر ما هي محاولة لإنقاذ الإيقاع الأمريكي من التوقف التام قبيل يوم الثامن من أغسطس (آب) الذي تنتهي فيه مهلة ترمب التي فرضها هو بنفسه مهلةً لوقف إطلاق النار.
وهنا نطرح سؤالًا منطقيًّا: هل تحمل هذه الزيارة أي مضمون تفاوضي فعلي؟ لأنه وفقًا لما نقلته مصادر روسية، يمكن الاعتماد على ما تنقله، فإن النقطة الوحيدة التي قد تكون مطروحة على الطاولة هي “هدنة جوية محدودة” تشمل وقف استخدام المسيرات لضرب عمق الأراضي في كلا الجانبين.
هذا المقترح بالطبع لم يعلن رسميًّا حتى الآن، لكن الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشنكو، الذي لا ينبغي أن نقلل من دوره أبدًا في هذه العملية برمتها، ألمح إليه خلال زيارته مع بوتين إلى جزيرة فالام التي أشرت إليها أعلاه، مما يعني أنه طُرح في دوائر مغلقة.
وبينما يترقب البيت الأبيض من هذه الزيارة “اختراقًا” -وفق تعبير ماثيو ويتاكر، المندوب الأمريكي لدى الناتو، وهو بالمناسبة من أعلن أن ويتكوف يصل إلى موسكو الأحد 3 أغسطس (آب)- يبدو موقف موسكو أكثر واقعية بشأن نتائجها المحتملة.
منذ لقاء أبريل (نيسان) الماضي بين بوتين وويتكوف، الذي أعاد تحريك المفاوضات المباشرة بين موسكو وكييف في إسطنبول، لم نسجل أي اختراق سياسي حقيقي؛ بل على العكس من ذلك، ومن واقع ما نتابعه من أخبار من الميدان، شهدت الأسابيع الأخيرة تصعيدًا عسكريًّا روسيًّا استهدف مدنًا أوكرانية مختلفة، سواء داخل المناطق الأربع، حيث المسرح الرئيس للعمليات العسكرية، التي أجبرت السلطات الأوكرانية على تنفيذ عمليات إخلاء جزئي للسكان وسط انقطاع الكهرباء والغاز، أو في مدن بعيدة من الجغرافيا الأوكرانية بالقرب من الحدود مع بولندا.
المثير فيما يتعلق بإعلان زيارة ويتكوف لموسكو هذه المرة أيضًا أن كييف لم ترد بالنبرة المتشنجة التي اعتادتها سابقًا، فالرئيس زيلينسكي اكتفى بتعليقات محايدة تجاه فكرة الهدنة الجوية، ولم يهاجم علنًا مسار إسطنبول، كما كان يفعل من قبل.
كما أعلن رستم عميروف، وزير الدفاع السابق، الذي بات يشغل الآن منصب سكرتير مجلس الأمن القومي الأوكراني، وهو في الوقت نفسه رئيس الوفد الأوكراني في مفاوضات إسطنبول، أعلن أن اتصالات جارية الآن مع الجانب الروسي بشأن تبادل جديد للأسرى بعدد 1200 مقابل 1200؛ ما يمكن اعتباره أمرًا يعكس حالة من البراغماتية، أو ربما من الانتظار الأوكراني لما ستسفر عنه الجولة الجديدة من الضغوط الأمريكية على موسكو.
من الزاوية الروسية، حسبما يبدو لي من واقع ما أقرؤه، يتزايد الشك في أن ترمب يبحث عن “عرض سياسي” يقدمه لجمهوره الداخلي، أكثر من سعيه الحقيقي إلى تسوية جادة. فالعقوبات التي يهدد بفرضها غير محددة التفاصيل حتى الآن، مع أنه من المفروض أن تبدأ يوم 8 أغسطس (آب)، خاصةً أنه لا يوجد عاقل واحد الآن في العالم يمكنه افتراض أن تحدث تسوية للنزاع الأوكراني خلال أربعة أيام.
فحتى الآن لا تفاصيل عن: موعد لتطبيق العقوبات.. ولا شروط.. ولا صيغة واضحة لعلاقتها بالشركاء التجاريين لموسكو.. ولواشنطن في الوقت نفسه. ورغم تهديده بفرض رسوم 100% على صادرات دول كالهند مثلًا، فإن المصادر الحكومية في نيودلهي أكدت أنها لا تعتزم حاليًا وقف واردات النفط الروسي التي أصبحت تشكل نحو 40% من إجمالي ورادت الهند، وبسعر برميل يقل كثيرًا عن سعر السوق…
كل هذه الحقائق -في رأيي- تجعل موسكو أكثر طمأنينة بأن الضغط الأمريكي “الترمباوي”، رغم خطورته الظاهرية، لم يتحول إلى واقع فعلي بعد، لكنها في الوقت نفسه تتعامل معه بجدية، خاصةً أن الخطاب النووي عاد إلى التداول.
فلم يحدث منذ بدء “العملية العسكرية الخاصة” أن تحدث رئيس أمريكي علنًا عن إمكانية وقوع الحرب النووية، حتى لو قوبلت تهديدات ترمب في موسكو بنوع من التقليل من جديتها، لكنها -بلا شك- أثارت القلق داخل بعض الدوائر الأمنية.
كل ذلك يجعل -في رأيي- لقاء بوتين- ويتكوف المرتقب (إن تم) محطة مفصلية: ليست للتسوية بالطبع؛ بل لاختبار حدود واشنطن ترمب. بوتين لا ينتظر معجزة تفاوضية -واهم من يعتقد ذلك- لكنه حريص على أن يظل قادرًا على إدارة التصعيد الأمريكي، دون أن ينجر إلى مواجهة مباشرة. وإذا كان هناك ما يراهن عليه بوتين، وتراهن عليه موسكو، فهو قدرة الإدارة الأمريكية على الانقسام على نفسها، وافتقارها إلى رؤية موحدة بين “العصا والجزرة”.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير.