
تُعد هندسة السكان، أو التلاعب المتعمد في التركيبة السكانية لمنطقة معينة من خلال سياسات الهجرة والتوطين والتنمية، أداةً سياسيةً قديمةً تستخدمها الدول لتعزيز سيطرتها على الأراضي الحدودية أو المناطق ذات التوترات العرقية. في سياق إيران، أصبحت هذه السياسات جزءًا أساسيًّا من إستراتيجية الدولة للتعامل مع الأقليات العرقية، خاصة في المناطق، مثل بلوشستان وكردستان، حيث يُنظر إلى السكان المحليين بوصفه تهديدًا أمنيًّا محتملًا. وتشكل بلوشستان الإيرانية، التي تضم محافظة سيستان وبلوشستان، منطقة حدودية إستراتيجية تطل على بحر عمان، وتسكنها غالبية بلوشية سنية، مقابل الأغلبية الشيعية الفارسية في إيران. وفقًا لتقارير، يبلغ عدد سكان المحافظة نحو أربعة ملايين نسمة، منهم مئات الآلاف من الأفغان، وتعاني أعلى معدلات الفقر في البلاد.
هذه المنطقة شهدت محاولات مستمرة لتغيير تركيبتها السكانية منذ عهد الشاه محمد رضا بهلوي، لكنها ازدادت حدة تحت الجمهورية الإسلامية، ويبدو أن الملكيين المعاصرين يدعمون أفكارًا مشابهة. في اجتماع عقد في 26 أكتوبر (تشرين الأول) 2024، حضره أشخاص مقربون من رضا بهلوي، وناشطون ملكيون، دعا “حجت كلاشي”، أحد الداعمين البارزين لبهلوي، صراحةً إلى تغيير التركيبة السكانية في بلوشستان من خلال بناء مدن موانٍ كبرى يسكنها 10-20 مليون نسمة، ونقل سكان فارسيين إلى الساحل البلوشي، معتبرًا ذلك “فرصة اقتصادية” للملكيين. كما وصف المؤسسات الدينية البلوشية، مثل مسجد مكي والعلماء المحليين، بأنها “تحديات أمنية”، واقترح السيطرة عليها، مدعيًا وجود أسلحة لدى العرب والبلوش، وأن إنشاء مدن ذات أغلبية فارسية هو الحل.
هذه التصريحات تذكر بسياسات الجمهورية الإسلامية الطويلة الأمد لتغيير الديموغرافيا في المناطق الحدودية، من خلال نقل السكان والمشروعات الاقتصادية. يعارض البلوش هذه السياسات بشدة، معتبرين إياها تهديدًا لهويتهم وثقافتهم، ويؤكدون أن أي تغييرات مفروضة دون احترام حقوقهم ستواجه مقاومة، خاصة مع ارتفاع مستويات النشاط الثوري في بلوشستان وكردستان خلال العامين الماضيين.
بدأت محاولات الهندسة السكانية في إيران مع تشكيل الدولة الحديثة تحت رضا شاه في العشرينيات، الذي سعى إلى توحيد البلاد من خلال سياسات التمركز الفارسي، مما أدى إلى قمع الأقليات العرقية، مثل البلوش، والكرد، والعرب. وفي بلوشستان، قسمت الحدود الاستعمارية البريطانية- الروسية في القرن التاسع عشر الأرض البلوشية بين إيران وباكستان وأفغانستان؛ مما جعل البلوش أقلية في كل دولة.
تحت محمد رضا شاه، شهدت المنطقة مشروعات تنموية محدودة، لكنها كانت مصحوبة بقمع ثقافي، مثل منع اللغة البلوشية في المدارس، وتعزيز الهجرة الفارسية للسيطرة على الموارد. ومع قيام الجمهورية الإسلامية في 1979، تحولت السياسات إلى مزيج من القمع الأمني والتنمية الاقتصادية الموجهة لتغيير الديموغرافيا. اعتبرت الجمهورية البلوش -لأنهم سنة- تهديدًا أيديولوجيًّا، خاصة مع دعمهم للمعارضة السنية. أدت هذه السياسات إلى ارتفاع معدلات الفقر والتهميش، حيث أصبحت سيستان وبلوشستان أفقر محافظة في إيران، مع معدلات بطالة تصل إلى 50% في بعض المناطق.
كما شهدت المنطقة موجات من الاعتقالات والإعدامات، مما دفع البلوش إلى تشكيل حركات مقاومة، مثل جيش العدل (تصنفه طهران منظمةً إرهابية). ومن الناحية الديموغرافية، انخفضت نسبة البلوش في المنطقة تدريجيًا بسبب الهجرة الداخلية واللجوء الأفغاني، لكن السياسات الرسمية أسهمت في ذلك. على سبيل المثال، في الثمانينيات، شجعت الحكومة نقل العمال الفارسيين إلى المناطق الحدودية تحت غطاء المشروعات الزراعية، مما غير التوازن العرقي في مدن مثل زاهدان. هذه الخلفية تُظهر كيف أصبحت هندسة السكان أداة لتعزيز السيطرة المركزية، وكيف يستمر هذا النهج تحت أشكال مختلفة.
تعتمد الجمهورية الإسلامية على إستراتيجية مزدوجة تجمع بين القمع الأمني والتنمية الاقتصادية لتغيير التركيبة السكانية في بلوشستان. أبرز مثال هو “خطة تطوير سواحل مكران”، التي أعلنتها الحكومة في 2014، وتهدف إلى بناء موانٍ ومدن صناعية على الساحل البلوشي، مع نقل ملايين السكان الفارسيين إلى المنطقة. ويُقال إن الخطة تشمل توطين 5-10 ملايين شخص من مناطق أخرى، مما سيحول البلوش إلى أقلية في أرضهم التاريخية. يبرر النظام ذلك بـ”الفرص الاقتصادية”، لكن النقاد يرونه محاولة للهندسة السكانية، خاصة مع الاستثمارات الصينية في المواني، التي تتطلب سيطرة أمنية أكبر.
تشمل السياسات أيضًا هدم المنازل البلوشية ومصادرة الأراضي، كما حدث في فبراير (شباط) 2025 في تشابهار، حيث دمرت القوات العسكرية منازل دون إشعار قضائي، لصالح المشروع. وهذا يعكس نمطًا أوسع من التهميش، حيث يُحرم البلوش من الوثائق الرسمية، مما يمنعهم من الوصول إلى الخدمات، ويشجع على هجرتهم. كما أدت السياسات الدينية إلى قمع المساجد البلوشية، مثل مسجد مكي، الذي يُعد مركزًا للمقاومة الثقافية. وفي كردستان، تتبع الجمهورية سياسات مشابهة، مثل نقل السكان الفارسيين إلى المناطق الكردية، مما يزيد التوترات. هذه السياسات أدت إلى ارتفاع النشاط الثوري، مع مظاهرات واسعة في 2022-2023، حيث قتل عشرات في زاهدان في “الجمعة الدامية”.
رغم سقوط الملكية في 1979، يظل الملكيون، خاصة الداعمون لرضا بهلوي، يدعون إلى عودة النظام الملكي كحل لمشكلات إيران. ومع ذلك، تكشف تصريحاتهم عن استمرارية في سياسات الهندسة السكانية. في الاجتماع المذكور، دعا “كلاشي” إلى بناء مدن موانٍ كبرى، ونقل فارسيين إلى بلوشستان، معتبرًا المؤسسات البلوشية “تحديات أمنية”، وهذا يعكس رؤية ملكية ترى في التمركز الفارسي حلًا “للمشكلات الحدودية”، مشابهًا لسياسات الشاه. مصادر تشير إلى أن الملكيين في الشتات يدعمون تدخلات خارجية لإعادة بهلوي، لكنهم يتجاهلون مطالب الأقليات.
في مقابلة، أعرب بهلوي عن دعمه للديمقراطية، لكن دون تفاصيل حول حقوق البلوش. النقاد يرون أن الملكيين لا يمثلون “إيران متعددة القوميات”، بل يستمرون في السياسات القمعية. وهذا الانتقال بين الملكية والجمهورية -وإن حدث العكس- يُظهر استمرارية في استخدام الديموغرافيا كأداة سياسية. وتعارض البلوش هذه السياسات بشدة، معتبرين إياها جزءًا من “الإبادة الجماعية”. في 2023، أدت خطط التوطين إلى احتجاجات واسعة، مع مطالب بوقف التغييرات الديموغرافية. ويعزز التهميش الثقافي، مثل قمع اللغة البلوشية المقاومة، حيث يحافظ البلوش على هويتهم رغم العزلة، ولكن الآثار السياسية لهذه الممارسات تشمل زيادة الفقر والنزاعات، مع تهديد للاستقرار الإقليمي.
وأخيرًا، تُظهر ظاهرة هندسة السكان في بلوشستان الإيرانية استمرارًا في السياسات الرسمية من خلال عقود طويلة، من عهد البهلويين إلى الجمهورية الإسلامية، وصولًا إلى التصريحات الأخيرة لداعمي الملكية المعاصرين. سواء تحت شعار “التنمية الاقتصادية” في خطة سواحل مكران، أو تحت دعوات “حجت كلاشي” لبناء مدن موانٍ عملاقة تسكنها عشرات الملايين من الفارسيين الناطقين بالفارسية، فإن الهدف الجوهري واحد: تحويل البلوش من أغلبية طبيعية في أرضهم التاريخية إلى أقلية مهمشة، مع تقليص نفوذهم الثقافي والديني والسياسي. هذه السياسات، التي تتخذ غطاءً اقتصاديًّا، تكشف في الحقيقة عن رؤية مركزية فارسية-شيعية ترى في الأقليات العرقية والدينية تهديدًا أمنيًّا يجب احتواؤه بالقوة الناعمة أو الخشنة.
إن مقاومة البلوش المتواصلة، سواء عبر الاحتجاجات السلمية في زاهدان، أو العمليات المسلحة لجيش العدل، تعكس رفضًا عميقًا لهذا المشروع الداخلي. كما أن ارتفاع مستوى النشاط الثوري في بلوشستان وكردستان خلال السنوات الأخيرة يؤكد أن فرض تغييرات ديموغرافية قسرية لن يؤدي إلى الاستقرار، بل إلى تصعيد التوترات، وتعميق الانقسامات الوطنية؛ ففي غياب احترام حقيقي لحقوق الأقليات في اللغة والتعليم والإدارة المحلية والمشاركة السياسية، ستظل هذه المناطق بؤرًا للاضطراب.
لذا فإن أي انتقال سياسي مستقبلي في إيران، سواء نحو إصلاح النظام الحالي، أو عودة الملكية، أو نظام ديمقراطي جديد، لن ينجح إلا إذا تخلى عن سياسات الهندسة السكانية، واعترف بإيران دولةً متعددةَ القوميات، فالسلام الحقيقي يتطلب عدالة تاريخية، لا تهجيرًا مقنعًا، وإلا فإن بلوشستان ستظل نموذجًا لفشل الدولة المركزية في احتواء تنوعها، ودليلًا على أن القمع الديموغرافي يولد فوضى لا تنتهي.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير