
في الثالث من مارس (آذار)، تعرضت السفارة الأمريكية في الرياض بالمملكة العربية السعودية لهجوم بطائرة مسيرة، لم تنطلق من إيران؛ بل من العراق. وسابقًا، أعلنت ميليشيات عراقية موالية لإيران مسؤوليتها عن 16 عملية باستخدام طائرات مسيرة عسكرية استهدفت أهدافًا معادية داخل العراق وخارجه. تتبنى هذه الميليشيات العراقية مواقف متشددة ضد حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
تقف الميليشيات العراقية إلى جانب حليفتها إيران في أعقاب الهجوم غير المبرر الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير (شباط) على إيران، والذي أسفر عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، بالإضافة إلى عدد من كبار المسؤولين الإيرانيين الآخرين.
في 3 فبراير (شباط)، استُهدفت القنصلية الأمريكية العامة، وقاعدة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في مطار أربيل الدولي شمال العراق بعدة طائرات مسيرة. وقد اعترضتها أنظمة الدفاع الجوي التي تشغلها الولايات المتحدة؛ مما أدى إلى سماع دوي انفجارات قوية في المنطقة. ولم ترد أنباء عن وقوع إصابات بين قوات التحالف الأمريكي المتمركزة هناك. وتواجه أربيل تهديدات شبه مستمرة بالطائرات المسيرة والصواريخ من جانب الميليشيات الشيعية العراقية منذ بداية الحرب.
قبل الحرب، كانت الميليشيات في نقاشات لنزع سلاحها، ومع ذلك، صرحت بأنها لن تسلم أسلحتها إلا بعد تحقيق العراق لسيادته الكاملة، بما في ذلك انسحاب القوات الأجنبية من البلاد. إن الميليشيات الموالية لإيران تجر العراق إلى حرب إقليمية، مما يعقد خطط واشنطن، ومن المشكوك فيه ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على شن حرب على جبهتين في وقت واحد.
يتساءل بعض المحللين عما إذا كانت واشنطن قد أخطأت في تقدير عواقب مهاجمة إيران واغتيال المرشد الأعلى، الذي يحظى بمكانة مقدسة لدى الشيعة عالميًّا، وليس في إيران فحسب. يسكن العراق أغلبية من المسلمين الشيعة، إلى جانب أقلية سنية، وقد أقامت الميليشيات بالفعل جنازات لأعضائها الذين قُتلوا في 2 مارس (آذار) بعد استهدافهم على الحدود السورية.
فيما يتعلق بالحكومة العراقية في بغداد، يمثل هذا اختبارًا للسيادة والاستقرار؛ فبغداد لا تريد أن تكون ساحة معركة مفتوحة، ولا تريد الانزلاق إلى حرب أهلية في أثناء محاولتها نزع سلاح الميليشيات. يمتلك العراق حدودًا طويلة جدًّا مع إيران، ويستضيف عسكريين أمريكيين، ولديه شعب يمتلك تعاطفًا قويًّا مع إيران. كما أن العراق منتج رئيس للنفط، وممر ترانزيت في المنطقة؛ مما يسلط الضوء على التأثير الاقتصادي المحتمل الذي يواجهه العراق من هذه الحرب.
حاليًّا، يمتلك العراق كثيرًا من الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران. وتعد قوات الحشد الشعبي منظمة مظلة معتمدة من الدولة، وتخضع رسميًّا لرئيس الوزراء العراقي. ومع ذلك، فإن هذه الجماعات تأتمر بأمر الحرس الثوري الإسلامي الإيراني. تتنوع هذه المجموعات، حيث يعمل بعضها كقوة سياسية وشبه عسكرية كبرى، ويشن كثير منها هجمات متكررة ضد المصالح الأمريكية. كما يشغل بعض أعضائها مناصب في الحكومة العراقية والأجهزة الأمنية.
في الأول من مارس (آذار)، تحدث الرئيس الأمريكي ترامب هاتفيًّا مع القادة الأكراد في العراق سعيًا إلى حشد مساعدتهم في الحرب على إيران. يمتلك أكراد العراق علاقات وثيقة مع الأقلية الكردية في إيران، ولديهم آلاف الجنود المسلحين على طول الحدود الإيرانية العراقية، ويمكن أن تؤدي أعدادهم وأسلحتهم ومواقعهم دورًا رئيسًا مع استمرار الحرب.
في 3 مارس (آذار)، استهدفت طائرات مسيرة إيرانية مخيمًا في أربيل معروفًا بإيواء أعضاء من الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (KDPI) وعائلاتهم، مما أدى إلى إصابة عضو واحد على الأقل. كما ضُرب مستودع للأسلحة والذخيرة؛ مما أدى إلى وقوع انفجارات. وفي الأول من مارس (آذار)، أصدر الحرس الثوري الإيراني تحذيرًا للانفصاليين الأكراد بأن التعبئة ستؤدي إلى تدميرهم بالكامل. تعرضت جماعات المعارضة الكردية لهجوم في السليمانية وأربيل، مع اعتراض معظم الطائرات المسيرة والصواريخ قبل وصولها. وفي 28 مارس (آذار)، أعلن حزب حرية كردستان (PAK) أن قواته اشتبكت مع الحرس الثوري الإيراني في محافظة كرمانشاه بغرب إيران.
في 22 فبراير (شباط)، أعلنت خمس مجموعات معارضة إيرانية كردية تحالفها، وتعهدت بإسقاط الجمهورية الإسلامية، وإقامة كيان كردي. تتمركز هذه الأحزاب المعارضة الكردية الإيرانية على نحو أساسي في شمال العراق، وكانت مصدرًا للقلق الأمني لحكومة إقليم كردستان في العراق. وفي عام 2023، وقع العراق وإيران اتفاقية أمنية تعهدت بموجبها بغداد بنزع سلاح هذه الجماعات ونقلها من المناطق الحدودية، بناءً على تحذيرات متكررة من طهران.
تسلح وكالة المخابرات المركزية (CIA) القوات الكردية في العراق، سواء العراقية أو الإيرانية الكردية؛ سعيًا إلى دعم انتفاضة شعبية في إيران. ويتساءل بعض المحللين عما إذا كانت أقلية، مثل الأكراد، قادرة على إحداث تغيير في النظام في بلد كبير جدًّا مثل إيران. وقد تواجه إدارة ترمب رد فعل عنيفًا من تركيا، الحليفة للولايات المتحدة، التي تستضيف قاعدة جوية أمريكية؛ لأن تركيا ترى في الانفصال الكردي وتطلعات الوطن تهديدًا أمنيًّا لها؛ نظرًا إلى وجود مجتمع كردي كبير فيها.
يواصل الحرس الثوري الإيراني ضرب الجماعات الكردية، وصرح يوم الثلاثاء الماضي أنه استهدف القوات الكردية بعشرات الطائرات المسيرة. وفي 3 مارس (آذار)، تحدث ترمب إلى رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، مصطفى هجري. ومن المتوقع أن تشارك قوات المعارضة الكردية الإيرانية في عملية برية في غرب إيران، وتتوقع الميليشيات دعمًا أمريكيًّا وإسرائيليًّا.
في الأول من مارس (آذار)، اتصل ترمب بالقادة الأكراد العراقيين لمناقشة العملية العسكرية الأمريكية في إيران، وكيفية العمل معًا من أجل تغيير النظام. تكمن الخطة في استخدام كردستان العراق منطلقًا وطريقًا لترانزيت الأسلحة للجماعات الكردية الإيرانية. يحذر الخبراء في الشأن الإيراني من أن الشعب الإيراني غير مسلح إلى حد كبير، وأن سيناريو تغيير النظام سيكون مستحيلًا ما لم تنهر الأجهزة الأمنية.
إن احتمال محاربة جماعات مسلحة كردية إيران انطلاقًا من العراق يقوض السيادة العراقية. ومؤخرًا، كانت إسرائيل تضرب أهدافًا إيرانية على طول الحدود العراقية بهدف مساعدة القوات الكردية على الاشتباك مع الجيش والشرطة الإيرانية.
يعد الأكراد مجموعة عرقية أقلية بدون دولة رسمية. اليوم، يوجد ما يقدر بنحو 25-30 مليون كردي، يعيش معظمهم في منطقة تمتد عبر أجزاء من تركيا والعراق وإيران وسوريا وأرمينيا. معظم الأكراد مسلمون سنة، لكن المجتمع الكردي يمتلك تقاليد ثقافية واجتماعية ودينية وسياسية متنوعة، بالإضافة إلى مجموعة متنوعة من اللهجات.
تمتلك وكالة المخابرات المركزية تاريخًا طويلًا من العمل مع الفصائل الكردية العراقية. ولدى الوكالة حاليًا مركزًا في كردستان العراق يقع بالقرب من الحدود مع إيران. تمتلك الولايات المتحدة قنصلية في أربيل، عاصمة كردستان العراق، وتتمركز هناك قوات أمريكية وقوات التحالف. كان الأكراد يأملون أنه مقابل العمل مع القوات الأمريكية، سينال إقليم كردستان العراق المتمتع بالحكم الذاتي استقلاله، لكن ذلك لم يحدث ذلك.
في وقت سابق من هذا العام، شنت الحكومة السورية الجديدة المتحالفة مع الولايات المتحدة حملة عسكرية سريعة لتعزيز السيطرة، وطردت قوات سوريا الديمقراطية (SDF) الكردية. في 23 فبراير (شباط)، بدأت الولايات المتحدة بالانسحاب من شمال شرق سوريا، وإعادة نشر قواتها في أربيل بشمال العراق. أُخليت أكبر قاعدة أمريكية في سوريا، حيث نُقل جميع الجنود والمعدات إلى إقليم كردستان العراق. وكانت القوات الأمريكية قد انسحبت بالفعل من قاعدتين أخريين في سوريا؛ التنف في الجنوب الشرقي، والشدادي في الشمال الشرقي. خفضت الولايات المتحدة عدد عسكرييها في سوريا شهورًا، من 1500 فرد في يوليو إلى نحو 900 قبل المغادرة نهائيًّا. كانت قوات سوريا الديمقراطية حليف واشنطن الرئيس في سوريا في القتال ضد تنظيم داعش، لكن بعد أن بنى ترمب علاقات أمريكية مع الرئيس السوري أحمد الشرع، هُمشت قوات سوريا الديمقراطية.
تأسس إقليم كردستان العراق بوصفه كيانًا ذا حكم ذاتي في عام 1992، في أعقاب حرب الخليج الأمريكية على العراق عام 1991. في أوائل عام 2020، صوّت البرلمان العراقي على طرد جميع القوات الأمريكية المتبقية. وفي يناير (كانون الثاني) 2020، شنت إيران هجومًا بصواريخ باليستية على القوات الأمريكية في قاعدة الأسد بالعراق ردًا على غارة بطائرة مسيرة في مطار بغداد قتلت اللواء قاسم سليماني.
في يناير (كانون الثاني) 2026، أعلنت وزارة الدفاع العراقية أن الجيش العراقي سيطر بالكامل على قاعدة الأسد الجوية. وفي 19 يناير (كانون الثاني)، قالت الحكومة العراقية إن القوات الأمريكية أكملت انسحابًا كاملًا من المنشآت العسكرية داخل الأراضي الاتحادية للبلاد، وهو ما يستثني إقليم كردستان، حيث لا تزال القوات الأمريكية باقية. لا تسيطر الحكومة المركزية في بغداد سيطرة كاملة على الإقليم الكردي الذي يمتلك حكومته، وبرلمانه، وقواته الأمنية الخاصة.
ربما لم يولِ المخططون العسكريون اهتمامًا كافيًا لأهمية العراق في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. إن الاختيار بين مساعدة الولايات المتحدة في مهاجمة إيران، أو مساعدة إيران في دفاعها عن النفس، هو خيار صعب للكثيرين في العراق.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير