
جاء إلغاء الجولة الثانية من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في إسلام آباد، والتي كان يفترض أن تعقد اليوم الأربعاء، 22 إبريل (نيسان) 2026، كنتيجة منطقية لمسار مليء بالتناقضات.
تناقضات أمريكية، أو للدقة، ترمبية في المقام الأول. فالمحادثات المفترضة، والتي كان يعول عليها أن تعيد إطلاق المسار السياسي، سقطت مغشيا عليها قبل أن تبدأ، بعد أن أعلنت طهران رفضها المشاركة فيها بشكل نهائي، وأذاعت ذلك وكالة “تسنيم” الرسمية. وبناء عليه ألغى جي دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، رحلته المقررة إلى العاصمة الباكستانية.
إذن، نحن بصدد الحديث عن أزمة هي ليست أزمة تفاوض، فالطرفان في الظاهر يعلنان أنهما يريدان إنهاء النزاع، وإنما هي أزمة قرار كاملة الأركان، وأزمة قرار أمريكي بالأساس. فتناقضات كلام وفعل الرئيس الأمريكي أصبحنا حتى في غنى عن ذكرها في المقالات، فالعالم كله شاهد عليها في كل لحظة.
في الوقت نفسه تقول لنا شواهد الواقع الموضوعي إن كلا الطرفين عالق في معادلة حسابات داخلية بالغة التعقيد، بمعنى أن أي خطوة نحو التهدئة يقدمها هذا الطرف أو ذلك تحسب عليه داخليا على الفور، فيتم تفسيرها كهزيمة. وأي تصعيد إضافي من جانب أي طرف منهما سيحمل له مخاطر لم يعد في استطاعته السيطرة عليها أو التحكم في تطوراتها المحتملة.
وهذه الحالة يا سادة تسميها أدبيات العلاقات الدولية “المصيدة التفاوضية الكلاسيكية”، غير أنها في الحالة التي نحن بصددها، وهي حالة الحرب الإيرانية، تحمل طابعا، أقصد المصيدة، أكثر خطورة.
وإذا سألتموني لماذا؟ فجوابي هو: لأن كل أطرافها، بلا استثناء، الظاهرة والخفية، لا تملك رفاهية المناورة الطويلة.
ترمب يتحرك وفق منطقه العجيب، شديد القسوة في المطالب، دون أن تكون أدواته فاعلة على النحو الذي يرجوه. فهو يمارس الضغط العسكري والحصار البحري كشرط للتفاوض، ولا يعتبر، ويا للعجب، أن هذا الذي يفعله هو العائق الرئيسي أمام التفاوض، الذي، أي التفاوض، ويا للعجب مرة ثانية، هو أكثر من يحتاج إليه في اللحظة الراهنة بكل خلفياتها.
تطالب واشنطن طهران بحزمة من الشروط القاسية، على رأسها تفكيك البرنامج النووي الإيراني بالكامل، واستعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز كما كان الحال قبل الحرب، وتقييد البرنامج الصاروخي لطهران، ووقف الدعم الإيراني لقوى “البروكسي” الحليفة في الإقليم.
إن لم تفعل إيران ذلك، فيهددها ترمب باستئناف الضربات الجوية المدمرة فورا، ويعتبر أن هذا التهديد بالقصف، الذي سوف يمسح الحضارة الفارسية من صفحة تاريخ البشر، هو النهج الصحيح للتفاوض.
إذن هذه هي مقاربة الرئيس ترمب، وهي مقاربة لا يمكن فهمها إلا على أنها استسلام كامل يجب أن تقدمه طهران. لكن مهلا، فإيران لم تنسحق في الحرب تماما، على الأقل حتى الآن ونحن في اليوم الـ52 لها، بينما وعد ترمب العالم لحظة إعلانه الحرب إن نظام الملالي لن يأخذ في يده “غلوة”، وما هي إلا أربعة أيام أو أسبوع وستفتح له طهران مدائن “فارس” المعاصرة.
لكن الرد الإيراني على هذه المقاربة الترمبية كان الرفض القاطع للمشاركة في المفاوضات، وأعلنت وكالة تسنيم القرار، بينما قالت وكالة إيرنا إن الحصار الأمريكي هو الذي خرق الهدنة، وعليه فلا توجد أرضية الآن لأي حوار جدي.
والحق يقال، هذا موقف سليم عقليا وسياسيا، وإلا فإنه بعد كل ما تحملته طهران من قتل للقيادات السياسية والعسكرية، وتدمير لكل ما هو فوق الأرض من المنشآت والبنية التحتية، ولم تسقط السلطة ولم تتفكك الدولة، يصبح القبول الإيراني بشروط ترمب ضربا من قصر النظر السياسي والاستراتيجي، فالوقت في هذا السياق، بعد مرور 52 يوما من العدوان، يلعب بلا شك لصالح طهران.
وتقول لنا لقاءات مجالس خبراء منظمة أوبك في فيينا هذه الأيام إن العالم مقبل على أزمة ثقيلة، وتقارير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي فيما يتعلق بتوقعات النمو العالمي، وتخفيضها، وإن بنسبة 0.02%، وهي نسبة غير واقعية وأقل كثيرا من الرقم الموضوعي، حسبما يقول لنا الخبراء الوازنون، ولكن هذه هي مبادئ ومعايير منظومة بريتون وودز. وإلا فالأزمة قادمة.. قادمة. ومن هنا فالوقت يلعب في صالح طهران، وإن كان فيه خسارة للجميع في المحصلة.
رئيس البرلمان الإيراني، الذي يقود التفاوض عن الجانب الإيراني، صرح مستنكرا بأنه لا يمكن التفاوض عبر شروط لا يمكن أن تفهم في طهران إلا أنها استسلام كامل، وقاليباف هذا مصنف من جانب الأمريكيين والإعلام الغربي، هو وعراقجي، أنهما فريق المعتدلين الإيرانيين في مواجهة ممثلي الحرس الثوري المتشددين.
وفي هذا السياق، نستطيع الإشارة إلى الصورة المعقدة في المشهد الإيراني وفق ما تخبرنا به تقارير أكسيوس الأمريكي، والتي تفيدنا بأن خلف هذا الموقف الإيراني الصلب لم تغلق القيادة الإيرانية الباب بالكامل، وأن التأجيل قد يكون نتيجة صراع داخلي بين تيار براغماتي يميل إلى التفاوض والحرس الثوري الذي يرفض أي حوار في ظل استمرار الحصار، والعهدة على أكسيوس فهو الراوي.
وهذه الانقسامات، إن صحت طبعا، وهذا أمر طبيعي في وضع كوضع إيران، فإنها، أي الانقسامات المفترضة، لا تعني بأي حال ضعفا إيرانيا أو في موقف طهران، وإنما هي مرآة تعكس طبيعة نظام يحاول التوازن بين الحفاظ على الهيبة، وفي الوقت نفسه الحرص على عدم الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع أقوى جيش في العصر الحديث يديره شخص متشبع برغبات التدمير والانتقام.
ومن الجدير بالذكر، بعد إشارتنا إلى وفد التفاوض الإيراني وتركيبته، أن نتحدث بكلمات للموضوعية عن فريق التفاوض الأمريكي، فهو فريق يعاني أعضاؤه، وفق كل التقييمات العلمية الموضوعية له ولكفاءته، من نقص واضح في الخبرة الدبلوماسية والفنية والتقنية، خصوصا في ملفات مثل الملف النووي.
في الوقت نفسه، ومن واقع ما نراه، تتوزع مراكز القرار في المشهد الأمريكي بين البيت الأبيض والبنتاغون ومستشارين ذوي أجندات متباينة، وآخر من يتحدث من كل هذه الجهات مع ترمب، يكون القرار التالي من الرئيس الأمريكي متماهيا مع موقفه.
وبالتالي فإن هذا التعدد في أصحاب المصلحة داخل مراكز القرار الأمريكي لا ينتج أي مرونة، كما يفترض من التنوع، وإنما في الحالة الأمريكية يؤدي إلى فوضى كما نتابع جميعا في تحديد الأهداف.
وفي ضوء كل هذا الكلام، يأتينا تطور جديد يعمق الانكشاف الأمريكي، حيث تكشف لنا تقارير استخباراتية أمريكية، نقلتها “إن بي سي نيوز” اليوم، 22 إبريل (نيسان) 2026، مستندة فيها إلى تقييم لوكالة “Defense Intelligence Agency”، بأن إيران ما زالت تمتلك قدرات عسكرية كبيرة تشمل آلاف الصواريخ والطائرات المسيرة، إضافة إلى منظومات دفاع ساحلي لم يتم تدميرها.
إن هذا التقييم الأمريكي، من الاستخبارات الأمريكية نفسها، يتناقض مباشرة مع تصريحات ترمب ووزير حربه هيغست اللذين صدعا رؤوسنا لأكثر من 15 مرة (أحصيت هذا العدد ثم توقفت بعدها بسبب الملل من كذب الاثنين) بتحييد القدرات الإيرانية، وخصوصا الصاروخية، بنسبة 95%.
ميزان الردع الإيراني لم يكسر، والروايات الترمبية والهيغستية كاذبة فيما حاولت تصويره للمجتمع الأمريكي وللعالم. دعك مما تقوله التقارير الاستخبارية الروسية والصينية، فلو أشرنا إليها لقالوا إنها مغرضة وبروباغندا.
والأهم في هذا الكلام بالنسبة لي ليس إذا ما كان ترمب وهيغست كاذبين أم لا، فأنا أقول وأكرر وأؤكد منذ عام 2016 إني لا أصدق ترمب (ولو حلفتولي على الميه تجمد)، لكن المهم في هذا السياق بالنسبة لي كمراقب هو أن هذه القدرات الإيرانية، وبموجب التقارير الأمريكية، ما زالت كافية، بل أكثر من كافية، لتهديد الملاحة في مضيق هرمز. ومن هنا الثقة الإيرانية في الموقف ورفض الذهاب إلى إسلام آباد قبل أن يستجيب ترمب لبنود خطة مجتبى الـ10 للتسوية.
وحوادث الاستهداف الأخيرة، بما فيها التي وقعت اليوم للسفن قرب السواحل العمانية وفق بيانات (UK Maritime Trade Operations) وغيرها، هي الدليل الصارخ على نجاح استراتيجية الحرس الثوري.
وهذا كله يعيد الموضوع إلى الوراء، يعيد الأزمة إلى جوهرها الحقيقي، وهو، في رأيي الشخصي طبعا، ليس من يسيطر على هرمز في اللحظة الراهنة كممر ملاحي، ولكن من يستطيع تحمل تكلفة عدم السيطرة عليه.
وما أرمي إليه في هذا الكلام بشأن المضيق، هو أن هرمز يتحول بكل ما للكلمة من معنى من مجرد ممر مائي إلى مرآة لعجز وقصور النظام الدولي. فلا الولايات المتحدة بجبروتها وكل قوتها الهائلة قادرة على تأمينه بالكامل، ولا إيران بكل مميزات موقعها الجغرافي وما حبتها به الطبيعة من تضاريس مشرفة عليه قادرة هي الأخرى على إغلاقه بشكل نهائي.
والنتيجة أننا أمام حالة من اللاسيطرة، وهي حالة أخطر في طبيعتها إذا تعمقنا فيما تسببه أو قد تسببه، أقول أخطر من السيطرة الجزئية أو حتى الصراع المباشر، وذلك أنها تخلق حالة دائمة من عدم اليقين.
وهذا الاضطراب انعكس مباشرة على الأسواق، وعلى بنية النظام المالي العالمي، وهو ما ألمحت إليه أعلاه بالحديث عن اجتماعات فيينا لمنظمة أوبك وتحسبها لأزمة نفطية، لا تقل عن أزمة 1973-1975 عندما قفز سعر برميل النفط الخليجي المصدر إلى أوروبا وأمريكا واليابان من 3 أو 4 دولارات للبرميل إلى 15 دولارا للبرميل في لمح البصر، وما تسبب فيه ذلك من حالة ركود اقتصادي عانت منها اليابان أكثر من غيرها، حسب ما اطلعت عليه من تقارير من أجل المقارنة بين الأزمتين.
وأزمة النفط العالمية للعام 2026 قادمة لا محالة، وفقا لما تشير إليه اجتماعات فيينا للخبراء، كما ذكرت، والسؤال الآن إلى أي مستويات قد ترتفع الأسعار، وهذا بعد استعادة مسارات وسلاسل الإمداد، إن عادت، وهذه المرة ستكون الصين والهند واقتصاداتهما في رأس قائمة المتضررين.
ومع ذلك، ودون الخوض في التفاصيل الاقتصادية التي ستؤدي إليها الأزمة التي نحن بصددها، فهذا ليس مجالها الآن، إلا أن التحول الأعمق في هذه الأزمة يتعلق بمركز القرار نفسه وليس بمسألة الطاقة والاقتصاد. وما أقصده، من وجهة نظر تخصصي العلمي بالطبع، هو أن الولايات المتحدة، القوة المهيمنة بانفراد شبه تام في النظام العالمي والشؤون الدولية على مدار 40 عاما تقريبا، تجد نفسها الآن غير قادرة على فرض مسار واضح للأزمة، وهي أزمة دولية بامتياز من واقع تبعاتها التي أشرنا إليها.
والصين، حتى لحظة كتابة هذه السطور، لا تبدي استعجالا في السعي لملء الفراغ. وروسيا لديها ما لديها، وتفضل في اللحظة الدولية الراهنة إدارة التوازنات بدلا من السعي للسيطرة عليها، فما باليد حيلة.
والنتيجة أننا أمام نظام دولي عاجز، بلا مركز فعلي، تتحرك فيه كل هذه القوى وفق حسابات خاصة متقاطعة، لكن دون قدرة أي منها على حسم شيء بشكل تام.
وهنا نقول إن مفاوضات إسلام آباد، التي كان يفترض أن تجري في هذه الدقائق، والتي لم تعقد أصلا، باتت رمزا صارخا لهذه المرحلة في النظام الدولي. فنحن أمام مفاوضات يعلن عنها ويثار حولها هذا الجدل والنقاش والتناول المكثف في الإعلام الدولي والمحلي، ثم لا تحدث.
وهدنة يعلن ترمب تمديدها من طرف واحد، وكأن الإيرانيين هم من طلبوها، فيخرج الإيرانيون ويقولون لنا: لم نطلبها ولسنا في حاجة إليها، وبالتالي لا نعترف بها. يمارس ترمب الضغوط ولا تحقق له أي أهداف.
فما هذا إلا واقع يقول لنا إن الطرفين يديران هذه الأزمة ليس لأجل حلها، فكل منهما يحاول فرض سيطرته عليها، لكن المشكلة أن هذه السيطرة إن تمت لأحدهما سوف تكون مؤقتة بطبيعتها.
نعم، الطرفان يريدان الخروج من الصراع، لكنهما غير قادرين على دفع ثمن هذا الخروج. ترمب لا يستطيع التراجع دون خسارة سياسية داخلية مؤلمة، ومجتبى والحرس الثوري لا يستطيعان تقديم تنازلات دون كسر صورتهما كقوة مقاومة.
وبين هذين القيدين سوف يستمر الصراع، ونستمر نحن معه في الدوران، ولا نعرف متى وكيف ستأتي نقطة الحسم.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير