
رفعت كوبا من جديد “قفاز التحدي” في وجه السياسات الأمريكية في منطقتي الكاريبي وأمريكا اللاتينية عندما رفضت كل الضغوط التي يمارسها البيت الأبيض بهدف إسقاط نظام الحكم في هافانا، وهي الخطة التي يطلق عليها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو -ذو الأصول الكوبية- “السقوط التلقائي”.
فعندما اعتقلت القوات الأمريكية الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته في 3 يناير (كانون الثاني) الماضي في العملية التي أطلق عليها الرئيس دونالد ترمب “الحسم المطلق”، لم تفقد كوبا حينذاك مجرد “حليف سياسي” أو “داعم اقتصادي”، لكنها خسرت “عمقًا إستراتيجيًّا”، حيث شكلت كاراكاس منذ وصول الرئيس الفنزويلي السابق هوغو تشافيز في 2 فبراير (شباط) 1999 إلى الحكم، شكلت الحاضنة السياسية والاقتصادية “لهافانا”، وأسهمت كل من فنزويلا وكوبا في تعزيز الجبهة اللاتينية والكاريبية الرافضة للهيمنة الأمريكية على نصف الكرة الغربي.
وتراهن الولايات المتحدة على “السقوط التلقائي” للحكم في كوبا بعد أن توقف نحو 100 ألف برميل من النفط الفنزويلي كان يدعم اقتصاد كوبا قبل خطف الرئيس مادورو، وتواجه أي دولة أو شركة تدعم الشعب الكوبي في الوقت الحالي بقانون “التجارة مع العدو” الذي صدر عام 1917 لأول مرة، وأعاد الرئيس جون كينيدي تفعيله على كوبا منذ عام 1963.
لكن على الجانب الآخر في الكاريبي وأمريكا اللاتينية ينظرون إلى “كوبا” بوصفها “النموذج النقيض” للولايات المتحدة؛ فبينما تقوم السياسات الأمريكية على المصالح فقط دون مراعاة للقانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني، تمثل كوبا، وعلى مدار أكثر من 75 عامًا، تمثل القيم الكاريبية التي ترفض الهيمنة والخنوع والانصياع مهما كانت التكاليف السياسية والاقتصادية. وبينما الولايات المتحدة دولة عملاقة تمتد على أكثر من 9 ملايين كم، تتحداها جزيرة صغيرة وهي كوبا التي لا تزيد مساحتها على 110 آلاف كم، ويسكنها فقط نحو 11 مليون نسمة، وتبعد عن بيت الرئيس الأمريكي في فلوريدا بنحو 90 ميلًا فقط. ورغم كل المحاولات الأمريكية على مدار نحو 8 عقود لإسقاط النظام في هافانا، نجح الشعب الكوبي في تجاوز كل التحديات التي فرضتها عليه خطط وإستراتيجيات المكتب البيضاوي الذي وقف ضد الثورة الكوبية بقيادة فيدل كاسترو، حيث دعمت واشنطن -سنوات طويلة- حكم باتيستا الذي انتهى حكمه على يد الثوار الكوبيين عام 1958 بعد 6 سنوات كاملة من النضال والكفاح. واليوم يتذكر الكوبيون كيف أفشلوا كل الخطط الأمريكية بداية من إفشال “عملية خليج الخنازير” في أبريل (نيسان) 1961، التي كانت تهدف إلى غزو كوبا، وإطلاق ثورة شعبية لإسقاط النظام، مرورًا بـ”عملية النمس” في نوفمبر (تشرين الثاني) 1961، التي تسببت في أزمة نووية بين الاتحاد السوفيتي السابق والولايات المتحدة عام 1962، وصولًا إلى دعم واشنطن للمظاهرات الكوبية عام 2003. وكل ذلك يطرح سلسلة من الأسئلة، أبرزها عن الخيارات التي تملكها كوبا اليوم لمواجهة هذا الحصار غير المسبوق؟ وكيف يمكن أن تساعد دول مثل المكسيك وبوليفيا والبرازيل في “تعزيز صمود” الشعب الكوبي؟ وماذا عن الأدوار التي يمكن أن تضطلع بها موسكو وبكين لمنع سقوط النظام في كوبا، وخسارة أقدم دولة حليفة للصين وروسيا في الكاريبي وأمريكا اللاتينية؟
رافق الجدل والخلاف ليس فقط العلاقات الكوبية الأمريكية، بل كانت كوبا محور خلاف بين السياسيين والرؤساء الأمريكيين على مدار قرنين من الزمان؛ فهناك من طالب بشراء كوبا، أو احتلالها احتلالًا دائمًا، وهناك قليل من الأمريكيين الذين أرادوا احترام كوبا وسيادتها وتطلعات أبنائها في اختيار النموذج السياسي والاقتصادي المناسب لهم. ففي عام 1854 دعا 3 سفراء أمريكيين كانوا يعملون في أوروبا إلى ضرورة “شراء كوبا” من إسبانيا، حيث كانت الولايات المتحدة أكبر مشترٍ للولايات والأراضي في القرن التاسع عشر. ووفق “بيان أوستند” الذي كتبه السفراء الثلاثة في مدينة أوستند البلجيكية، فإن شراء كوبا سوف يعزز مشتريات العبيد من الكاريبي وأمريكا اللاتينية، لكن هذه الخطة كشفتها الصحافة الأمريكية وفشلت في النهاية. وخلال حرب “السنوات العشر”، التي امتدت من 1868 حتى عام 1878، وقفت الولايات المتحدة سرًا بجانب كوبا في أثناء سعي الكوبيين إلى التحرر من الاستعمار الإسباني. وسيطرت الولايات المتحدة على كوبا وبورتوريكو والفلبين وغوانتانامو بعد انتصارها على إسبانيا في الحرب الإسبانية الأمريكية عام 1898، لكن الرئيس ثيودور روزفلت منح كوبا الاستقلال عام 1902 مقابل وضع “تشريع بلات” ضمن الدستور الكوبي، وهو التشريع الذي كان يسمح للولايات المتحدة بالتدخل في الشؤون الكوبية، ويحقق للولايات المتحدة امتيازات دون غيرها في الأراضي والمواني الكوبية. ورغم تحسن العلاقات الكوبية الأمريكية في عهد الرئيس فرانكلين روزفلت عام 1934 بعد إلغاء “قانون بلات”، فإن دعم الولايات المتحدة للانقلاب الذي قاده باتيستا أساء إلى العلاقات مع كوبا حتى نجاح الثورة الكوبية عام 1958.
وسعى فيدل كاسترو إلى تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة، وسافر إلى نيويورك عام 1959 للقاء الرئيس دوايت أيزنهاور، لكن أيزنهاور رفض مقابلته. ومنذ ذلك الوقت تسعى الإدارات الأمريكية المتعاقبة إلى إسقاط الحكم في هافانا، باستثناء فترة الرئيس باراك أوباما الذي زار كوبا عام 2015، وأعاد العلاقات الدبلوماسية مع كوبا، لكن التوتر والصراع عادا من جديد مع تولي دونالد ترمب الحكم في الولايات المتحدة في 20 يناير (كانون الثاني) 2017.
يرى الفريق القريب من الرئيس ترمب أن الفرصة سانحة لإسقاط النظام في كوبا، خصوصًا وزير الخارجية ماركو روبيو، بعد استنزاف الاقتصاد الكوبي الذي خسر أكثر من 310 مليارات دولار منذ عام 1962، وبعد مقتل نحو 32 كوبيًا في 3 يناير (كانون الثاني) الماضي كانوا ضمن فريق الحراسة للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. ورغم صعوبة تكرار السيناريو الفنزويلي في كوبا؛ نظرًا إلى قوة النخبة السياسية وتماسكها، والتفاف الشعب منذ عقود حول النظام، ووعي الشعب الكوبي بخطط واشنطن، فإن الولايات المتحدة تسعى إلى إسقاط النظام السياسي في هافانا بمجموعة من الأدوات، منها:
أولًا- الضغوط الاقتصادية القصوى:
بعد عملية “الحسم المطلق” التي اعتقلت الولايات المتحدة بموجبها الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، أصدر الرئيس دونالد ترمب في 29 يناير (كانون الثاني) الماضي القرار التنفيذي رقم 14380، الذي يفرض رسومًا جمركية خاصة على أي دولة تقوم بالتجارة مع كوبا. وهذا القرار موجه -على نحو رئيس- إلى أنظمة الحكم اليسارية التي يمكن أن تمد يد العون للشعب الكوبي في هذه الظروف الصعبة. وقبل كل ذلك كان قطع توريد النفط الفنزويلي بمنزلة “قطع الشريان الكهربائي”؛ لأن شبكة الكهرباء الكوبية تعتمد اعتمادًا كاملًا على النفط القادم من فنزويلا. والهدف الأمريكي من كل هذا هو دفع الكوبيين إلى الثورة على النظام الكوبي وإسقاطه دون تدخل مباشر من الولايات المتحدة كما حدث من قبل في عمليتي “النمس”، و”خليج الخنازير”، وهو ما يقول إن الولايات المتحدة تمهد لعملية “السقوط التلقائي” من خلال التحول من سياسة “الضغط المحدود” التي كانت قائمة قبل الولاية الثانية لدونالد ترمب إلى “الضغوط القصوى” في الوقت الحالي.
ثانيًا- اليد على الزناد:
يرى البيت الأبيض في بقاء جزء كبير من الحشد العسكري الأمريكي في منطقة الكاريبي بالقرب من كوبا أمرًا ضروريًّا لتنفيذ فلسفة “دبلوماسية القوة” التي ينتهجها منذ 20 يناير (كانون الثاني) 2025، وأن الضغوط الاقتصادية مع الحشد العسكري تجعل الولايات المتحدة في “وضع تفاوضي أقوى” لإزاحة النظام الكوبي، ويشجع المعارضين له على التواصل مع الولايات المتحدة، والقيام بعمليات انتفاضة وتخريب ضد الحكم الحالي في كوبا.
ثالثًا- الحصار:
عمليًّا، تمنع البحرية الأمريكية وصول أي دعم لكوبا من حلفائها في الوقت الحالي، سواء أكانوا الحلفاء في الكاريبي وأمريكا اللاتينية أم حلفاء من خارج النصف الغربي للكرة الأرضية، حتى إن كثيرًا من المنظمات الدولية وصفت الحصار الحالي بأنه مقدمة “لإبادة جماعية”؛ لأنه يمنع وصول الغذاء والدواء إلى ملايين الكوبيين.
رغم كل ما تقوم به الولايات المتحدة حاليًّا ومنذ عقود ضد كوبا، فإن إستراتيجيتها “السقوط التلقائي” تواجه سلسلة من التحديات، منها:
1- أكثر تماسكًا
لا يمكن المقارنة بين النظام السياسي في فنزويلا وكوبا، فالنظام السياسي في كوبا أكثر تماسكًا، والمعارضة هناك ضعيفة جدًّا، عكس الحال في فنزويلا. وهناك أجيال من الكوبيين عاصروا الحصار الأمريكي، ويرفضون الثورة أو الانتفاضة على حكومتهم؛ ولهذا فإن “الباب مغلق” أمام واشنطن للقيام بعملية تشبه عملية “الحسم المطلق” التي وقعت في فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني) الماضي. وإذا كانت واشنطن وجدت البديل في كاراكاس، فكل المؤشرات تقول إنه يستحيل أن تجد بديلًا سياسيًّا عن أركان النظام الحالي في كوبا. كما أن واشنطن لا ترغب ولا تستطيع أن تقوم بعملية عسكرية برية ضد القوات الكوبية، فهذه العملية محكوم عليها بالفشل؛ ولهذا يعمل المكتب البيضاوي وفق سياسة “الضغوط القصوى”، وترهيب حلفاء هافانا حتى يتوقفوا عن تقديم الدعم لها.
2- حلفاء
رغم التحذيرات الأمريكية والحصار، فإن دولًا وشركات في أمريكا اللاتينية والكاريبي تعهدت بمواصلة دعم كوبا رغم كل الضغوط الأمريكية. وهناك دول مثل المكسيك وبوليفيا وكولومبيا أعلنت أن تقديم الدعم لكوبا واجب أخلاقي وإنساني، ولا يمكن ترك الشعب الكوبي بمفرده يواجه هذا الحصار، فضلًا عن أن دولًا كبيرة في أمريكا اللاتينية -مثل البرازيل- قالت -بصوت عالٍ- إنها ضد محاصرة الشعب الكوبي، وهناك مبادرات برازيلية لتخفيف الحصار الجديد عن كوبا.
3- الصمود الذاتي
بعيدًا عن أي دعم خارجي، يملك الكوبيون تاريخًا طويلًا من الاعتماد على الذات، وحققوا نتائج مبهرة في مجالات الطب واكتشاف اللقاحات، ويستطيعون أن يتحولوا بدعم من الصين إلى الطاقة الجديدة والمتجددة. ويمكن للمشروعات الصغيرة والمتوسطة أن تخفف عن الدولة كثيرًا من الأعباء. وهناك حديث اليوم عن “المقايضة”، سواء مع الصين أو روسيا، حيث تملك كوبا “المعادن النادرة” بنسب كبيرة، ويمكنها أن “تُقايض” هذه المعادن نظير دعم جديد من روسيا والصين.
الواضح أن كوبا أمام “تحدٍّ وجودي”، وهو ما يستوجب عليها العمل وفق “إستراتيجية بقاء” لمواجهة أكبر تحدٍّ يواجهها منذ أن قرر الشعب الكوبي أن يقول لا للبيت الأبيض.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير