
لم يعد السؤال الاستراتيجي المطروح هو ما إذا كانت هناك مواجهة عسكرية مع إيران، بل ما إذا كانت المواجهة القائمة ستتحول إلى حرب إقليمية مترابطة، تتوزع عملياتها بين الخليج، والحدود العراقية الإيرانية، والقوقاز، وبلوشستان، وشرق المتوسط. فمنذ اندلاع الحرب المباشرة في فبراير 2026، ثم تعثر اتفاقات وقف إطلاق النار، وتجدد الضربات الأميركية الإيرانية في يوليو، انتقل الصراع من مرحلة الردع المتبادل إلى مرحلة الاستنزاف المفتوح، مع استمرار الجهود الدبلوماسية لمنع خروجه عن السيطرة. وتشير التطورات الأخيرة إلى اتساع العمليات حول مضيق هرمز، والقواعد الأميركية، ودخول الحوثيين على خط الضغط البحري.
لكن تعدد مناطق الاشتباك لا يعني بالضرورة وجود حرب إقليمية موحدة القيادة. فقد تكون الجبهات المتزامنة نتيجة تقاطع مصالح أطراف مختلفة، لا نتيجة خطة مركزية واحدة. لذلك، يجب التمييز بين ثلاثة مستويات: حرب مباشرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وحروب بالوكالة عبر فاعلين غير دولتيين، وضغوط محيطية تستثمر الانقسامات القومية والجغرافية داخل إيران.
اعتمدت إيران، خلال العقود الماضية، على مفهوم الدفاع المتقدم، أي مواجهة الخصوم بعيدًا عن حدودها بواسطة شبكة من الحلفاء والجماعات المسلحة في العراق وسوريا ولبنان واليمن. وقد منحتها هذه الاستراتيجية عمقًا عملياتيًا وقدرة على الرد غير المباشر، لكنها أنتجت، في المقابل، بنية صراع شبكية تسمح لخصومها بضرب العقد التي تربط المركز الإيراني بالأطراف.
وهكذا، لم تعد المواجهة محصورة في البرنامج النووي أو تبادل الصواريخ، بل أصبحت مزيجًا من الضربات الجوية، والحصار البحري، والعقوبات، والحرب السيبرانية، والعمليات الاستخباراتية، وتحريك الجماعات المحلية، واستهداف البنية التحتية للطاقة والاتصالات. وهذا هو جوهر الحرب الهجينة: دمج أدوات عسكرية وغير عسكرية بهدف إضعاف قدرة الدولة على اتخاذ القرار، من دون الاضطرار إلى احتلالها.
تاريخيًا، يقترب هذا النموذج من استراتيجية الاحتواء التي استخدمتها الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفيتي، ومن سياسة الاحتواء المزدوج ضد إيران والعراق خلال تسعينيات القرن الماضي. لكنه يختلف عنهما في أن إيران ليست قوة عظمى ذات تحالفات رسمية، بل قوة إقليمية تعتمد على الصواريخ، والممرات البحرية، والفاعلين غير الدولتيين. كما تذكر المواجهة الراهنة بحرب الناقلات في ثمانينيات القرن الماضي، حين أصبح الضغط على حركة الطاقة وسيلة لرفع تكلفة الحرب على الأطراف الدولية، وليس على الخصم المباشر وحده.
يمثل الشريط الحدودي بين إقليم كردستان العراق وغرب إيران أحد أكثر مسارح الضغط حساسية. فالجبال الوعرة، وضعف السيطرة الكاملة على المعابر، ووجود جماعات كردية إيرانية مسلحة، توفر بيئة مناسبة للحرب غير النظامية. وقد أجرت فصائل كردية إيرانية متمركزة في العراق اتصالات بشأن عمليات محتملة داخل إيران، بينما تحدثت تقارير عن دعم إسرائيلي لبعض خططها. كما أعلنت طهران، في يوليو، مقتل عناصر من الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني بعد عبورهم مناطق جبلية قرب بيرانشهر. وتؤكد هذه التطورات أن الجبهة لم تعد افتراضية بالكامل.
ومع ذلك، توجد قيود كبيرة. فحكومة بغداد وحكومة إقليم كردستان لا ترغبان في تحويل أراضيهما إلى قاعدة لحرب مفتوحة تستدعي ضربات إيرانية. كما أن الجماعات الكردية تختلف في أهدافها، وبنيتها، وموقفها من الانفصال أو الفدرالية. وقد يمنح تحريكها عسكريًا طهران فرصة لتعبئة المشاعر الوطنية واتهام خصومها بالسعي إلى تفكيك إيران.
لذلك، تبدو الوظيفة الأرجح لهذه الجبهة هي الاستنزاف، وتشتيت قوات الحرس الثوري، وجمع المعلومات، وتهديد خطوط الإمداد، لا تنفيذ غزو بري قادر على تغيير النظام. فالجغرافيا الجبلية تمنح المقاتلين قدرة على الاختفاء والمناورة، لكنها تحد، في الوقت نفسه، من السيطرة المستدامة على المدن والأراضي.
تكتسب جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى أهمية تتجاوز مسألة السيادة. فموقعها قرب الممرات البحرية يجعلها جزءًا من منظومة المراقبة والإنذار ومنع الوصول الإيرانية في مضيق هرمز. وتتمسك الإمارات بمطالبتها بالسيادة على الجزر، بينما تعتبرها طهران جزءًا من أراضيها. وتدعو أبوظبي رسميًا إلى حل النزاع بالمفاوضات أو عبر محكمة العدل الدولية.
أدت الضربات الأميركية الأخيرة على منشآت عسكرية في بعض الجزر إلى نقل الملف من نزاع دبلوماسي مجمد إلى عنصر في معادلة الحرب البحرية. ومع ذلك، لا توجد معطيات علنية كافية تثبت وجود قرار إماراتي بفتح جبهة لاستعادتها بالقوة. فالعملية ستكون شديدة الخطورة، لأنها قد تدفع إيران إلى مهاجمة الموانئ والمنشآت النفطية الإماراتية، وتحول مركزًا تجاريًا عالميًا إلى ساحة حرب.
والأرجح أن تستخدم أبوظبي الظرف لتعزيز شرعية مطالبتها، ودعم نزع الطابع العسكري عن الجزر، وربط تسوية النزاع بنظام أمني جديد للمضيق. أما الانتقال إلى عمل عسكري إماراتي مباشر، فيبقى احتمالًا منخفضًا، ما لم يحدث انهيار واضح في القدرة الدفاعية الإيرانية، أو تتشكل مظلة دولية تضمن تحييد الرد الإيراني.
تختلف الجبهة الأذربيجانية عن الجبهة الكردية. فأذربيجان دولة ذات جيش نظامي وعلاقات وثيقة مع تركيا وإسرائيل، فيما يضم شمال غرب إيران كتلة سكانية أذرية كبيرة ومندمجة جزئيًا في مؤسسات الدولة الإيرانية. لذلك، لا يمكن افتراض أن الهوية القومية ستتحول تلقائيًا إلى حركة انفصالية.
قد تستخدم باكو علاقاتها الأمنية مع إسرائيل وموقعها الجغرافي لتوفير قدرات مراقبة وضغط على إيران، لكنها تدرك أن تفكك الدولة الإيرانية قد ينتج موجات لجوء، وصراعات حدودية، وتمدد جماعات مسلحة. ومن ثم، يمكن وصف سلوك أذربيجان بأنه موازنة حذرة: الاستفادة من ضعف إيران لتحسين موقعها الإقليمي، مع تجنب التحول إلى قاعدة معلنة لحرب تستهدف الداخل الإيراني.
وينشأ الخطر الحقيقي إذا تزامنت التعبئة القومية مع ضعف السلطة المركزية، أو إذا بدأت عمليات مسلحة عابرة للحدود. عندها قد تواجه إيران معضلة أمنية مركبة في منطقة تختلط فيها الهويات الأذرية والكردية، بما يسمح بتحول التوتر القومي إلى صراع على الأرض، والموارد، والممرات.
تمثل سيستان وبلوشستان إحدى أضعف حلقات المجال الأمني الإيراني بسبب الفقر، والبعد عن المركز، والطبيعة الصحراوية، والامتداد القبلي والمذهبي عبر الحدود الباكستانية. وتنشط في المنطقة تنظيمات مسلحة، أبرزها جيش العدل، مستفيدة من صعوبة ضبط الحدود وشبكات التهريب.
لكن المشهد البلوشي ليس جبهة موحدة؛ فالتنظيمات الإيرانية والباكستانية تختلف في أهدافها وهياكلها. كما أن باكستان تخشى أن يؤدي إضعاف إيران إلى توسيع التمرد داخل بلوشستان الباكستانية، ولذلك لا مصلحة لها في انهيار السلطة على الجانب الإيراني. وقد حذرت إسلام آباد من استفادة الجماعات الانفصالية والجهادية من أي فراغ أمني إيراني.
وتنبع أهمية هذه الجبهة من قربها من ميناء تشابهار، وساحل مكران، والممرات المؤدية إلى بحر عمان والمحيط الهندي. وبالتالي، يمكن استخدامها لاستنزاف القوات الإيرانية أو تهديد طرق الإمداد، لكنها لا تستطيع، منفردة، حسم الحرب.
تشكل هذه الدول المجال التقليدي للنفوذ الإيراني، لكنها أصبحت، في الوقت نفسه، ساحات لاستهداف هذا النفوذ. ففي العراق تستطيع الفصائل الموالية لطهران مهاجمة القواعد الأميركية، لكن ذلك يعرض مؤسسات الدولة العراقية لضغوط داخلية وخارجية. وفي سوريا يمكن استهداف ممرات الأسلحة ومراكز القيادة، بينما يمثل لبنان الساحة الأكثر خطورة بسبب القدرات الصاروخية لحزب الله، والقرب الجغرافي من إسرائيل.
المعضلة الإيرانية أن استخدام هذه الشبكة يوسع قدرتها على الرد، لكنه يمنح خصومها مبررًا لنقل الحرب إلى دول متعددة. كما أن الفاعلين غير الدولتيين لا يخضعون دائمًا لسيطرة مركزية كاملة، ما يرفع خطر سوء التقدير والتصعيد غير المقصود.
تقوم الاستراتيجية الإسرائيلية على نقل المعركة إلى داخل إيران، واستهداف مراكز القيادة، والدفاعات الجوية، ومنظومات الصواريخ، والعلماء، وشبكات الاتصال. ويمثل التفوق في الاستخبارات، والاستطلاع، والحرب السيبرانية، عاملًا مضاعفًا للقوة، لأنه يسمح بتحقيق تأثير أكبر بعدد أقل من الضربات. وفي المقابل، تصاعد النشاط السيبراني الإيراني ضد إسرائيل، بما يؤكد أن المجال الرقمي أصبح جبهة عمليات مستقلة. وبحسب السلطات الإسرائيلية، ارتفع عدد الحوادث السيبرانية المعادية المسجلة بصورة كبيرة خلال عام 2026.
أما الولايات المتحدة، فلا يبدو أن احتلال إيران وإدارة تغيير النظام يمثلان الخيار الأكثر قابلية للتنفيذ. فحجم إيران، وعمقها الجغرافي، وعدد سكانها، يجعل العملية البرية أعلى تكلفة بكثير من تجربتي العراق وأفغانستان. الهدف الأكثر واقعية هو الإكراه الاستراتيجي: تدمير القدرات الصاروخية والبحرية، وحماية طرق الملاحة، وتقليص النفوذ الإقليمي، وفرض تسوية تعيد تشكيل ميزان القوى.
غير أن إضعاف النظام يختلف عن إسقاطه. فقد يؤدي الاستهداف الخارجي إلى تعزيز التماسك الوطني بدلًا من تفجير تمرد داخلي، خصوصًا إذا اعتقد الإيرانيون أن الهدف هو تقسيم الدولة. وتشير شهادات من جنوب إيران إلى أن الضربات عمقت المعاناة من دون أن تتحول تلقائيًا إلى معارضة مؤيدة للتدخل الخارجي. رويترز.
مر عبر مضيق هرمز، خلال عام 2024، نحو عشرين مليون برميل يوميًا من النفط، بما يعادل قرابة 20 في المئة من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية، إضافة إلى نحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا. إدارة معلومات الطاقة الأميركية. لذلك، لا يمثل إغلاق المضيق ورقة إيرانية ضد واشنطن وحدها، بل صدمة مباشرة للاقتصادات الآسيوية، وسلاسل التأمين، والنقل، والأسمدة، والصناعة.
ستدعم روسيا إيران دبلوماسيًا واقتصاديًا، لكنها ستتجنب حربًا مباشرة مع الولايات المتحدة. وستحاول الصين حماية تدفقات الطاقة، وتوسيع دورها التفاوضي، من دون تقديم ضمان أمني شامل لطهران. أما تركيا، فتخشى اللاجئين، والانفصال الكردي، والتمدد الإسرائيلي، ولذلك تجمع بين تعزيز حدودها والوساطة السياسية. وقد أعلنت أنقرة انخراطها مع الأطراف لإعادة المسار الدبلوماسي. وستوازن دول الخليج بين اعتمادها الأمني على واشنطن، وخشيتها من تحول قواعدها، ومدنها، وموانئها، إلى أهداف إيرانية.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير