
في عام 2021، كان أكثر من نصف الغاز الذي تستورده ألمانيا يأتي من روسيا، وكانت مصانع الكيماويات والصلب الألمانية تبني حساباتها على عقود طويلة الأجل مع شركة غازبروم. وفي أبريل/نيسان 2026، أقرت الحكومة الألمانية خطة لرفع الإنفاق الدفاعي إلى 3.1% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2027، على أساس أن روسيا تمثل التهديد الرئيسي لأمن أوروبا. وبين التاريخين خمس سنوات، تحول خلالها خط الأنابيب الذي كان ينقل الغاز من فيبورغ إلى لوبمين إلى ملف أمام محكمة في هامبورغ.
ما تغير أعمق من مجرد خلاف دبلوماسي. فقد كانت برلين تعرف أمنها باعتباره أمنا يتحقق بالتعاون مع روسيا، وأصبحت تعرفه باعتباره أمنا يتحقق في مواجهتها. وفي المقابل، صارت موسكو تعد ألمانيا طرفا في الحرب الدائرة على حدودها. وفي سبتمبر/أيلول 2026، أغلقت القنصليات والمراكز الثقافية، ولم يبق لكل بلد لدى الآخر سوى سفارته. فكيف انهار خلال سنوات قليلة نموذج بني على مدى نصف قرن؟ وهل يمكن إعادة بنائه؟
بدأ النموذج عام 1970 بصفقة الغاز مقابل الأنابيب في عهد فيلي برانت، واستند إلى فكرة إيغون بار عن «التغيير عبر التقارب»، التي تقوم على أن تشابك المصالح يجعل تكلفة الصراع أكبر من مكاسبه. وحول غيرهارد شرودر هذه الفكرة إلى شراكة شخصية وتجارية، ووقع اتفاق «نورد ستريم 1» عام 2005. أما أنغيلا ميركل، فكانت أكثر تحفظا تجاه الكرملين، وقادت العقوبات المفروضة على روسيا عام 2014 ومسار اتفاقيات مينسك، لكنها وافقت عام 2015 على مشروع «نورد ستريم 2». فقد كانت تفصل بين السياسة والطاقة، وهو الفصل الذي ثبت خطؤه لاحقا.
في تقديري، كانت المشكلة بنيوية. فالاعتماد المتبادل يؤدي دورا رادعا عندما تتقارب تكلفة قطع العلاقات على الطرفين، وعندما يتفقان على قواعد الأمن، ولم يتحقق أي من هذين الشرطين. فقد رأت برلين في الغاز تجارة، بينما رأت فيه موسكو أداة نفوذ، وظل الخلاف بشأن توسع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ومكانة أوكرانيا خارج الحسابات التجارية. وكشفت أزمة عام 2014 هذا الخلل، لكنها لم تغير السلوك الألماني. أما الحرب التي اندلعت في فبراير/شباط 2022، فقد غيرته، فأعلن المستشار أولاف شولتس «نقطة التحول» بعد ثلاثة أيام من بدايتها.
تعد ألمانيا أكبر مانح أوروبي لأوكرانيا، وتقدر وزارة خارجيتها ما قدمته بنحو 67 مليار دولار من المساعدات العسكرية، و50 مليار دولار من المساعدات المدنية. وفي 4 أكتوبر/تشرين الأول 2026، زار المستشار فريدريش ميرتس كييف دون إعلان مسبق، برفقة وفد من شركات السلاح والطاقة، وأعلن تقديم حزمة مساعدات بقيمة 1.35 مليار يورو، منها نحو مليار يورو لتوسيع الإنتاج المشترك للأسلحة بعيدة المدى، و350 مليون يورو لإصلاح محطات الكهرباء، إلى جانب آلاف الطائرات المسيرة الاعتراضية خلال الأشهر المقبلة. وقال إن روسيا لا تفهم سوى «لغة القوة».
تنطلق حسابات برلين من أن هزيمة أوكرانيا ستنقل خط التماس إلى حدود الناتو، وأن دعمها اليوم أقل تكلفة من الاضطرار إلى ردع روسيا مباشرة في المستقبل. ولذلك، ترتفع موازنة الدفاع الألمانية من 82.7 مليار يورو عام 2026 إلى 105.8 مليار يورو عام 2027، مع تمركز لواء مدرع ألماني بصورة دائمة في ليتوانيا.
في المقابل، تقرأ موسكو الأرقام نفسها بصورة معاكسة، فترى أن ألمانيا تمول صواريخ تضرب العمق الروسي وتنشر قواتها بالقرب من بيلاروسيا وكالينينغراد. وفي 6 سبتمبر/أيلول، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إن ألمانيا تريد الحرب «من جديد».
تعكس هذه التطورات معضلة أمنية تقليدية، فما يعده كل طرف إجراء دفاعيا يراه الطرف الآخر استعدادا للهجوم. فمن منظور برلين، يتعلق الأمر بحماية أمنها، بينما تراه موسكو سياسة احتواء، وإن كانت النتائج العسكرية واحدة في الحالتين.
وفي 4 أغسطس/آب، عثر في مطار لايبزيغ على طائرة مسيرة محملة بالمتفجرات بالقرب من طائرة شحن أوكرانية، لكنها لم تنفجر. وفي 1 سبتمبر/أيلول، حملت الحكومة الألمانية روسيا مسؤولية الحادثة، وقال وزير الداخلية ألكسندر دوبرينت إن مكونات الطائرة المسيرة وصاعقها سبق رصدها في عمليات روسية سابقة.
وأغلقت برلين القنصلية الروسية في بون، وأنهت عقد «البيت الروسي». وردت موسكو بإغلاق القنصلية الألمانية في سان بطرسبورغ وفروع معهد غوته، ونفت أي دور لها في الحادثة، بينما قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن الأدلة «مدسوسة».
وحتى الآن، فإن المؤكد هو وقوع الحادثة وتوجيه الحكومة الألمانية اتهاما إلى روسيا استنادا إلى معلومات استخبارية، دون الإعلان عن اعتقالات أو صدور حكم قضائي. ويتمثل الخطر الأقرب في نجاح عملية تخريبية مماثلة مستقبلا، أو وقوع هجوم سيبراني يستهدف شبكة حيوية، يعقبه رد يسيء أحد الطرفين تفسيره.
بلغ حجم التجارة بين البلدين 59.8 مليار يورو عام 2021، وشكل النفط والغاز 59% من الواردات الألمانية من روسيا، بحسب المكتب الاتحادي الألماني للإحصاء.
وبحسب المكتب نفسه، تراجع إنتاج الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة بنسبة 15.2% بين فبراير/شباط 2022 ومارس/آذار 2026، مقابل تراجع بنسبة 9.5% في الصناعة الألمانية عموما. ويشير الفارق بين النسبتين إلى مساهمة ارتفاع تكاليف الطاقة في المشكلة، إلى جانب عوامل أخرى، منها المنافسة الصينية في قطاعي السيارات والآلات، وتكاليف التنظيم، وضعف الاستثمار.
وفي 30 يونيو/حزيران 2026، وجه الادعاء العام الاتحادي الألماني إلى المواطن الأوكراني سيرهي ك. تهمة المشاركة في تفجير خطوط نورد ستريم، وأحال القضية إلى محكمة في هامبورغ. وذكر الادعاء في بيان نشره يوم 2 يوليو/تموز أن المجموعة عملت «بأمر من أجهزة دولة أوكرانية».
وينفي المتهم الاتهامات الموجهة إليه، فيما أعلنت النيابة العامة الأوكرانية في 9 يوليو/تموز أنها لم تجد أدلة تربط مؤسسات الدولة بالتفجيرات. ومن المقرر مبدئيا بدء المحاكمة في 26 أكتوبر/تشرين الأول.
ولا يزال الأمر اتهاما لم يتحول إلى حكم قضائي، لكنه يضع برلين في موقف حرج، بعدما أصبحت الدولة التي تقدم لها الدعم العسكري والمالي متهمة أمام القضاء الألماني بالضلوع في تدمير منشأة كانت تغذي ألمانيا بالغاز.
وفي 8 أكتوبر/تشرين الأول، نقلت وكالة رويترز عن مصادر أن كيريل دميترييف وجاريد كوشنر بحثا إمكانية دخول مستثمر أمريكي في مشروع نورد ستريم، بما قد يفتح الباب أمام استئناف بيع الغاز الروسي إلى أوروبا.
وقال البيت الأبيض إن الموضوع لم يناقش مؤخرا، بينما استبعد أحد المصادر التوصل إلى اتفاق في المدى المتوسط. وكان وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول قد أكد في 29 سبتمبر/أيلول أن حكومته لا تخطط لإعادة تشغيل خطوط الأنابيب أو العودة إلى استيراد الطاقة الروسية. فبرلين لا تريد استئناف تدفق الغاز الروسي إليها عبر وسيط أمريكي يتحكم في إمداداته.
لقد خرجت ألمانيا من الاعتماد على مورد واحد، لكنها دخلت في نمط آخر من الاعتماد. فالنرويج أصبحت المورد الأول للغاز عبر الأنابيب، بينما يأتي معظم الغاز الطبيعي المسال الذي يصل إلى الموانئ الألمانية من الولايات المتحدة، وتحدد أسعاره سوق عالمية متقلبة.
وفي المقابل، خسرت روسيا السوق التي كانت تدفع أعلى الأسعار مقابل غازها، بينما تشتري الصين، التي اتجهت إليها موسكو، بأسعار أقل، وتفاوض من موقع المشتري الأقوى.
توقفت المشاورات الحكومية السنوية بين البلدين منذ عام 2014، وتعطل التعاون مع الجهات الرسمية الروسية في مجالي الثقافة والعلوم.
وفي 26 سبتمبر/أيلول، التقى وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول نظيره الروسي سيرغي لافروف في نيويورك، في أول لقاء بين وزيري خارجية البلدين منذ بداية الحرب، واستمر نحو عشرين دقيقة، بحسب الصحافة الألمانية.
وطالب فاديفول بوقف التصعيد ضد ألمانيا وأوروبا، بينما قالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا إن اللقاء جاء بطلب ألماني.
ولم يسفر اللقاء عن نتائج ملموسة، لأن برلين تربط أي تحسن في العلاقات باستعداد بوتين لإنهاء الحرب، بينما ترى موسكو في تسليح أوكرانيا مشاركة ألمانية فيها.
أما داخل ألمانيا، فالصورة أقل تماسكا. فقد دعا برنامج حزب البديل من أجل ألمانيا لعام 2025 إلى تشغيل «نورد ستريم 2»، وحصل الحزب على 43.8% من الأصوات في انتخابات ولاية ساكسونيا أنهالت يوم 6 سبتمبر/أيلول، وتصدر انتخابات مكلنبورغ فوربومرن بنحو 38% بعد أسبوعين.
وأظهر استطلاع لمعهد «إنسا» حصول الحزب على تأييد 30% على المستوى الوطني، مقابل 18% للاتحاد المسيحي، بينما يرى أكثر من أربعة من كل عشرة ألمان أن الدعم المقدم لأوكرانيا تجاوز الحد.
وتبدو نتائج الحزب أقوى في الولايات الشرقية، لكن الاستطلاع يعكس اتجاها على المستوى الوطني.
وقد يؤدي تغيير الحكومة إلى تعديل حجم الدعم المقدم لأوكرانيا ونبرة الخطاب تجاه روسيا، لكن تغيير العقيدة الأمنية سيكون أكثر صعوبة، بعدما تحولت إعادة التسلح إلى عقود موقعة، وإعفاء دستوري من قيود كبح الديون، وانتشار عسكري دائم خارج الحدود.
كانت العلاقة بين روسيا وألمانيا ذات أبعاد ثلاثية منذ بدايتها، وكانت واشنطن الطرف الأكثر تأثيرا فيها.
وفي 9 أكتوبر/تشرين الأول، علقت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العقوبات المفروضة على الديزل الروسي حتى أبريل/نيسان 2027. وفي اليوم التالي، قال المتحدث باسم الحكومة الألمانية شتيفان كورنيليوس إن برلين «أخذت علما» بالقرار، وإنها لا تزال متمسكة بالعقوبات وتعمل مع شركائها الأوروبيين على فرض إجراءات إضافية.
تطالب واشنطن ألمانيا بتحمل العبء العسكري لاحتواء روسيا، لكنها تحتفظ لنفسها بحق إبرام صفقات في قطاع الطاقة مع موسكو. وبذلك تتحمل ألمانيا تكلفة الردع دون أن تملك قرار التهدئة.
وكان الكونغرس الأمريكي قد أقر في سبتمبر/أيلول قانونا يشدد العقوبات على عائدات الطاقة الروسية، قبل أن تعلق الإدارة جزءا منها بعد أسابيع، وهو ما يجعل الموقف الأمريكي أقل قابلية للتوقع من وجهة نظر برلين.
وإذا تقدم مسار المحادثات بين كوشنر ودميترييف، فقد يتحول الخلاف بشأن إدارة العلاقة مع موسكو إلى خلاف ألماني أمريكي معلن.
أمام العلاقات الروسية الألمانية ثلاثة مسارات محتملة: استمرار القطيعة الاستراتيجية مع تصاعد الردع والعقوبات، أو فتح قنوات محدودة لضبط التصعيد دون تطبيع العلاقات، أو العودة التدريجية إلى علاقة براغماتية بعد التوصل إلى تسوية أوروبية أوسع.
وأرجح المسار الأول في المدى القريب، مع بعض عناصر المسار الثاني. فلقاء نيويورك يشير إلى رغبة الطرفين في إبقاء قناة اتصال مفتوحة لتجنب الحوادث، لكنه لا يدل على أكثر من ذلك.
وقد يتغير هذا التقدير إذا جرى التوصل إلى وقف لإطلاق النار في أوكرانيا بضمانات يقبلها الأوروبيون، أو فرضت صفقة أمريكية روسية أمرا واقعا على برلين، أو دخل حزب البديل من أجل ألمانيا حكومة اتحادية.
حتى لو انتهت الحرب غدا، فلن يعود النموذج القديم للعلاقات الروسية الألمانية، لأن ما انهار هو الافتراض الذي قام عليه، والمتمثل في أن الطرف الآخر لن يستخدم الاعتماد المتبادل سلاحا.
فقد شهدت ألمانيا انقطاع إمدادات الغاز الروسي عنها عام 2022، بينما شهدت روسيا تجميد أصولها وتفجير خطوط أنابيبها. وأصبح لدى كل طرف ما يراه دليلا على أن الاعتماد على الآخر يمثل خطرا.
ووراء ذلك تصوران مختلفان للأمن الأوروبي يصعب التوفيق بينهما. فبرلين تريد نظاما أمنيا تحميه التحالفات، ويضمن حق كل دولة في اختيار تحالفاتها، بينما تريد موسكو نظاما تعترف فيه القوى الكبرى بمناطق نفوذ بعضها. وأوكرانيا هي الساحة التي اصطدم فيها التصوران.
ومع ذلك، تبقى الجغرافيا عاملا ثابتا. فالمسافة بين برلين وكالينينغراد لا تتجاوز نحو 530 كيلومترا، ولا يستطيع أي من البلدين تنظيم أمنه بمعزل عن الآخر.
قد تكون عودة التجارة أسهل من استعادة الثقة. فالغاز يمكن أن يتدفق مجددا بقرار سياسي وعقد تجاري، أما الثقة فتحتاج إلى تسوية أمنية وسياسية يقوم عليها النظام الأوروبي المقبل. وستحدد طبيعة هذه التسوية مستقبل العلاقات بين موسكو وبرلين بدرجة أكبر من أسعار الغاز.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير