أبحاث ودراسات

هل الحضارة الأوروبية “تحتضر”؟


  • 25 فبراير 2026

شارك الموضوع

يقول الروائي الأمريكي ويليام فوكنر، صاحب جائزة نوبل في الآداب: “الماضي ليس ميتًا، إنه ليس ماضيًا حتى”. هذه المقولة التاريخية تتطابق اليوم بنسبة 100% على الأوروبيين الذين لم ينسوا خلافاتهم وصراعاتهم التي بدأت قبل نحو 400 عام.

الشواهد على ذلك كثيرة، منها الاتهامات التي وجّهها يوهان فاديفول، وزير الخارجية الألماني، يوم 16 فبراير (شباط) الجاري، إلى فرنسا، حيث اتهم باريس بأنها تتحدث كثيرًا عن “الاستقلال الإستراتيجي”، و”الجيش الأوروبي الموحد”، و”بناء أوروبا ذاتيًّا”، و”تحقيق السيادة الإستراتيجية”، لكنها لا تقرن الأفعال بالأقوال. فلا تزال باريس تنفق القليل على الشؤون الدفاعية، وبعيدة تمامًا عن إنفاق 5% من ناتجها القومي على الدفاع بحلول 2035، وفق الاتفاق الذي تم في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وحلف دول شمال الأطلسي (الناتو)، في حين تقرن ألمانيا -من وجهة نظر وزير الخارجية الألماني- الأفعال بالأقوال؛ لأنها سوف تنفق على الشؤون الدفاعية نحو 127 مليار دولار عامي 2026 و2027، وهو ما يصل إلى نحو 2.8% من الناتج القومي الألماني، وبهذا تهدف ألمانيا إلى الوصول إلى نسبة إنفاق دفاعي بنهاية العقد الحالي تصل إلى نحو 3.8%، أي نحو 160 مليار يورو سنويًّا، تمهيدًا للوفاء بنسبة 5% عام 2035. وجاءت الاتهامات الألمانية لباريس بعدم الوفاء بزيادة الإنفاق الدفاعي مع أن ألمانيا تدرك حقيقة الوضع الاقتصادي لجارتها فرنسا التي تتحمل “ثالث أعلى عبء ديون” في الاتحاد الأوروبي بعد كل من اليونان وإيطاليا.

الغضب لم يتوقف بين باريس وبرلين، بل جاءت الملاسنة والانتقادات الحادة والعلنية بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني على هامش القمة الأوروبية التي جرت في 14 فبراير (شباط) الجاري، عندما رفض ماكرون تلقي انتقادات إيطالية على خلفية مقتل الناشط اليميني الإيطالي ماثيو سالفيني “الابن” في أثناء الاحتجاجات التي جرت هذا الشهر في مرسيليا، في حين كان رد ميلوني عليه حادًّا وغير مسبوق بالقول: “من العار أن تتحدث عن سيادة القانون ودماء مواطن إيطالي لم تجف على أرضك بسبب فشل أجهزتك الأمنية. إن غطرستك يا إيمانويل هي التي تعمي بصيرتك عن حقيقة أن فرنسا لم تعد آمنة، لا لمواطنيها، ولا لضيوفها. توقف عن التصرف كأستاذ مدرسة يوزع العلامات، فالتاريخ سيذكر أنك كنت مشغولًا بالتنظير وأوروبا تحترق”.

هذه أمثلة قليلة جدًّا عن حجم التشاحن والتعارك اليومي الذي يلف العلاقات الأوروبية- الأوروبية، فما الأسباب الحقيقية وراء هذه الصراعات الأوروبية- الأوروبية؟ وهل “الحضارة الأوروبية” في طريقها إلى “الاحتضار” كما قالت إستراتيجية الأمن القومي الأمريكية التي صدرت في 4 ديسمبر (كانون الأول) الماضي؟

الخلاف هو العنوان

التدقيق في التاريخ الحديث والمعاصر للدول الأوروبية يكشف أن “الخلافات والصراعات” هي العنوان الرئيس لآخر 400 عام في أوروبا منذ ما يسمى عهد الإصلاح الديني الذي قسم أوروبا إلى شمال بروتستانتي وجنوب كاثوليكي. هذا الصراع لم يكن صراعًا دينيًّا أو لاهوتيًّا فقط؛ بل كان صراعًا على المصالح والهويات القومية؛ لذلك اندلعت حرب “الثلاثين” عامًا، وهي أكثر الحروب طولًا ودموية، وانتهت بمعاهدة ويستفاليا الشهيرة في 1648 التي وضعت الأساس الجديد “للدولة الوطنية الحديثة”. ومع ذلك استمر الصراع بين البرتغال والإسبان، وبين الفرنسيين والإنجليز، وبين الألمان والبولنديين وصولًا إلى الحربين العالميتين الأولى والثانية، وهو ما يؤكد أن هذه الصراعات ليست مجرد صراعات حدودية؛ بل هي نسيج معقد من الصدامات الفكرية والدينية والقومية. وتأخذ الخلافات في الوقت الحالي كثيرًا من المشاهد، منها:

أولًاالانحياز:

هناك خلاف لا ينتهي بين الأوروبيين بشأن طبيعة “الانحياز العسكري”؛ فالرئيس الفرنسي -على سبيل المثال- صاحب نظريات “الجيش الأوروبي الموحد”، والاستقلال العسكري والذاتي عن الولايات المتحدة، وطرح في وقت من الأوقات أن تكون “الأسلحة النووية الفرنسية” التي يصل عددها إلى 225 رأسًا نوويًّا “ضمانة للأمن الأوروبي”، لكن هناك من يخالفه الرأي في كل ذلك، مثل دول الجناح الشرقي في حلف دول شمال الأطلسي (الناتو)، مثل ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا والمجر وبلغاريا وبولندا، التي تفضل “المظلة الأمنية الأمريكية”، وترفض مغادرة نحو 100 ألف جندي أمريكي ينتشرون في كل أوروبا. وعبّر عن هذا الرأي بوضوح الأمين العام لحلف الناتو مارك روته عندما قال إن الدول الأوروبية لا تستطيع الدفاع عن نفسها بدون الولايات المتحدة.

ثانيًادعم أوكرانيا:

هناك خلافات حادة بين الدول الأوروبية بشأن المدى الزمني، وكيفية دعم أوكرانيا في حربها مع روسيا؛ فهناك دول مثل المجر تقول -بوضوح، وبصوت عالٍ- إن أوكرانيا لا يمكن أن تنتصر على روسيا، وإن أفضل وسيلة لإنهاء الحرب في أوكرانيا هي التوصل إلى اتفاق سلام يراعي جذور الصراع في أوكرانيا، ويمنع تجدده مرة أخرى، لكن دولًا مثل بولندا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا لديها إصرار شديد على هزيمة روسيا في الميدان قبل الانتقال إلى مائدة المفاوضات، وترفض أي تنازلات أوكرانية في المقاطعات الخمس، وهي شبه جزيرة القرم، وزاباروجيا، وخيرسون، ولوغانسك، ودونيتسك؛ ولهذا ينظر الجانب الروسي إلى هذه الدول بوصفها “العقبة الكبرى” أمام إبرام اتفاق بين أوكرانيا وروسيا.

ثالثًاالإنفاق الدفاعي:

لا يقتصر الخلاف بشأن الإنفاق الدفاعي على فرنسا وألمانيا؛ بل هناك خلاف على نمط التسليح؛ ففرنسا تريد دعم الصناعات الدفاعية الأوروبية، وفي المقدمة منها مصانع السلاح الفرنسية، في حين تفضل ألمانيا ودول أخرى، مثل هولندا والدانمارك والنرويج وبولندا، شراء أسلحة أمريكية. ومع أن ماكرون أعلن خططًا لرفع الإنفاق الدفاعي بنحو 30 مليار يورو سنويًّا، فإن الإليزيه يشترط أن تُوجه الأموال إلى الصناعة الدفاعية الأوروبية، في حين تفضل ألمانيا شراء معدات جاهزة من الخارج، خصوصًا المعدات الأمريكية، وهو ما تراه باريس تقويضًا لصناعتها. ويرتبط هذا الخلاف بخلاف أعمق بين ألمانيا وفرنسا، وهو مشروع الطائرة الأوروبية الموحدة التي تسمى “سكاف” (SCAF)، وهو مشروع عسكري متعثر حتى اليوم. وهذا المشروع ليس مجرد سلاح؛ وإنما رمز سياسي لوحدة الدفاع الأوروبي، وتعثره يهدد “بتفكك التعاون العسكري”.

على الجانب الثاني من أوروبا، هناك دول “الجناح الشرقي” في حلف الناتو، وهي أكثر الدول تحمسًا للإنفاق العسكري، لكن لا تزال دول في جنوب أوروبا وغربها ترفض الامتثال للنسب والأرقام التي توافقت عليها الدول الأوروبية الأعضاء في حلف الناتو، وخير شاهد على هذا إسبانيا التي ترى نفسها في أقصى غرب جنوب القارة الأوروبية، وبعيدة تمامًا عن الجبهة الروسية الأوكرانية، وترفض الحكومة الإسبانية الوصول إلى عتبة إنفاق عسكري بنسبة 2% من الناتج القومي.

رابعًادول البوابات:

هناك مشكلات عميقة بين ما يسمى “دول البوابات” في أوروبا، مثل اليونان وإيطاليا وإسبانيا، وباقي الدول الأوروبية. تطالب “دول البوابات” بما تسميه “تقاسم الأعباء”، بمعنى مطالبة الدول الأوروبية الأخرى بتحمل جزء من تكاليف واستيعاب ملايين اللاجئين الذين يتدفقون على أوروبا سنويًّا، في حين تقول نصوص “اتفاقية دبلن” إن الدولة الأولى التي يصل إليها اللاجئ، ويقدم بصمته فيها، هي التي تتحمل مسؤوليته، لكن روما وأثينا ومدريد تتضرر من هذه الاتفاقية، وتطالب دول الشمال والوسط بتحمل جزء من المسؤولية معها.

خامسًاالديمقراطية غير الليبرالية

جوهر الخلاف بين ماكرون وميلوني ليس مقتل الشاب الإيطالي في مظاهرات مرسيليا؛ بل هو شعور ميلوني والمحافظين بأن القادة الليبراليين والوسط -مثل ماكرون- يسهمون -عن قصد أو بغير قصد- في “تفكيك أوروبا”. ميلوني وحزبها والائتلاف الذي تقوده يؤمنون بضرورة حماية الحدود الأوروبية، ومنع المهاجرين، وفي أحسن الأحوال عدم منح المهاجرين جزءًا من المساعدات الاقتصادية التي يتحملها دافع الضرائب الأوروبي، في حين لا تزال فرنسا تعيش “الحلم الأوروبي” الذي تجسد بعد نهايات الحرب العالمية الثانية، وتؤمن بضرورة فتح الحدود أمام المهاجرين، لكن المشكلة الفرنسية -من وجهة نظر ميلوني- أن فرنسا غير قادرة حتى على تطبيق “نموذجها”، والنتيجة -من وجهة نظر روما- عدم قدرة الحكومة الفرنسية على ضبط الجريمة وتحسين الاقتصاد. وبينما يرى ماكرون أن حكومته تجسد “النموذج الأفضل” في الحكم، وليس اليمين المحافظ الذي تمثله ميلوني، ترى الحكومة الإيطالية أن “نموذج ماكرون” وغيره في أوروبا يعاني ضعفًا وفشلًا، ويحتاج إلى تغييره، أو على الأقل تعديله.

الخلاف في القيم نراه أيضًا في المشكلات العميقة التي تعصف بالعلاقات بين بعض دول شرق ووسط أوروبا، مثل المجر وبولندا من جانب، والمفوضية الأوروبية في بروكسل من جانب آخر. فحتى اليوم، ترى المفوضية الأوروبية أن القوانين الأوروبية هي أسمى وأعلى من القوانين الوطنية للدول الأوروبية، في حين تعتقد وارسو وبودابست أن الأولوية ينبغي أن تكون للقوانين والثقافة الوطنية المحلية، حيث ترفض الحكومة في المجر وبولندا تطبيق بعض السياسات والقوانين الثقافية التي ترى فيها تعارضًا مع القوانين والثقافة البولندية والمجرية. وتتبنى غالبية دول شرق أوروبا ما يمكن وصفه بـ”الديمقراطية غير الليبرالية” ضد كل الأجندات الثقافية الغربية المتعلقة بحقوق الأقليات، معتبرة إياها “إملاءات” تهدد قيمها التقليدية وسيادتها الوطنية.

سادسًااتحاد الديون

ترفض الدول الغنية، مثل ألمانيا وهولندا والدول الإسكندنافية، الإفراط في الديون حتى لا يتحول الاتحاد الأوروبي إلى “اتحاد ديون”، وتصر هذه الدول على “سياسات تقشفية”، وانضباط مالي “صارم”، لكن دول الجنوب، مثل اليونان وإيطاليا وإسبانيا، تطالب بتعاون ودعم أوروبي أكبر لمحاولاتها الخروج من أزمة الديون التي تلاحقها منذ فترة طويلة. ويرتبط بهذا أزمة الطاقة، حيث تصر دول الشمال الأوروبي وألمانيا والنرويج والدانمارك وهولندا على ضرورة “التحول الحاسم” نحو الطاقة الجديدة والخضراء، وتدعو إلى ضرورة التوقف الكامل عن استخدام الطاقة النووية، في حين ترفض ذلك دول مثل فرنسا.

سابعًاالتعويضات

رغم مرور عقود على الحروب الأوروبية، لا تزال كثير من الدول تطالب ألمانيا بتعويضات عن الاحتلال النازي لها، ولا يمر شهر دون أن يطالب البرلمان البولندي ألمانيا بدفع ما عليها للشعب البولندي، لكن أخطر ما في هذا الملف أن بولندا باتت تهدد بفتح “ملف الأراضي”، وتقول إن عدم تعويضها يعني استرجاع بولندا جزءًا من الأراضي التي تقع في الوقت الحالي تحت السيادة الألمانية.

دائمًا ما كانت الخلافات الأوروبية تظهر وتختفي خلال العقود الماضية، لكن ما نشهده اليوم يشكل تحولًا كبيرًا، وطفرة غير مسبوقة في حسابات المعادلات الأوروبية. وربما هذا ما اعتمدت عليه إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي عندما حذرت وقالت إن الحضارة الأوروبية في طريقها إلى “الاحتضار”.

ما ورد في الدراسة يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع