
لم يكن اجتماع الرئيس الأمريكي برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في منتجع “مارالاغو” في فلوريدا، اجتماعًا عاديَّا؛ بل كان اجتماعًا محوريًّا ليرسم ملامح المنطقة والإقليم عامةً، ويعيد صياغة المعادلات السياسية الداخلية في إسرائيل، وفي الوقت نفسه مثَّل انتصارًا سياسيًّا واضحًا لنتنياهو، وهذا يعود إلى عوامل عدة ما زلت تتحكم في طبيعة العلاقة الإسرائيلية الأمريكية، أهمها دور المسيحيين الإنجيليين، وتيار “ماغا”، واللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأمريكية، إذ تشكل تلك الجماعات بوصلة العلاقة بين تل أبيب وواشنطن في رسم ملامح الفترة المقبلة، وفي محددات السياسة الداخلية في إسرائيل، وربما الخريطة الانتخابية المقبلة للكنيست الإسرائيلي.
فمعسكر اليمين في إسرائيل الذي مني بهزائم كبيرة في استطلاعات الرأي، منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، يعود لينتعش من جديد بعد تصريحات ترمب غير المسبوقة، والإشادات الكبيرة والمهمة ببنيامين نتنياهو ودوره في إسرائيل والمنطقة حين وصف نتنياهو بأنه “بطل الحرب، ولولا وجوده لم تكن إسرائيل موجودة”. كانت تلك التصريحات مهمة جدًّا، وتلقفها الإعلام الإسرائيلي المحسوب على اليمين في إظهار صورة من الانتصار لمعسكر بنيامين نتنياهو الحاكم، إذ قدم ترمب حملة دعائية انتخابية مبكرة موجهة إلى الرأي العام والمجتمع الإسرائيلي خدمة لبنيامين نتنياهو ومعسكره الحاكم في الدولة.
إن تصريحات ترمب تلك كان لها صدى واسع في أوساط الرأي العام في إسرائيل، وهذا يعود إلى الثقة الكبيرة التي يوليها المجتمع الإسرائيلي لترمب، بوصفه الحليف الأقوى لإسرائيل، الذي قدم لها ما لم يقدمه أي رئيس في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، وخاصة الاعتراف بالقدس الموحدة عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، وأخيرًا، قدرته على إنجاز صفقة أعادت المخطوفين الإسرائيليين من قطاع غزة.
ومن خلال لقاء مارالاغو نجح بنيامين نتنياهو، المعروف بدهائه السياسي، في إقناع ترمب برؤيته المستقبلية لمجمل الملفات الساخنة في منطقة الشرق الأوسط، وعلى رأسها ملفات غزة، وإيران، ولبنان، واستثمر نتنياهو التحركات المسبقة التي قام بها اللوبي اليهودي وحلفاؤه في الولايات المتحدة، من أصحاب النفوذ المالي والاقتصادي والعلاقات الواسعة مع الكونغرس والإدارة الأمريكية، والقيادات المؤثرة في الإدارة الأمريكية لإنجاح لقائه مع ترمب، وتحقيق جميع تطلعاته من هذا اللقاء، وبالفعل نجح نتنياهو في الحصول على الموافقة الأمريكية من ترمب لرؤيته المستقبلية بشأن تلك الملفات.
وهنا لا بد من الإشارة إلى الحراك الداخلي في المجتمع الأمريكي خلال السنوات الماضية، الذي تمثل في تراجع مكانة إسرائيل داخل المجتمع الأمريكي، لكن هذا لم يستمر طويلًا، فبعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في غزة في قمة شرم الشيخ برعاية الرئيس ترمب، أعادت إسرائيل تنشيط عمل منظماتها ولوبياتها الفاعلة في المجتمع الأمريكي إلى جانب المسيحيين الإنجيليين وجماعات “ماغا”؛ للتأثير في الرأي العام الأمريكي، وإعادة ترميم صورتها، وهذا ما نجحت به نسبيًّا، ويتجلى ذلك من خلال مواقف كثير من القادة في الإدارة الأمريكية والكونغرس.
وفي سبيل تنفيذ خطة الرئيس ترمب في قطاع غزة، نجح نتنياهو في تمرير رؤيته في إعادة إعمار قريبة يرتبط بتفعيل البند رقم (17) من خطة ترمب، الذي يسمح بإعادة الإعمار في المناطق التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي في حالة تعثر الانتقال إلى المرحلة الثانية، في إشارة إلى ما يُعرف بـ”خطة الشمس”، التي يُتوقع أن تبدأ من رفح، وهو أمر يوجه رسالة بأن خطة ترمب ما زالت ماضية قدمًا، وأن نتنياهو لم يشكّل عائقًا أمامها، وقد نجح نتنياهو في ذلك. وربما يعيد فتح معبر رفح، ويدخل المساعدات الإنسانية وفق الآليات المتفق عليها، وهو ما يمثل إنجازات ملموسة إذا تحققت، وتمنح ترمب فرصة لتسويق نجاح سياسي داخليًّا ودوليًّا.
أما فيما يتعلق بلجنة التكنوقراط الفلسطينية، فتلك القضية ما زالت تواجه عقبات كبيرة، في ظل غياب مرجعية واضحة، ورفض إسرائيلي وأمريكي لارتباطها بالسلطة الفلسطينية، إضافة إلى تعقيدات أمنية، ووجود مليشيات مسلحة، وأزمة إنسانية خانقة؛ ما يجعل عمل أي حكومة تكنوقراط محفوفًا بالمخاطر، ولن ترى النور في المنظور القريب. وبالإضافة إلى ذلك، فإن مسالة نزع سلاح حماس تبقى قضية شائكة، من المستبعد التوصل إلى توافق بشأنها في المنظور القريب.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير