
سارع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، اليوم الاثنين 9 مارس (آذار) 2026، إلى تهنئة مجتبى خامنئي بمناسبة اختياره مرشداً أعلى لإيران، قبل أن يمر يوم واحد على تعيينه من جانب مجلس خبراء القيادة، وفي قلب حرب مفتوحة تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على الجمهورية الإسلامية.
وهذه التهنئة الفورية من جانب القيادة الروسية للقيادة الإيرانية الجديدة لا يمكن التعامل معها بوصفها مجرد ظاهرة بروتوكولية مألوفة في العلاقات الدولية. فتوقيت التهنئة ومضمونها، الذي نقله بيان الكرملين الرسمي، يمنحانها دلالات سياسية تتجاوز بكل تأكيد المجاملة الدبلوماسية التقليدية.
في لحظات الأزمات الكبرى — والنظام والدولة في إيران يمران بهذه اللحظة الآن — تصبح سرعة الاعتراف الدولي بالقيادات الجديدة، وخصوصاً من قوى كبرى مثل روسيا، جزءاً من معركة الشرعية نفسها التي تخوضها هذه القيادة الجديدة.
لذلك يمكن قراءة هذه الخطوة البوتينية وفهمها باعتبارها إعلاناً مبكراً وسريعاً بأن موسكو ترى أن النظام في إيران ما زال قائماً، وأن اغتيال القيادة السابقة لم يؤد إلى انهيار الدولة، وهو ما كان يراهن عليه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وفق تصوراته المتعجلة.
إن الرسالة الأساسية التي يبعث بها بوتين من خلال هذه التهنئة السريعة موجهة إلى طهران، ولكن ليس إلى طهران وحدها، بل وإلى واشنطن وتل أبيب أيضاً. فموسكو تقول بوضوح إنها لن تقبل بأي سيناريو يقوم على فرض تغيير سياسي في إيران بالقوة.
وإن كان الكرملين قد غض الطرف عن حادثة خطف مادورو، بل ومن خلال متابعة رد الفعل الروسي على هذه الواقعة، لم يظهر حتى الآن تعليق شخصي من بوتين على خطف الرئيس الفنزويلي وزوجته، وهو أمر يثير بعض التساؤلات.
ومع ذلك فإن المباركة الروسية السريعة لمجتبى خامنئي لا تعني أن روسيا مستعدة للدخول عسكرياً في الدفاع عن إيران، حتى لا يقودنا الانفعال إلى استنتاجات بعيدة عن الواقع. فالموقف الروسي — بحسب قراءة التصريحات والبيانات الرسمية الصادرة عن موسكو — يتشكل ضمن معادلة أكثر تعقيداً تقوم على دعم سياسي ودبلوماسي واضح لطهران، مع الحرص في الوقت نفسه على تجنب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وهذا الفهم للموقف الروسي يستند إلى قراءة التصريحات الرسمية الروسية، وكذلك إلى ما تنقله الصحافة الروسية الكبرى وما يدور من نقاشات داخل الأوساط السياسية في موسكو. وقد ركزت صحف روسية بارزة، على سبيل المثال، على المخاطر الجيوسياسية التي قد تترتب على استمرار الحرب. ويظهر من هذه التحليلات أن هناك إدراكاً داخل روسيا بأن انهيار الدولة الإيرانية قد يؤدي إلى فراغ استراتيجي في الشرق الأوسط. ومن المعروف أن موسكو تنظر إلى إيران بوصفها جزءاً من التوازن الإقليمي الذي يمنع هيمنة قوة واحدة على المنطقة.
نعم، إذا تناولنا الحرب من زاوية اقتصادية بحتة يمكن استنتاج أن ارتفاع أسعار النفط والغاز قد يوفر لروسيا عوائد إضافية في المدى القصير، لكن في الوقت نفسه يبدو من الضروري أن تدرك القيادة الروسية أن أي اضطراب طويل الأمد في المنطقة قد ينعكس سلباً على الاقتصاد العالمي، وأن الضرر في نهاية المطاف قد يطال روسيا نفسها.
واستناداً إلى مواقف سابقة وثابتة للكرملين وبوتين، يبدو أن موسكو تنظر إلى هذه الحرب بوصفها جزءاً من صراع أوسع حول شكل النظام الدولي. فالتصعيد بين واشنطن وطهران يعكس، في أحد أبعاده، التنافس بين القوى الكبرى. ومن هنا يأتي سعي موسكو إلى تثبيت فكرة أن الحرب الحالية ضد إيران تفتقر إلى شرعية قانونية واضحة.
فالحرب، في هذا السياق، ليست سوى حلقة جديدة في الصراع القائم حول شكل النظام الدولي في مرحلة ما بعد الهيمنة الغربية المطلقة التي امتدت لما يقارب أربعة عقود.
وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي تخشاه موسكو فعلاً؟
رغم الخطاب السياسي الروسي الداعم بقوة لإيران، والذي لا يتسم بالحياد، فإن الحسابات الاستراتيجية لموسكو تقوم في الأساس على ضرورة منع سيناريو انهيار الدولة الإيرانية. فروسيا لا ترى في إيران مجرد شريك سياسي أو اقتصادي، بل تعتبر استقرار الجمهورية الإسلامية عاملاً مهماً في التوازنات الأمنية في محيطها الجيوسياسي.
انهيار إيران قد يفتح الباب أمام موجة من عدم الاستقرار تمتد إلى مناطق قريبة من المجال الحيوي الروسي، مثل القوقاز وآسيا الوسطى. كما أن تحقق سيناريو الفوضى داخل إيران سوف يؤثر بلا شك في التوازنات في بحر قزوين، وهي منطقة ترتبط ارتباطاً مباشراً بالمصالح الأمنية الروسية.
ولا ينبغي إغفال أن لدى روسيا مشاريع مهمة في إيران تشمل مجالات الطاقة والسكك الحديدية والطاقة النووية. ولذلك من الطبيعي أن تشعر موسكو بالقلق إزاء أي سيناريو قد يؤدي إلى تغيير جذري في النظام السياسي الإيراني، لأن مثل هذا التغيير قد يضع هذه المشاريع أمام مستقبل غير مضمون. ولدى روسيا تجربة سابقة مؤلمة في هذا السياق، وهي تجربة ليبيا.
ومع ذلك فإن القلق الروسي لا يرتبط فقط بالمصالح الاقتصادية، التي تأتي في مرتبة متأخرة نسبياً في سلم الأولويات الاستراتيجية. فموسكو تدرك أن أي حكومة قد تأتي بعد الجمهورية الإسلامية — وخصوصاً إذا جاءت نتيجة للضغط العسكري الأمريكي الإسرائيلي — ستكون على الأرجح أقل اهتماماً بالعلاقات الوثيقة مع روسيا، وربما أكثر ميلاً إلى التقارب مع الغرب. وتبقى الحالة السورية مثالاً حاضراً على مثل هذه التحولات.
وهناك بعد استراتيجي آخر يتمثل في أن انشغال الولايات المتحدة بصراع جديد في الشرق الأوسط قد يمنح موسكو هامش حركة أوسع في ملفات أخرى، وعلى رأسها ملف أوكرانيا الذي يمثل أولوية ملحة للكرملين. ومع ذلك يبقى هذا التقييم محل نقاش، لأن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك القدرة على إدارة أكثر من أزمة في الوقت نفسه.
ومن خلال متابعة التقديرات الغربية لاحتمال دخول موسكو على خط الحرب، يظهر أن العواصم الغربية لا تعتقد على نطاق واسع أن روسيا ستتدخل عسكرياً إلى جانب إيران. فواشنطن تدرك أن روسيا ليست في موقع يسمح لها بفتح جبهة مواجهة جديدة مع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
أما إسرائيل فهي الأخرى تدرك حدود الدعم الروسي لطهران، على الأقل في هذه المرحلة، ولهذا تحاول تل أبيب تجنب تحويل الصراع إلى مواجهة مباشرة مع موسكو، رغم التوتر الواضح في المواقف السياسية بين الطرفين.
وهذا الإدراك المتبادل يفسر إلى حد كبير سبب بقاء الموقف الروسي — حتى لحظة كتابة هذه السطور — ضمن إطار الدعم السياسي دون الانتقال إلى مستوى المواجهة العسكرية.
لكن يبقى سؤال مشروع يستحق الطرح: هل يمكن أن تقدم روسيا دعماً عسكرياً لإيران؟ وإن حدث ذلك، فمتى؟
يظل هذا السؤال، ونحن في اليوم العاشر من العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، من أكثر الأسئلة حساسية في النقاش الدائر حول إمكانية تقديم روسيا دعماً عسكرياً مباشراً لطهران. ومع ذلك لا توجد حتى الآن مؤشرات على أن موسكو تخطط للتدخل عسكرياً في الحرب. فالعلاقة بين البلدين، رغم أنها تحمل طابع الشراكة الاستراتيجية، لا تقوم من الناحية القانونية على معاهدة دفاع مشترك.
لكن ذلك لا يعني أن التعاون العسكري بين موسكو وطهران غير قائم. فقد شهدت السنوات الماضية مستوى مرتفعاً من التنسيق العسكري بين البلدين في عدة ملفات، أبرزها الملف السوري. كما تعزز التعاون الفني والتقني والعسكري في مجالات متعددة، من بينها الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي.
ومع ذلك فإن تقديم أنظمة دفاع جوي متطورة لإيران — مثل منظومة “إس-400” — في ظل الحرب الحالية قد يحمل مخاطر كبيرة بالنسبة لروسيا، إذ قد يتم تفسيره في واشنطن وتل أبيب على أنه تدخل مباشر في الصراع.
لكن هذا الطرح يطرح بدوره سؤالاً آخر: لماذا لا يحدث ذلك، في وقت قدمت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل لأوكرانيا مختلف أنواع الأسلحة، بدءاً من راجمات “هيمارس” وصولاً إلى صواريخ “باتريوت”، بل وحتى مقاتلات “إف-16″؟
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير