
تشهد بنية النظام الدولي تحولات بنيوية عميقة تنذر بتآكل التماسك داخل المعسكر الغربي نفسه، بعد عقود من الانسجام الظاهري الذي فرضته ثنائية الحرب الباردة، ثم مرحلة الأحادية القطبية. ومع انتقال ثقل التنافس الجيوسياسي نحو الدائرة القطبية الشمالية، لم تعد الخلافات البينية حبيسة الغرف الدبلوماسية، بل تجسدت في بؤر جغرافية محددة، حيث تبرز غرينلاند اليوم بوصفها نقطة احتكاك كاشفة لتصدعات إستراتيجية متنامية بين الولايات المتحدة من جهة، وأوروبا، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي، وبعض دول حلف شمال الأطلسي، من جهة أخرى. أين شكّلت خطوة إدارة دونالد ترمب تجاه غرينلاند بالاستيلاء على هذه الجزيرة مشهدًا غير مألوف داخل البنية الأطلسية، قرأه المراقبون بوصفه مؤشرًا مبكرًا على قابلية نشوب مواجهة جيوسياسية غير مسبوقة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي؟ ففي لحظة بدت فيها الدولة القائدة للحلف في موقع المزعزع لقواعده، اصطف عدد من أعضاء حلف شمال الأطلسي دفاعًا عن السيادة الدنماركية، خشية تحوّل التحالف إلى أداة لإضفاء الشرعية على منطق الاستحواذ داخل فضاء يفترض أنه قائم على الشراكة؛ هذا التمايز داخل الحلف لم يرقَ بدوره إلى قطيعة سياسية، لكنه كشف عن صدع إستراتيجي كامن، وعن استعداد أوروبي متزايد لمساءلة القيادة الأمريكية.
لم تعد غرينلاند مجرد إقليم ناءٍ يتمتع بالحكم الذاتي ضمن مملكة الدنمارك؛ بل تحولت خلال العقد الأخير إلى مساحة ذات قيمة إستراتيجية مركبة، فموقعها في قلب القطب الشمالي يمنحها وظيفة جيوسياسية تتجاوز بعدها المحلي، إذ تشكّل حلقة وصل حاسمة بين أمريكا الشمالية وأوروبا، ونقطة ارتكاز في المحيط المتجمد الشمالي، فضلًا عن كونها خزانًا محتملًا للمعادن النادرة والموارد الطاقوية، في زمن يعاد فيه تشكيل سلاسل الإمداد العالمية على أسس أمنية واقتصادية.
جاء التحول البنيوي في قيمة غرينلاند ليجعلها محل اهتمام أمريكي متزايد، لا يقتصر فقط على الاعتبارات الدفاعية التقليدية، بل يندرج أيضًا ضمن رؤية أوسع لإعادة هندسة النفوذ في “الشمال العالمي”، في ظل تصاعد المنافسة مع قوى كبرى، غير أن الإشكالية لا تكمن في الاهتمام الأمريكي في ذاته، وإنما في الكيفية التي يُدار بها هذا الاهتمام، وحدود انسجامه مع منطق الشراكة الأطلسية.
إن الرغبة الأمريكية في تعزيز السيطرة أو النفوذ المباشر على غرينلاند ليست جديدة تاريخيًّا، لكنها اكتسبت في السنوات الأخيرة طابعًا أكثر صراحة وأقل مواربة، خصوصًا مع الطرح العلني الذي قدّمه دونالد ترامب أول مرة خلال ولايته الأولى عام 2019 بشأن “شراء” غرينلاند، ثم بقرار السيطرة عليها لاحقًا خلال ولايته الثانية. هذا الطرح، وإن بدا للبعض نزوة سياسية، يبدو لترمب في جوهره منطقًا واقعيًّا صريحًا يرى في الجغرافيا أصولًا إستراتيجية قابلة للتملك والإدارة المباشرة متى ما اقتضت المصلحة القومية ذلك.
من المنظور الأوروبي، لا يُقرأ هذا السلوك بوصفه إجراءً دفاعيًّا جماعيًّا، بل بوصفه نزعة أحادية تتجاهل سيادة الدول الأوروبية، وتفرغ مبدأ التشاور داخل التحالف من مضمونه السياسي، فالدنمارك دولة عضو في الناتو، وغرينلاند مشمولة بالحماية التي تنص عليها المادة الخامسة من ميثاق الحلف، ومع ذلك لوّح رئيس الدولة القائدة للحلف بإمكانية الاستحواذ على جزء من أراضي دولة عضو، في سابقة تهز الأساس المعياري للتحالف، وتكشف اختلال ميزان القوة داخله.
مفاجأة وضعت أوروبا أمام معضلة إستراتيجية مزدوجة: من جهة، الحاجة إلى الدفاع عن السيادة والشرعية القانونية، ومن جهة أخرى، إدراك محدودية القدرة على مواجهة الولايات المتحدة خارج الأطر المؤسسية؛ لذلك فإن النقاشات الأوروبية بشأن تعزيز القدرات الدفاعية في القطب الشمالي، بما في ذلك غرينلاند، قد لا تعبّر عن استعداد لمواجهة عسكرية مباشرة، بل عن قلق إستراتيجي أعمق يتمثل في الخشية من التحول إلى طرف ثانوي في قضايا تمس الأمن الأوروبي المباشر.
هنا يبرز التحول التدريجي في الوعي الإستراتيجي الأوروبي، فالاعتماد المطلق على المظلة الأمريكية لم يعد خيارًا غير قابل للنقاش، لا سيما مع التذبذب في السياسات الأمريكية، وصعود النزعات القومية داخلها. ومع ذلك يبقى تحول حذرًا ومجزأ، إذ تفتقر أوروبا إلى أدوات الردع المستقلة الكاملة؛ ما يجعل تحركاتها أقرب إلى رسائل سياسية منها إلى إعادة تموضع إستراتيجي مكتمل.
المفارقة المركزية أن هذا التوتر يتبلور داخل إطار تحالفي يفترض أنه الأكثر تماسكًا في النظام الدولي، فحلف الناتو، في حالة تفاقم الخلاف بشأن غرينلاند، سيجد نفسه أمام اختبار وجودي حقيقي: هل هو تحالف قائم على تقاسم المصالح والالتزامات المتبادلة، أم أداة تخدم في نهاية المطاف أولويات القوة المهيمنة؟ وإذا ما تحولت غرينلاند إلى ساحة صراع إرادات داخل الحلف، فإن ذلك قد يعجّل بإعادة التفكير الأوروبية في مفهوم “الاستقلال الإستراتيجي”، بما يضعف البنية الأطلسية على المدى المتوسط.
من منظور نظري، تكشف أزمة غرينلاند حدود التفسير الليبرالي للعلاقات الدولية، فالليبرالية تفترض أن المؤسسات الدولية، والقيم المشتركة، والاعتماد المتبادل، كفيلة باحتواء الصراعات داخل التحالفات. غير أن الواقع يُظهر أنه حين تتعارض المصالح الإستراتيجية الصلبة مع الالتزامات المؤسسية، تميل القوة إلى تجاوز القواعد. في هذا السياق، تبدو الواقعية أكثر قدرة على تفسير السلوك الأمريكي، بوصفه سلوك قوة كبرى في نظام آخذ في التعدد القطبي، لا قائد تحالف مستقر.
في المقابل، تظل الليبرالية مفيدة في تفسير السلوك الأوروبي، لا من حيث الفعالية، بل من حيث الاتجاه، فأوروبا تسعى إلى احتواء التوتر مؤسساتيًّا، من خلال القانون الدولي، وآليات الناتو، والاتحاد الأوروبي. هذا التداخل بين واقعية أمريكية صريحة وليبرالية أوروبية دفاعية يولّد حالة من “اللا يقين التحالفي”، حيث لا تعود الضمانات الأمنية مطلقة، ولا تكفي القيم المشتركة لضبط السلوك.
وفي هذا الصدد، جاء موقف حكومة غرينلاند واضحًا، إذ شدد رئيس وزرائها على أن العلاقة مع الولايات المتحدة تقوم على مبدأ الدفاع المشترك، لا على الاستحواذ أو التملك، مؤكدًا السيادة الدنماركية والالتزام بالأطر الأطلسية، في محاولة لإثبات قدرة القارة على حماية فضائها الإستراتيجي دون وصاية مباشرة، رغم ما يعتري هذه المساعي من انقسامات داخلية، وتبعية أمنية ممتدة.
وتتسع دائرة القلق الأوروبي مع تصريحات صادرة من شمال القارة، حيث حذّرت إيبا بوش، نائبة رئيس وزراء السويد ووزيرة الطاقة والصناعة، من أن بلادها قد تصبح “الهدف التالي” بعد غرينلاند؛ نظرًا إلى ما تمتلكه من احتياطيات حيوية من المعادن النادرة الضرورية للتكنولوجيا الحديثة. هذا التحذير، وإن بدا تصعيديًّا، يعكس إدراكًا أوروبيًّا متزايدًا بأن الصراع على الموارد قد يعيد تعريف حدود الحليف والخصم.
في المحصلة، لا تمثل غرينلاند سبب الصراع بقدر ما هي ظرف كاشف له؛ فهي تكشف التحول الحادث في العلاقات عبر الأطلسي من شراكة متجانسة إلى علاقة تفاوضية مشوبة بالشك، تُدار فيها الخلافات بأدوات ناعمة، لكنها تحمل آثارًا إستراتيجية عميقة توحي بأن النظام الغربي نفسه قد يدخل مرحلة تفكك بطيء، يكون فيها الصراع الأوروبي- الأمريكي أحد أبرز ملامح القرن الحادي والعشرين.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير