تقدير موقف

لقد بدأ صراع السيطرة على أموال الحرب في كييف

من يعطل السلام في أوكرانيا؟


  • 18 يوليو 2026

شارك الموضوع

من المعروف تاريخيًا أنه ليس من السهل في الحروب الطويلة الفصل بين معركة السلاح ومعركة الرواية؛ لأن كل طرف من أطراف الصراع لا يسعى فقط إلى تحسين موقعه على الأرض، بل يحاول أيضًا إقناع الرأي العام، محليًا وعالميًا، بأنه الطرف الأكثر استعدادًا للسلام، وأن خصمه هو المسؤول عن إطالة أمد الحرب.

وفي هذا السياق، جاءت تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، اليوم الجمعة 17 يوليو (تموز) 2026، خلال المؤتمر الصحفي الذي جمعه بنظيره الأذربيجاني في موسكو، لتندرج ضمن هذا المنطق السياسي والإعلامي.

انتقد كبير الدبلوماسيين الروس بشدة ما نشرته صحيفة «واشنطن تايمز» بشأن الموقف الروسي من الأزمة الأوكرانية، وبلغت حدة اللغة التي استخدمها إلى حد اتهام الصحفيين بأنهم «معدومو الضمير». وللأمانة، كان يقصد الصحفيين الغربيين، وتحديدًا صحفيي الصحيفة الأمريكية.

وعاد الوزير الروسي ليؤكد الرواية الروسية المعروفة بشأن مخرجات لقاء بوتين وترمب، الذي عقد في أغسطس (آب) من العام الماضي في ألاسكا، قائلًا إن موسكو قبلت خلال قمة أنكوريج المقترحات التي قدمها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.

غير أن حلفاء ترمب الأوروبيين، ومعهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، هم – بحسب لافروف – من يحاولون إبعاد الرئيس الأمريكي عن تلك المقترحات وإقناعه بالتراجع عنها.

وأضاف لافروف أن المفاوضين الأمريكيين، ويقصد بهم بالطبع ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وفريقهما، قادرون على تنفيذ المهام التي يكلفهم بها رئيسهم، بينما ستواصل روسيا ما بدأته في أوكرانيا بعد فشل محاولاتها السابقة لتسوية الأزمة بالوسائل السياسية.

في تقديري الشخصي، ومن واقع متابعتي للهجة التي تحدث بها لافروف وتعابير وجهه، فإن تصريحاته لم تكن مجرد رد غاضب من كبير الدبلوماسيين الروس على ما وصفه بمزاعم صحيفة أمريكية، بقدر ما كانت محاولة روسية متجددة لتحميل أطراف محددة، هم القادة الأوروبيون وزيلينسكي، المسؤولية السياسية عن استمرار الحرب.

وتريد موسكو، على لسان وزير خارجيتها، تثبيت رواية محددة مفادها أنها قبلت ما قدمه الرئيس الأمريكي في ألاسكا بوصفه أساسًا أمريكيًا للتسوية يمكن البناء عليه، وأن العقبة أمام استكمال هذا المسار لا تكمن في الكرملين، وإنما في كييف والعواصم الأوروبية التي تخشى، وفق التصور الروسي، من أن يتوصل ترمب إلى صفقة مباشرة مع الرئيس فلاديمير بوتين تتجاوز مصالحها أو تنهي الحرب بشروط لا تقبلها.

ورغم ما يتمتع به هذا الطرح الروسي من قدر من المنطق، فإنه يفرض علينا ألا نمرره من دون تفكيك أو مساءلة. وهنا تبرز عدة أسئلة مشروعة: ماذا قبلت روسيا تحديدًا؟ وعلى ماذا وافق بوتين في ألاسكا؟ وهل كان ما قدمه ترمب خطة سلام متكاملة، أم مجرد مجموعة من المبادئ والأفكار الأولية؟

وهل تضمنت تلك المقترحات وقفًا فوريًا لإطلاق النار، أم اعترافًا بالأمر الواقع الميداني، أم ترتيبات أمنية طويلة الأجل؟ ثم، هل قبلتها موسكو من دون تحفظ، أم وافقت فقط على استخدامها أساسًا لمفاوضات لاحقة؟

هذه الأسئلة ضرورية لفهم ما جرى في ألاسكا، لأننا حتى الآن لا نملك وثيقة منشورة تقدم إجابات واضحة عنها.

ومن ثم، فإن القول إن روسيا قبلت مقترحات ترمب في أنكوريج لا يعني بالضرورة أن اتفاق سلام كان جاهزًا ثم أفشلته أوروبا وأوكرانيا.

بل إن الأدق، في رأيي، استنادًا إلى مجمل التصريحات الروسية الصادرة عن بوتين ولافروف وأوشاكوف وبيسكوف، هو أن موسكو تقول إنها وافقت على إطار أمريكي للحوار، وترى أن هذا المسار تعطل بفعل اعتراض كييف عليه، ورفض بعض العواصم الأوروبية المضي فيه.

أما التفاصيل الكاملة لما دار خلف الأبواب المغلقة بين بوتين وترمب، فما زالت خارج المجال العام، أو على الأقل لم تُنشر بصورة تسمح بتقديم تقييم مستقل لما كان مطروحًا بالفعل.

ومع ذلك، لا ينبغي التقليل من دلالة تصريحات لافروف. فمنذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض، تحاول الدبلوماسية الروسية الفصل بين واشنطن وأوروبا، أو بصورة أدق، توسيع الهوة بين الرئيس الأمريكي والنخب الأوروبية، التي لا تنظر إليها موسكو بوصفها نخبًا مستقلة، بل ترى أنها نشأت تحت رعاية ما تسميه «الدولة العميقة الأمريكية»، ووصلت إلى الحكم في بلدانها باعتبارها جزءًا من التيار العولمي الذي تديره قوى نافذة داخل واشنطن.

وفي مقابل هذه الصورة للنخب الأوروبية، يقدم الكرملين الرئيس الأمريكي بوصفه سياسيًا براغماتيًا تحكمه حسابات المصالح والتكلفة، وينظر إلى الحرب من زاوية التسوية الممكنة، بينما يصور القادة الأوروبيين باعتبارهم الطرف الأكثر إصرارًا على استمرار المواجهة مع روسيا.

ولا تريد أوروبا الحرب لذاتها، بحسب ما أفهمه، لكنها بنت خلال السنوات الماضية جانبًا كبيرًا من سياساتها الدفاعية وإنفاقها العسكري وشرعيتها الأمنية على أساس أن روسيا تمثل تهديدًا طويل الأمد. لذلك، قد تضع أي تسوية سريعة بين موسكو وواشنطن النخب الأوروبية أمام أسئلة صعبة تتعلق بمستقبل حلف شمال الأطلسي «الناتو»، والإنفاق الدفاعي، والعلاقة مع أوكرانيا، ودور الولايات المتحدة في حماية أمن القارة.

لكن هذا الطرح، الذي يمثل جوهر الموقف الروسي كما أفهمه، يتجاهل نقطة مهمة، وهي أن الخلاف لا يتعلق فقط برغبة أوروبا في استمرار الحرب، بل يمتد إلى مضمون التسوية نفسها. فما تعتبره موسكو اعترافًا بالوقائع القائمة على الأرض، تراه أوكرانيا قبولًا بنتائج استخدام القوة العسكرية، وما تسميه روسيا معالجة لجذور الأزمة، تنظر إليه دول أوروبية باعتباره محاولة لفرض قيود دائمة على السيادة الأوكرانية وحق كييف في اختيار تحالفاتها.

لذلك، لا يمكن اختزال المشكلة في أن طرفًا يريد السلام، بينما يرفضه الطرف الآخر، لأن كل طرف يتصور السلام ويعرفه بصورة مختلفة تمامًا. فروسيا تريد تسوية تعترف بالتغيرات الإقليمية والعسكرية التي فرضتها الحرب، وتمنع بصورة قاطعة انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، فضلًا عن إعادة صياغة بنية الأمن الأوروبي بما يراعي المصالح الروسية بعيدة المدى.

أما أوكرانيا، فتريد وقف الحرب من دون إضفاء شرعية قانونية على خسارة أراضيها، وتطالب في الوقت نفسه بضمانات أمنية تمنع تكرار الهجوم عليها. وتخشى الدول الأوروبية أن يقود اتفاق غير متوازن، من وجهة نظرها، إلى تجميد الحرب مؤقتًا، قبل اندلاع مواجهة جديدة بعد عدة سنوات.

وهنا تتحول الدبلوماسية من مجرد بحث عن السلام إلى صراع بين الأطراف المختلفة على تعريف هذا السلام، وتحديد مضمونه وشروطه والنتائج السياسية والأمنية التي ستترتب عليه.

يحاول لافروف تحميل القادة الأوروبيين وزيلينسكي مسؤولية إبعاد ترمب عن مقترحاته، وهذه ليست المرة الأولى التي تقدم فيها موسكو نفسها بوصفها الطرف الذي توصل إلى تفاهم أولي مع واشنطن، قبل أن تتدخل العواصم الأوروبية لإفشاله.

وتخدم هذه الرسالة أكثر من هدف إذا قرأناها بعين سياسية. فهي تخاطب ترمب بصورة مباشرة، وتقول له إن حلفاءه هم من يحاولون تقييد قراره ومنعه من تحقيق الإنجاز الذي وعد به. وفي الوقت نفسه، تهدف رسالة لافروف، غير البريئة سياسيًا بالطبع، إلى تعميق التباينات داخل المعسكر الغربي، ولا سيما بين إدارة أمريكية تسعى إلى خفض تكاليف الحرب، وأوروبا ترى أن الصراع الأوكراني يمس أمنها المباشر.

ويحاول لافروف أيضًا نزع صفة الطرف المعطل للسلام عن موسكو، وتقديم العمليات العسكرية الروسية بوصفها نتيجة لفشل الغرب في الاستجابة للمبادرات الروسية، لا باعتبارها سعيًا روسيًا إلى تغيير الواقع بالقوة.

لكن لافروف نفسه قال إن روسيا ستنجز «عملها» في أوكرانيا، وهي عبارة تكشف أن التفاوض، من وجهة النظر الروسية، لا يمثل بديلًا عن الضغط العسكري، بل مسارًا يعمل بالتوازي معه، وهو ما أشرت إليه مرارًا في مقالات سابقة عند تفكيك الموقف الروسي وتبسيطه.

بمعنى آخر، يقول بوتين والكرملين إن روسيا مستعدة للتفاوض، لكنها لن توقف القتال الذي يؤدي، في لحظة كتابة هذه السطور، إلى تحسين موقعها الميداني، قبل أن تضمن أن التسوية النهائية ستعكس هذا الموقع والواقع الذي تشكل على الأرض.

وهذا منطق مألوف في الحروب، لكنه يوضح أيضًا لماذا يصعب التوصل إلى وقف سريع لإطلاق النار في أوكرانيا. فكل طرف يخشى أن يمنح خصمه هدنة يستخدمها لإعادة بناء قدراته، ويعتقد في الوقت نفسه أن المزيد من الضغط العسكري قد يحسن شروطه على طاولة المفاوضات.

المثير في تصريحات لافروف اليوم أنها تزامنت، على الضفة الأخرى، مع ازدياد تعقيد المشهد السياسي الداخلي في أوكرانيا، إلى جانب تعقيداته العسكرية.

فقد أقال زيلينسكي وزير الدفاع الشاب ميخايلو فيدوروف، الذي لم يتجاوز الخامسة والثلاثين من عمره، بعد ستة أشهر فقط من توليه المنصب.

وأثارت هذه الإقالة جدلًا واسعًا، ليس فقط لأنه أصبح خامس وزير دفاع منذ اندلاع الحرب، وإنما أيضًا لأن الرجل ارتبط، في الداخل والخارج، بمشروع تحديث المؤسسة العسكرية الأوكرانية.

ففيدوروف، بحسب ما اطلعت عليه من تقارير، لم يكن وزير دفاع تقليديًا، بل ارتبط اسمه برقمنة الدولة، وتطوير قطاع الطائرات المسيّرة، وإدخال الحلول التكنولوجية إلى القوات المسلحة، وتسريع التعاقد مع الشركات المحلية والغربية، ومحاولة إعادة هيكلة منظومة المشتريات الدفاعية.

ولهذا السبب، لا يجوز التعامل مع إقالته باعتبارها إجراءً إداريًا عاديًا داخل مؤسسات الدولة.

وتتحدث الرواية الرسمية وشبه الرسمية، بحسب المعلومات التي تمكنت من الاطلاع عليها، عن خلاف عميق بينه وبين القائد العام للقوات المسلحة أولكسندر سيرسكي، إلى جانب تعثر بعض ملفات إصلاح مراكز التجنيد، وإبرام تعاقدات لا تتوافق دائمًا مع أولويات هيئة الأركان.

كما ترددت معلومات تفيد بأن زيلينسكي أبلغ نواب حزبه بأن الحل الأمثل كان يتمثل في تغيير وزير الدفاع والقائد العام معًا، لكنه لم يكن يستطيع إقالتهما في توقيت واحد، خشية أن يؤدي ذلك إلى زعزعة استقرار القيادة العسكرية في لحظة شديدة الحساسية.

وإذا صحت هذه الرواية، فإن الرئيس الأوكراني فضل الحفاظ على الاستمرارية داخل المؤسسة العسكرية، على حساب الوزير الذي كان يمثل تيار التحديث التكنولوجي.

لكن هذه ليست كل القصة، فجوهر الخلاف بين فيدوروف وسيرسكي يعكس صراعًا بين نموذجين مختلفين لإدارة الحرب داخل أوكرانيا.

النموذج الأول هو النموذج التقليدي، وريث المدرسة السوفيتية، الذي يقوم على المركزية العسكرية الصارمة، والتسلسل الهرمي، وإدارة الجبهة وفق حسابات القوى البشرية، والمدفعية، والسيطرة على الأرض.

أما النموذج الثاني، الذي يمثله فيدوروف وروبرت «ماديار» بروفدي، قائد قوات المسيّرات، وغيرهما، فيركز على الطائرات المسيّرة، والذكاء الاصطناعي، وسرعة الابتكار، وربط الوحدات الميدانية بالشركات التكنولوجية، ومنح القادة في المستويات الأدنى مساحة أكبر للحصول على الأدوات التي يحتاجون إليها بسرعة.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن أحد النموذجين صحيح والآخر خاطئ بالكامل، فالجيش يحتاج إلى الانضباط والقيادة المركزية، كما يحتاج في الوقت نفسه إلى الابتكار والمرونة وسرعة التطوير.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الخلاف المهني بين المؤسسة العسكرية والقيادة السياسية إلى صراع شخصي أو معركة نفوذ داخل الدولة.

ولهذا ذهبت افتتاحية صحيفة «فايننشال تايمز» إلى أن التعديلات الحكومية المتكررة تضر بالمجهود الحربي الأوكراني، وأن زيلينسكي أصبح يميل إلى تفضيل الولاء على الكفاءة، وينظر إلى الشخصيات التي تمتلك شعبية مستقلة باعتبارها مصدرًا محتملاً للتهديد السياسي.

وفي رأيي، هنا يكمن جوهر القرار الذي اتخذه زيلينسكي. وتزداد أهمية هذه القراءة لأنها لم تصدر عن وسيلة إعلام روسية، بل عن صحيفة غربية مؤثرة دعمت أوكرانيا طوال سنوات الحرب، ولا يمكن اتهامها بالانحياز للرواية الروسية.

وترى الصحيفة أن فيدوروف ربما كان أحد أكثر الوزراء الأوكرانيين فاعلية، وأن إبعاده لا يمكن تفسيره فقط بنتائج أدائه داخل الوزارة، بل يرتبط أيضًا بصعوده السياسي، وظهوره باعتباره مرشحًا رئاسيًا محتملاً، وهو ما جعله مصدر قلق متزايد لمكتب الرئيس الأوكراني.

ومن هذا المنطلق، تبدو المسألة بالنسبة إلى زيلينسكي أوسع من مجرد إدارة للحرب، لتصبح أيضًا جزءًا من حسابات السياسة الداخلية.

ففي ظروف الحروب الطويلة، تميل السلطة إلى التركز داخل مؤسسة الرئاسة، بينما تتحول الشخصيات الناجحة في ملفات الدفاع أو التكنولوجيا إلى مراكز نفوذ مستقلة.

وكلما ازدادت شعبية الوزير، واتسعت علاقاته مع الشركاء الغربيين، أصبح أكثر قدرة على الحركة خارج الإطار الذي يرسمه مكتب الرئيس.

وهنا يواجه زيلينسكي معادلة شديدة التعقيد؛ فهو يحتاج إلى مسؤولين أقوياء وقادرين على إدارة مؤسسات الدولة بكفاءة، لكنه يخشى، في الوقت نفسه، أن يتحول هؤلاء إلى منافسين سياسيين بمجرد انتهاء الأحكام العرفية وعودة الانتخابات.

ويقول المثل المصري: «إن جاءك الطوفان، فضع ابنك تحت قدميك».

ومع ذلك، وفي تقديري الشخصي، وبناءً على مجمل ما قرأته عن هذه القضية، لا يمكن تفسير إقالة فيدوروف بعامل واحد. فالسبب الأقرب يتمثل في تداخل ثلاثة اعتبارات رئيسية.

الاعتبار الأول هو وجود خلاف حقيقي مع سيرسكي حول إدارة الحرب، وأولويات التسليح، وآليات التجنيد، وطبيعة تطوير القوات المسلحة. أما الاعتبار الثاني، فيتمثل في رغبة زيلينسكي في إحكام السيطرة على مؤسسة الدفاع، ومنع ظهور مراكز نفوذ مستقلة قد تتحول مستقبلًا إلى منافسين سياسيين داخل أجهزة الدولة.

أما الاعتبار الثالث، وهو الأكثر أهمية في تقديري، فيرتبط بإعادة توزيع العقود، والموارد، والصلاحيات، في لحظة تستعد فيها أوكرانيا لاستقبال موجات جديدة من التمويل الأوروبي والغربي، تصل قيمتها إلى مئات المليارات من الدولارات. وهنا لا يتعلق الأمر، في رأيي، بمحاربة الفساد بقدر ما يتعلق بإحكام السيطرة على مراكز اتخاذ القرار وآليات إدارة هذه الموارد.

وقد قدمت لنا التجربة الأوكرانية درسًا مهمًا في هذا السياق. فالدول التي تخوض حروبًا طويلة، وتتلقى في الوقت نفسه تدفقات مالية وعسكرية ضخمة من الخارج، يصبح التحكم في وزارة الدفاع تحكمًا في المال والسلاح والعلاقات الخارجية والمعلومات، أي في أهم مصادر القوة السياسية داخل الدولة.

ومن هذا المنطلق، يبدو أن زيلينسكي يسعى، بناءً على ما يقدمه له مستشاروه المقربون، إلى تشكيل فريق يدين له بقدر أكبر من الولاء، حتى وإن جاء ذلك على حساب استقلالية المؤسسات، أو أدى إلى تحويل كل شخصية ناجحة إلى مصدر تهديد سياسي محتمل.

وليس هذا جديدًا في المشهد الأوكراني، فقد شهدنا نمطًا مشابهًا مع القائد العام السابق للقوات المسلحة فاليري زالوجني، الذي حظي بشعبية واسعة داخل أوكرانيا وخارجها، قبل أن تنتهي علاقته بالرئاسة بالصورة التي يعرفها الجميع.

وفي المقابل، لا يمكن فصل هذه التطورات الداخلية عن السياق الدولي الأوسع. ففي الوقت الذي تحاول فيه موسكو إقناع العالم بأنها ليست الطرف الذي يعطل السلام، تشهد كييف صراعًا داخليًا متزايدًا حول إدارة الحرب، وتوزيع النفوذ، وإعادة تشكيل مراكز القوة داخل الدولة.

وبذلك، تصبح الحرب الأوكرانية أكثر تعقيدًا من مجرد مواجهة عسكرية بين روسيا وأوكرانيا. فهي تدور في الوقت نفسه داخل مؤسسات كييف، وبين واشنطن والعواصم الأوروبية، كما تدور أيضًا في ميدان الخطاب الدبلوماسي، حيث يحاول كل طرف فرض روايته بشأن أسباب استمرار الحرب وشروط إنهائها.

ولهذا، فإن السؤال الأكثر دقة ليس: من يريد السلام؟

بل: أي سلام يريده كل طرف؟

أما السؤال الذي سيحسم شكل المرحلة المقبلة، فهو: من سيمتلك النفوذ والمال والسلاح عندما تبدأ المفاوضات الحقيقية؟

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع