مقالات المركز

من وعد بلفور إلى ضم الضفة وغزة.. هل تُكمل بريطانيا “المهمة” التي بدأت عام 1948؟


  • 17 مايو 2026

شارك الموضوع

اعترفت المملكة المتحدة رسميًا بفلسطين في عام 2025، بهدف حماية قابلية حل الدولتين وخلق مسار نحو سلام دائم للشعبين الإسرائيلي والفلسطيني. ومع ذلك، يرى كثيرون أن هذا الإجراء جاء متأخرًا للغاية، وأنه غير كافٍ قياسًا بحجم التحولات الجارية على الأرض.

في 19 أبريل (نيسان)، ترأس وزير الدفاع ووزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، حفلًا في مستوطنة غير شرعية في الضفة الغربية المحتلة، وقال: “إننا نلغي وصمة عار الطرد، ونقضي على فكرة الدولة الفلسطينية، ونعود إلى مستوطنة سانور”.

وبموجب القانون الدولي، تُعد المستوطنات التي يقطنها اليهود الإسرائيليون في الضفة الغربية غير قانونية. لكن ذلك لم يمنع إسرائيل من الاستيلاء على المزيد من الأراضي في الضفة الغربية وقطاع غزة.

ومنذ تكثيف العمليات العسكرية الإسرائيلية في يناير (كانون الثاني) 2025، جرى استهداف اللاجئين الفلسطينيين بشكل منهجي، ما أدى إلى عمليات ترحيل جماعي من المخيمات في شمال الضفة الغربية. وإلى جانب حظر وكالة الإغاثة الإنسانية “الأونروا”، أُجبر 40 ألف فلسطيني على ترك منازلهم، في أكبر عملية تهجير قسري تشهدها الضفة الغربية منذ عام 1967.

وتحب المملكة المتحدة تصوير حكومتها على أنها ديمقراطية ليبرالية تتمتع بالحرية الدينية والاحترام العميق لحقوق الإنسان. ومع ذلك، فإنها تدعم إسرائيل بصورة عمياء، رغم أن الأخيرة حرمت أكثر من خمسة ملايين فلسطيني من حقوقهم الإنسانية الأساسية وحريتهم الدينية. فالديمقراطية لا تتغاضى عن الاحتلال، كما أن الاحتلال لا يمكن الدفاع عنه قانونيًا.

وفي عام 2024، اعتبرت محكمة العدل الدولية أن احتلال الضفة الغربية غير قانوني، ودعت إلى إنهائه فورًا. لكن المملكة المتحدة لم تتخذ أي خطوات لفرض عقوبات على إسرائيل لإجبارها على التغيير.

وتُعد الولايات المتحدة الداعم الأكبر لإسرائيل، وحتى أثناء الإبادة الجماعية في غزة، استمرت الأموال والأسلحة الأمريكية في التدفق إلى تل أبيب. وكانت المملكة المتحدة، تقليديًا، تابعًا وفيًا لكل سياسة تُصاغ في واشنطن. وقد وصفها نقاد بأنها “كلب مطيع” (Lap Dog) للولايات المتحدة، إذ تواصل لندن دعم إسرائيل بغض النظر عن ازدرائها للديمقراطية وحقوق الإنسان.

وتشعر بريطانيا العظمى بذنب وعار تاريخيين حيال دورها في تدمير فلسطين وتأسيس إسرائيل، وهو شعور يشبه الإحساس الجماعي بالذنب الذي يعيشه جزء من المجتمع الألماني عند النظر إلى أحداث الحرب العالمية الثانية والهولوكوست.

وفي عام 1948، طُرد ما لا يقل عن 750 ألف فلسطيني خلال فترة إنهاء الانتداب البريطاني. وسمحت بريطانيا بتأسيس دولة إسرائيل، رغم مسؤوليتها القانونية والأخلاقية عن حماية السكان في مواجهة التطهير العرقي. وخلال الانتداب البريطاني على فلسطين، ساعد البريطانيون في الهجرة الجماعية لليهود الأوروبيين، في حين وعدوا السكان العرب الأصليين بالحرية والاستقلال مقابل القتال إلى جانب القوات البريطانية والأمريكية لهزيمة ألمانيا والدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى. انتصر العرب في الحرب عام 1917، لكنهم حصلوا، بدلًا من الاستقلال، على الاحتلال البريطاني والفرنسي.

وتعهد وعد بلفور عام 1917 بإقامة وطن قومي للشعب اليهودي. وتأسست فلسطين البريطانية عام 1920 من ذلك الجزء من الدولة العثمانية الذي مُنح للبريطانيين لإدارته بعد الحرب العالمية الأولى. وبحلول عام 1936، كانت فلسطين البريطانية تعيش حالة من الفوضى؛ فبعد تصاعد الهجرة اليهودية والهيمنة الاقتصادية، ثار الفلسطينيون العرب ضد البريطانيين وهاجموا المنشآت العسكرية.

وفي مايو (أيار) 1948، غادرت بريطانيا فلسطين وسلمت السلطة، ما مكّن الميليشيات الصهيونية المسلحة من فرض سيطرتها، وهو ما أسفر عن “النكبة”، المصطلح المستخدم لوصف طرد ما لا يقل عن 750 ألف فلسطيني من ديارهم وتحويلهم إلى لاجئين.

وفي عام 2011، بدأت الحرب الأمريكية-البريطانية على سوريا، حيث عمل الرئيس الأمريكي باراك أوباما ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون كفريق واحد لدعم المقاتلين الذين توجهوا إلى سوريا بهدف إسقاط الحكومة، بما يخدم المصالح الإسرائيلية. وكانت سوريا تمثل طريقًا لنقل الأسلحة والإمدادات القادمة من إيران إلى لبنان. واستخدمت المملكة المتحدة فرع جماعة الإخوان المسلمين في سوريا للتنسيق بين الجماعات السياسية والمسلحة التي استُخدمت في مشروع تغيير النظام.

وقد سُمح لمئات المواطنين البريطانيين بالذهاب إلى سوريا للقتال خدمة للأهداف العسكرية الأمريكية-البريطانية. كما قدم خبراء عسكريون وعناصر استخبارات بريطانيون إمدادات وخدمات أساسية للجماعات المسلحة. كذلك جرى توفير صور الأقمار الصناعية البريطانية مجانًا للمقاتلين المسلحين، الذين صُنّفوا داخل لندن جماعات إرهابية، بينما جرى تقديمهم على الأراضي السورية باعتبارهم “مقاتلين من أجل الحرية”. وبحلول عام 2018، عاد ما لا يقل عن 400 مقاتل بريطاني من سوريا، ما خلق كابوسًا للأمن القومي البريطاني.

واليوم، تعيش المملكة المتحدة حالة من الاضطراب السياسي، وتُعد أيديولوجية التطرف الإسلامي إحدى القضايا الرئيسية التي سُمح لها بالازدهار داخل البلاد. ويشعر كثير من البريطانيين غير المسلمين بالتهديد، ويرون أن حكومتهم لم تتخذ أي خطوات ملموسة لحماية حقوقهم.

وفي عام 2015، أصدرت الحكومة البريطانية مراجعة خلصت إلى أن جماعة الإخوان المسلمين تعمل كمنظمة متطرفة، وأن جوانب من أيديولوجيتها تتعارض بصورة مباشرة مع القيم البريطانية للديمقراطية العلمانية. ومع ذلك، وتحت ضغط جماعة الإخوان المسلمين، التي تمتلك نفوذًا داخل المجتمع البريطاني وبعض الجمعيات الخيرية والمؤسسات، لم يتم حظر الجماعة.

كما استخدمت المخابرات البريطانية جماعة الإخوان المسلمين في الأربعينيات والخمسينيات أداةً للنفوذ في مواجهة التحركات السياسية في مصر وأماكن أخرى، بعد إجراء اتصالات مع الجماعة عام 1941، والبدء في تمويلها عام 1942.

وفي عام 1956، كُشف عن عملاء بريطانيين ضالعين في مؤامرة مناهضة للرئيس المصري جمال عبد الناصر، حيث حاولوا تدبير عملية “راية مزيفة” عبر تشجيع طلاب متطرفين على الاحتجاج، مع وجود خطة لتدخل بريطاني لاحق. ولم يبتكر البريطانيون جماعة الإخوان المسلمين في الأصل، لكنهم كانوا مهتمين بالسماح لها بالازدهار من أجل الاستفادة منها سياسيًا. وربما يشكل هذا الرابط التاريخي بين الحكومة البريطانية والجماعة أحد العوامل التي تفسر امتناع لندن عن حظرها بالكامل حتى اليوم.

ويصف محللون الاستراتيجية الحكومية الإسرائيلية الحالية بأنها عملية ضم “بحكم الأمر الواقع” للضفة الغربية. وقد سرّع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الجهود الرامية إلى دمج الضفة الغربية تحت السيطرة الإدارية الإسرائيلية.

وفي وقت سابق من هذا العام، وافقت حكومة نتنياهو على تسجيل الأراضي في الضفة الغربية للمرة الأولى منذ عام 1967، حيث يُطالب الفلسطينيون بتقديم ما يثبت ملكيتهم لمنازلهم أو أراضيهم، وإلا يمكن مصادرتها باعتبارها “أراضي دولة”.

لقد ظل الفلسطينيون في حيازة مستمرة لمنازلهم وأراضيهم لمئات السنين، ومع ذلك تستخدم إسرائيل هذا الوجود التاريخي، الذي يسبق وصول اليهود الأوروبيين بفترة طويلة، ذريعة للاستيلاء على الأرض.

كما ترغب حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة في ضم غزة، لكن بسبب تدخل الرئيس الأمريكي ترمب، فإنها لم تتخذ إجراءات رسمية حتى الآن. وقد دعا سموتريتش علنًا إلى ضم غزة وإقامة مستوطنات يهودية إسرائيلية فيها.

وخلف الكواليس، ينتظر الإسرائيليون فشل “مجلس السلام” التابع لترمب، وفشل قوة الاستقرار الدولية في فرض واقع مستقر على الأرض. وعندما يحين الوقت المناسب، سيتحرك الإسرائيليون للسيطرة على غزة بصورة دائمة.

وإذا كانت نكبة عام 1948 تمثل “الجزء الأول” من التواطؤ البريطاني في تدمير فلسطين، فإن الضم الحالي للضفة الغربية بحكم الأمر الواقع يمثل “الجزء الثاني”. وحتى الآن، لم تتخذ المملكة المتحدة أي خطوات حقيقية لتحدي إسرائيل أو فرض عقوبات عليها بسبب خطة حكومتها الرامية إلى ضم غزة والضفة الغربية معًا. وتلتزم لندن الصمت في مواجهة التدمير النهائي لفلسطين، وكأن البريطانيين ينهون أخيرًا المهمة التي بدأوها عام 1948.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع