تقدير موقف

من موسكو وكييف إلى أنقرة… فهل تستطيع واشنطن إعادة فتح مسار التسوية الروسية-الأوكرانية؟


  • 6 يوليو 2026

شارك الموضوع

أجرى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب اتصالًا مع كلٍّ من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في الرابع من يوليو (تموز) 2026. ولم يكن هذان الاتصالان مجرد عودة جديدة إلى دبلوماسية الاتصالات، بقدر ما نرى أنهما يعكسان محاولة أمريكية لإعادة فتح مسار سياسي فقد جزءًا كبيرًا من أهميته خلال الأشهر الماضية، وذلك في وقت تستعد فيه أنقرة لاستضافة قمة حلف شمال الأطلسي يومي السابع والثامن من يوليو.

وتحركت واشنطن بين موسكو وكييف خلال الساعات القليلة الماضية، قبل أن تنتقل المناقشات إلى أنقرة، حيث من المقرر أن يُستكمل الحوار الأمريكي-الأوكراني على هامش القمة. وفي ظاهر المشهد، يبدو هذا التحرك محاولة لإحياء مفاوضات توقفت عمليًّا منذ جولات أبوظبي وجنيف، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن إشكالية أوسع تتعلق بقدرة الولايات المتحدة على الانتقال من مجرد إدارة الاتصالات بين طرفي الحرب إلى إعادة بناء مسار تسوية حقيقي.

فواشنطن لا تتحرك اليوم بين طرفين ينتظران منها صيغة جاهزة للحل، وإنما بين موسكو، التي لا تزال ترى أن الميدان يمنحها قدرة أكبر على تحسين شروطها، وكييف، التي تريد عودة الدور الأمريكي، لكنها تخشى أيضًا أن تتحول هذه العودة إلى ضغوط تدفعها إلى قبول تسوية لا تعكس رؤيتها لمستقبل الحرب. وبين الطرفين، يستعد حلف شمال الأطلسي في أنقرة لمناقشة زيادة الإنفاق الدفاعي، وتعزيز قدراته العسكرية، واستمرار دعم أوكرانيا، بالتوازي مع الحديث عن إحياء المسار الدبلوماسي.

وهنا لا يتعلق التساؤل فقط بقدرة واشنطن على جمع موسكو وكييف من جديد، وإنما أيضًا بمدى قدرتها على تحويل الاتصالات المتفرقة إلى عملية سياسية يمكنها إعادة صياغة شروط الصراع. فهل تمثل التحركات الأخيرة بداية فعلية لمسار تسوية، أم أنها مجرد محاولة أمريكية لإعادة تنظيم الحرب وإدارتها من موقع أكثر قدرة على التحكم في اتجاهاتها؟

عودة إلى مسار لم يُغلق بالكامل

مع بداية عام 2026، اتضح أن الإدارة الأمريكية تحاول الانتقال من مرحلة إدارة الحرب إلى اختبار إمكانات التسوية. فقد عُقدت جولتان من المفاوضات في أبوظبي، ثم انتقلت المحادثات إلى جنيف في فبراير (شباط)، في محاولة للوصول إلى تفاهمات بشأن القضايا الأكثر تعقيدًا، وفي مقدمتها الأراضي، والضمانات الأمنية، ومستقبل العلاقة بين أوكرانيا وحلف شمال الأطلسي.

لكن هذه الجولات لم تصل إلى اختراق سياسي حقيقي. فعلى الرغم من استمرار الاتصالات، ووصف بعض الاجتماعات بأنها بنّاءة، ظلت الفجوة واسعة بين الطرفين، ولا سيما بشأن مستقبل إقليم دونباس، والترتيبات الأمنية لما بعد الحرب.

ومع اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، وتحول جزء كبير من الاهتمام والموارد الدبلوماسية الأمريكية نحو الشرق الأوسط، فقد المسار الروسي-الأوكراني زخمه تدريجيًّا. كما توقفت المفاوضات الأمريكية-الروسية-الأوكرانية فعليًّا بعد جولة فبراير (شباط)، قبل أن تعلن موسكو في يونيو (حزيران) استعدادها لاستئنافها من النقطة التي توقفت عندها. ولذلك، فإن الاتصالات الأخيرة لا تمثل بداية مسار جديد تمامًا، وإنما محاولة للعودة إلى مسار تعثر قبل أن يصل إلى مرحلة الحسم.

كما أن هذه العودة تجري هذه المرة في إطار مختلف؛ فقد أظهرت التجربة السابقة أن مجرد جمع الأطراف إلى طاولة التفاوض لا يكفي لإنتاج تسوية، وأن وجود وسيط قوي لا يلغي حقيقة أن موسكو وكييف ما زالتا تنظران إلى الميدان بوصفه جزءًا من العملية التفاوضية نفسها. فكل طرف لا يزال يسعى إلى تحسين موقعه قبل الدخول في أي تفاوض جاد، وهو ما يجعل الدبلوماسية مرتبطة بتطور العمليات العسكرية، لا منفصلة عنها.

لماذا العودة الأمريكية الآن؟

يكتسب توقيت العودة الأمريكية أهمية خاصة؛ إذ يأتي هذا التحرك قبل قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، وفي ظل مجموعة من التحولات التي تضغط على جميع الأطراف، بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها.

فقد تراجعت أولوية الملف الأوكراني خلال الأشهر الماضية نتيجة انشغال واشنطن بالحرب مع إيران وتداعياتها على أمن الخليج، وأسواق الطاقة، والعلاقات مع الحلفاء. غير أن هذا التراجع لم يؤدِّ إلى تجميد الحرب، بل استمرت العمليات العسكرية، في حين ظل غياب المسار السياسي يسمح لكل طرف بالتمسك برؤيته، من دون وجود إطار تفاوضي قادر على اختبار حدود هذه المواقف.

كما تدخل واشنطن قمة أنقرة في ظل توترات داخل حلف شمال الأطلسي تتعلق بتقاسم الأعباء، والإنفاق الدفاعي، وتراجع مستوى الاعتماد الأوروبي الكامل على الولايات المتحدة في أمن القارة. وفي المقابل، تسعى الدول الأوروبية إلى إظهار استعدادها لتحمل مسؤولية أكبر في مجال الدفاع، في الوقت الذي تركز فيه القمة على زيادة القدرات العسكرية، وتطوير الصناعات الدفاعية، واستمرار دعم أوكرانيا.

ومن هنا تظهر المفارقة الأساسية.

فواشنطن تحاول إعادة تنشيط مسار التسوية مع موسكو وكييف، في الوقت الذي يستعد فيه حلف شمال الأطلسي لتعزيز قدراته العسكرية وزيادة دعمه لأوكرانيا. ولذلك، لا يبدو أن التحرك الأمريكي يمثل انتقالًا من الضغط إلى الدبلوماسية، وإنما محاولة للجمع بين المسارين.

ومن ثم، قد لا تكون عودة واشنطن إلى المفاوضات تعبيرًا عن قناعة بأن الحرب أصبحت قريبة من نهايتها، بقدر ما تعكس إدراكًا بأن استمرار الحرب في غياب مسار سياسي أصبح أكثر صعوبة.

موسكو… التفاوض من داخل الميدان

لا يبدو الموقف الروسي رافضًا للتفاوض؛ إذ أكد وزير الخارجية سيرغي لافروف، في يونيو (حزيران)، استعداد موسكو لاستئناف المحادثات من حيث توقفت، كما رحبت القيادة الروسية باستمرار قنوات الاتصال مع واشنطن. وأشار الكرملين، عقب الاتصال بين بوتين وترمب، إلى أن موسكو ترغب في الوصول إلى تسوية سياسية ودبلوماسية. غير أن الانفتاح الروسي على التفاوض لا يعني وجود استعداد لتغيير شروط التسوية.

فقبل أيام فقط من الاتصال بين بوتين وترمب، أعاد الكرملين التأكيد أن الموقف الروسي لم يتغير، وأن أي اتفاق يجب أن يتضمن انسحاب القوات الأوكرانية من المناطق الأربع التي تعتبرها موسكو جزءًا من الأراضي الروسية، إلى جانب تخلي كييف عن طموح الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي. كما لا تزال روسيا تتمسك بالسيطرة الكاملة على إقليم دونباس، وهو ما ترفضه أوكرانيا.

ومن ثم، يمكن فهم الموقف الروسي من خلال الفصل بين الاستعداد للتفاوض والاستعداد للتنازل.

فموسكو تريد استمرار العملية السياسية، لكنها تريدها وفق موازين القوة التي تشكلت خلال الحرب، ولا تبدو مستعدة للدخول في تسوية تعيد الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل اندلاعها. ولذلك، تستمر في الربط بين العمليات العسكرية والمسار الدبلوماسي، إذ يمثل الضغط الميداني وسيلة لتحسين شروط التفاوض، لا عقبة أمامه. وهذا يعني أن روسيا لا تنظر إلى التفاوض بوصفه بديلًا عن الحرب، وإنما امتدادًا لها بأدوات مختلفة.

فكل تقدم على الأرض يمكن أن يتحول إلى ورقة تفاوضية، وكل فترة تأخير يمكن استثمارها لاختبار قدرة أوكرانيا على الاستمرار، ومدى استعداد الولايات المتحدة وأوروبا لمواصلة تقديم الدعم.

كما أن عودة واشنطن إلى التواصل المباشر مع موسكو تمنح روسيا مكسبًا سياسيًا في حد ذاته، لأنها تعيد تثبيت فكرة أن أي تسوية للأزمة الأوكرانية لا يمكن أن تتم من دون تفاهم مباشر بين موسكو وواشنطن.

ولذلك، فإن السؤال بالنسبة إلى روسيا قد لا يكون: هل تعود إلى المفاوضات؟ وإنما: بأي شروط تعود إليها؟ وما الذي يمكن أن تحققه من خلال التفاوض بعدما عجزت الحرب، حتى الآن، عن تحقيق الحسم الكامل؟

كييف… الحاجة إلى واشنطن والخوف من ضغوطها

من ناحية أخرى، جاء موقف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أكثر وضوحًا في التأكيد على أهمية الدور الأمريكي؛ إذ أشار، عقب اتصاله بترمب، إلى وجود فرصة حقيقية لإنهاء الحرب، وأن الحسم الأمريكي سيكون عاملًا أساسيًا في هذا المسار التفاوضي. كما اتفق الجانبان على استكمال المناقشات خلال قمة أنقرة. غير أن الموقف الأوكراني يحمل بدوره تناقضًا واضحًا.

فكييف تريد من الولايات المتحدة أن تدفع مسار المفاوضات، لكنها لا تريد أن تتحول الوساطة الأمريكية إلى وسيلة للضغط عليها من أجل قبول تسوية ترى أنها تعكس المكاسب الروسية على الأرض.

ولهذا، تجمع أوكرانيا بين المطالبة بالدبلوماسية والمطالبة بزيادة الضغط العسكري على موسكو. ففي الوقت نفسه الذي تحدث فيه زيلينسكي عن أهمية الدور الأمريكي في إنهاء الحرب، طالب باستمرار الدعم في مجال الدفاع الجوي، وتشديد الضغوط لإجبار روسيا على التفاوض. ولا تبدو هذه المواقف متناقضة من وجهة النظر الأوكرانية، إذ ترى كييف أن قدرتها على التفاوض ترتبط مباشرة بقدرتها على الصمود، وأن الدخول في المفاوضات من موقع عسكري ضعيف قد يحول التسوية إلى اعتراف بالأمر الواقع، بدلًا من الوصول إلى اتفاق متوازن.

فالمشكلة بالنسبة إلى كييف لا تتعلق فقط بمكان توقف العمليات العسكرية، وإنما بما سيحدث بعد ذلك. وأي اتفاق لا يتضمن ضمانات أمنية طويلة الأمد قد يُنظر إليه باعتباره مجرد هدنة مؤقتة تسمح بإعادة بناء القدرات قبل عودة الحرب. ولذلك، تبقى الضمانات الأمنية جوهر الموقف الأوكراني.

ومن ثم، لا تسعى أوكرانيا إلى وقف الحرب فقط، وإنما إلى تحديد موقعها داخل النظام الأمني الأوروبي بعد الحرب. وهذا ما يجعل ملف العلاقة مع حلف شمال الأطلسي أحد أكثر الملفات تعقيدًا، لأنه يمثل بالنسبة إلى كييف ضمانة أمنية، بينما تراه موسكو أصلًا من أصول الأزمة وتهديدًا مباشرًا لأمنها.

أنقرة بين الناتو والوساطة

تكتسب أنقرة أهمية تتجاوز مجرد استضافة قمة حلف شمال الأطلسي. فتركيا من الدول القليلة داخل الحلف التي حافظت على علاقاتها السياسية والاقتصادية المفتوحة مع روسيا، كما واصلت علاقاتها مع أوكرانيا ودعمها داخل الإطار الأطلسي. وسبق أيضًا أن استضافت مسارات تفاوضية بين موسكو وكييف، وتحاول خلال المرحلة الراهنة إعادة تنشيط دورها بوصفها وسيطًا قادرًا على التواصل مع الطرفين.

وقد أكدت القيادة التركية، في نهاية يونيو (حزيران)، أنها تعمل على استئناف المفاوضات وإحياء العملية الدبلوماسية بهدف الوصول إلى سلام دائم بين روسيا وأوكرانيا. وفي الوقت نفسه، تستضيف أنقرة قمة يركز جدول أعمالها على زيادة الإنفاق الدفاعي، وتوسيع الصناعات العسكرية، واستمرار الدعم طويل الأمد لأوكرانيا. وهنا تتحول أنقرة إلى نقطة التقاء لمسارين يبدوان متناقضين في الظاهر: مسار الردع، ومسار التفاوض.

فداخل قاعات القمة، سيناقش الحلفاء كيفية تعزيز القدرات الدفاعية، ومواصلة دعم أوكرانيا، وفي الوقت نفسه ستجري اتصالات سياسية تبحث إمكان إعادة فتح مسار التسوية. ولا يعكس هذا التناقض غياب رؤية واضحة، بقدر ما يعكس طبيعة الصراعات الدولية المعاصرة، حيث لا تجري المفاوضات بعد انتهاء الضغط، وإنما غالبًا في ذروته.

ولذلك، قد تكمن أهمية أنقرة في قدرتها على توفير الإطار الذي يسمح بإعادة الربط بين التحركات الأمريكية المنفصلة تجاه موسكو وكييف. غير أن هذا لا يعني أن تركيا تستطيع بمفردها إنتاج التسوية. فأنقرة يمكنها توفير قنوات الاتصال والمساحة السياسية، لكنها لا تملك القدرة على تغيير الحسابات الأساسية للطرفين. ولذلك، سيظل الدور الأمريكي العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد ما إذا كانت التحركات الحالية ستتحول إلى عملية تفاوضية حقيقية، أم ستبقى مجرد اتصالات تهدف إلى احتواء التصعيد.

واشنطن ومعضلة الوسيط غير المحايد

تمتلك الولايات المتحدة من أدوات التأثير ما لا يمتلكه أي طرف آخر في الأزمة. فهي القوة الأكثر تأثيرًا في الدعم العسكري والسياسي المقدم إلى أوكرانيا، وفي الوقت نفسه تمتلك قناة اتصال مباشرة مع موسكو، كما تستطيع التأثير في مواقف الحلفاء الأوروبيين وفي مستقبل الترتيبات الأمنية لما بعد الحرب. غير أن هذه القوة تمثل أيضًا أحد أهم قيود الوساطة الأمريكية.

فالولايات المتحدة ليست وسيطًا محايدًا بين طرفين متساويين، وإنما هي جزء أساسي من معادلة الصراع. ولذلك، فإن أي محاولة أمريكية للتفاوض مع موسكو تثير مخاوف كييف من الوصول إلى تفاهمات تُبرم على حسابها، في حين تنظر روسيا إلى استمرار الدعم العسكري الأمريكي لأوكرانيا باعتباره دليلًا على أن واشنطن لا تزال طرفًا في المواجهة، وهو ما يجعل المهمة الأمريكية أكثر تعقيدًا.

فواشنطن مطالبة بإقناع موسكو بأن التفاوض ليس مجرد فرصة لوقف القتال مؤقتًا تمهيدًا لإعادة تسليح أوكرانيا، وفي الوقت نفسه عليها إقناع كييف بأن التسوية لن تعني فرض تنازلات أحادية عليها. كما يتعين عليها إدارة موقف أوروبي لا يبدو موحدًا بالكامل تجاه شكل التسوية المستقبلية وحدود العلاقة مع روسيا.

ولذلك، فإن قدرة الولايات المتحدة على إعادة فتح المفاوضات تبدو أكبر بكثير من قدرتها على فرض نتائجها. فهي تستطيع جمع الأطراف، وتقديم الحوافز، وممارسة الضغوط، وربط الملفات الأمنية والاقتصادية بعضها ببعض، لكنها لا تستطيع بسهولة إزالة التناقض الأساسي بين رؤية روسيا، التي تريد أن يعكس الاتفاق نتائج الحرب، ورؤية أوكرانيا، التي تريد أن يمنع الاتفاق تحول هذه النتائج إلى وضع قانوني دائم.

هل تريد واشنطن إنهاء الحرب أم إعادة تنظيمها؟

يمكن النظر إلى التحرك الأمريكي الأخير من اتجاهين مختلفين.

يفترض الاتجاه الأول أن واشنطن أصبحت أكثر جدية في البحث عن تسوية، ولا سيما بعد أن أثبتت تجربة الأشهر الماضية أن غياب المسار الدبلوماسي لا يؤدي إلى تحسين الوضع، وإنما يسمح باستمرار الحرب، واستنزاف الموارد، وتراكم الأزمات.

أما الاتجاه الثاني، فيشير إلى أن الولايات المتحدة قد تكون مهتمة بإعادة تنظيم الصراع أكثر من اهتمامها بإنهائه بصورة نهائية. فإعادة فتح المفاوضات قد تسمح بخفض مستوى التصعيد، وإعادة بناء قنوات الاتصال، والوصول إلى تفاهمات محدودة بشأن بعض الملفات، من دون حل القضايا الأساسية التي أدت إلى اندلاع الحرب.

وهنا قد يتكرر النمط نفسه الذي ظهر في أزمات دولية أخرى، حيث لا تؤدي المفاوضات إلى تسوية نهائية، وإنما إلى بناء آليات لإدارة الصراع ومنعه من تجاوز حدود معينة. ويبدو هذا السيناريو أكثر واقعية في المرحلة الحالية.

فالمسافة بين الموقفين الروسي والأوكراني لا تزال واسعة للغاية، والميدان ما زال جزءًا أساسيًا من حسابات الطرفين، كما أن البيئة الأطلسية نفسها تتجه نحو زيادة الإنفاق العسكري وتعزيز القدرات الدفاعية، بدلًا من الاستعداد لمرحلة ما بعد الحرب.

وقد يبدأ المسار الجديد بتفاهمات جزئية تتعلق بخفض بعض أنواع الهجمات، وتوسيع عمليات تبادل الأسرى، وحماية البنية التحتية، أو بناء آليات لخفض التصعيد، قبل الانتقال إلى القضايا الأكثر تعقيدًا. غير أن هذه الخطوات ستظل، حتى الآن، مرتبطة بقدرة واشنطن على الحفاظ على انخراطها في الملف، وعدم تكرار التراجع الذي حدث خلال الأشهر الماضية، عندما انتقلت الأولويات الأمريكية إلى الشرق الأوسط.

هل تكون أنقرة بداية التسوية أم محطة جديدة في إدارة الحرب؟

نرى أن الاتصالات الأمريكية الأخيرة تكشف عن محاولة واشنطن العودة إلى الملف الروسي-الأوكراني بعد فترة من تراجع الزخم الدبلوماسي، لكنها تعود هذه المرة إلى صراع أصبح أكثر تعقيدًا مما كان عليه منذ بداية محاولات التفاوض.

فموسكو مستعدة للحديث، لكنها لا تزال متمسكة بشروطها. وكييف تريد إنهاء الحرب، لكنها ترفض تسوية تحول الخسائر الميدانية إلى تنازلات سياسية دائمة. أما تركيا، فتسعى إلى إحياء المفاوضات، لكنها تستضيف في الوقت نفسه قمة لحلف يواصل تعزيز قدراته العسكرية ودعمه لأوكرانيا.

وفي المقابل، تمتلك الولايات المتحدة القدرة على تحريك هذه المسارات، لكنها لا تملك، حتى الآن، القدرة على إزالة التناقضات التي تعطلها. ولذلك، قد تنجح واشنطن في إعادة فتح باب المفاوضات، لكنها ستواجه صعوبة أكبر في دفع جميع الأطراف إلى العبور منه.

فالمشكلة الأساسية لم تعد تتعلق بغياب قنوات الاتصال، وإنما بغياب تصور مشترك لما يجب أن تكون عليه نهاية الحرب. ولذلك، لا تبدو قمة أنقرة مرشحة لأن تكون لحظة سلام، بقدر ما قد تصبح محطة لإعادة ترتيب الصراع، واختبار حدود التنازلات الممكنة، وإعادة تحديد موقع الدبلوماسية داخل معادلة لا يزال الميدان العسكري يؤثر فيها بصورة مباشرة.

فالانتقال من موسكو وكييف إلى أنقرة قد يفتح مسارًا سياسيًا جديدًا، لكنه لن يلغي حقيقة أن كل طرف لا يزال ينظر إلى التسوية من خلال ميزان القوة الخاص به. ولذلك، يظل التساؤل مطروحًا حول مدى قدرة واشنطن على تحويل عودتها الحالية إلى مسار تفاوضي حقيقي يعيد صياغة شروط الصراع، أم أن أنقرة ستكون مجرد محطة جديدة في عملية طويلة لإدارة حرب أصبح الوصول إلى نهايتها أكثر صعوبة من منعها من الاستمرار؟

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع