مقالات المركز

من غزة إلى سبتة.. هل بدأت إسبانيا تدفع ثمن تحدي إسرائيل وواشنطن؟


  • 2 أغسطس 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: rtve.es

لم يكن وصول أكثر من 50 ألف مهاجر إلى مدينة سبتة الإسبانية خلال أيام قليلة مجرد أزمة حدودية عابرة، بل تحول إلى واحدة من أكبر أزمات الهجرة التي شهدتها إسبانيا في تاريخها الحديث. وبينما تعزو مدريد موجة العبور الجماعي إلى معلومات مضللة نشرتها شبكات الاتجار بالبشر عقب صدور حكم عن المحكمة العليا الإسبانية، فإن توقيت الأزمة أثار جدلا سياسيا واسعا داخل أوروبا وخارجها.

اندلعت أزمة الهجرة في وقت برزت فيه إسبانيا باعتبارها واحدة من أكثر الدول الأوروبية انتقادا للحملة العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة. فقد اعترفت مدريد رسميا بدولة فلسطين، وعلقت صادرات الأسلحة إلى إسرائيل، ودعمت آليات المساءلة القانونية الدولية، كما كرر رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، انتقاداته لما وصفه بـ”الكارثة الإنسانية” في غزة.

في المقابل، حمل اليمين المتطرف في إسرائيل، إلى جانب إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الحكومة الإسبانية مسؤولية أزمة الهجرة.

وقد دفعت هذه التطورات بعض المحللين والمعلقين السياسيين إلى التساؤل عما إذا كانت السياسة الخارجية الإسبانية، التي أصبحت أكثر استقلالية خلال السنوات الأخيرة، قد جعلت مدريد عرضة لضغوط سياسية ودبلوماسية متزايدة.

ورغم عدم وجود أدلة علنية تثبت أن موجة الهجرة جرى التخطيط لها أو تنظيمها من قبل حكومة أجنبية، فإن تزامن الأزمة مع تصاعد التوترات الجيوسياسية والدبلوماسية جعلها تتجاوز حدود كونها مجرد أزمة إنسانية أو أمنية على الحدود.

موجة هجرة غير مسبوقة

أفادت السلطات الإسبانية بأن نحو 50 ألف مهاجر عبروا إلى سبتة برا وبحرا خلال يومين فقط، فيما قدر مسؤولون محليون أن العدد ربما اقترب من 60 ألفا.

وكانت التداعيات الإنسانية كارثية؛ إذ انتشلت السلطات 57 جثة بالقرب من الحدود، وسط تقارير تفيد بأن بعض الضحايا غرقوا أثناء محاولتهم عبور البحر بطرق خطرة، بينما لقي آخرون حتفهم نتيجة التدافع خلال محاولات تسلق الحواجز الحدودية. كما حذر مسؤولون من احتمال تسجيل مزيد من الضحايا على الجانب المغربي.

وفي 31 يوليو (تموز)، أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية أن نحو 48,300 مهاجر عادوا طوعا إلى المغرب بعد فشلهم في تأمين أماكن للإقامة أو الحصول على الاحتياجات الأساسية داخل الأراضي الإسبانية.

وفي محاولة لاحتواء الأزمة، نشرت قوات الأمن المغربية أعدادا كبيرة من عناصرها، مزودين بالهراوات والغاز المسيل للدموع، لتفريق الحشود التي حاولت الدخول إلى سبتة ومليلية، وهما الجيبان الإسبانيان الواقعان في شمال إفريقيا.

أوروبا أمام انقسامات جديدة

سرعان ما كشفت الأزمة عن انقسامات داخل الاتحاد الأوروبي، في وقت تتباين فيه مواقف الدول الأعضاء بشأن عدد من الملفات الدولية، بما في ذلك الدعم الأوروبي للحرب الروسية الأوكرانية.

وأقدمت إيطاليا مؤقتا على تعليق تطبيق ترتيبات السفر الخاصة بمنطقة شنغن مع إسبانيا، وفرضت قيودا على حركة السفر الجوي والبحري.

كما أيد مسؤولون فنلنديون انتقادات روما، معتبرين أن إسبانيا لم تنجح في تأمين الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي بالشكل الكافي.

أما فرنسا، فاتخذت موقفا أكثر توازنا. فقد أعرب الرئيس إيمانويل ماكرون عن تضامنه مع رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، لكنه أمر، في الوقت نفسه، بتشديد الإجراءات الأمنية على طول الحدود الفرنسية الإسبانية، في محاولة لمنع انتقال المهاجرين إلى مناطق أخرى داخل أوروبا.

من جانبها، رفضت إسبانيا الاتهامات بأن نظام شنغن تعرض للخطر، مؤكدة أن المهاجرين لا يستطيعون الانتقال إلى البر الإسباني الرئيسي من دون الخضوع لإجراءات التحقق من الهوية.

واشنطن تدخل على خط الأزمة

سرعان ما تحولت الصور القادمة من سبتة إلى مادة أساسية في النقاش السياسي الداخلي في الولايات المتحدة.

واستخدم ستيفن ميلر، كبير مستشاري الرئيس دونالد ترمب، الأزمة للدفاع عن سياسات الإدارة الأمريكية الصارمة تجاه الهجرة، مشيرا إلى أن مشاهد مماثلة وقعت خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن، ومحذرا من أن سياسات الهجرة التي يتبناها الديمقراطيون قد تؤدي إلى موجات هجرة أكبر في المستقبل.

ورغم أن تصريحات ميلر جاءت في سياق السياسة الداخلية الأمريكية، فإنها أظهرت أيضا مدى السرعة التي تحولت بها أزمة الحدود الإسبانية إلى جزء من سردية سياسية دولية أوسع.

تصاعد التوتر بين مدريد وتل أبيب

تدهورت العلاقات بين مدريد وتل أبيب بصورة متزايدة منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

وانتقد السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة، داني دانون، تعامل إسبانيا مع أزمة الهجرة، معتبرا أن مدريد دأبت على انتقاد إسرائيل، في الوقت الذي تواجه فيه صعوبات في تأمين حدودها.

كما شكك دانون في استمرار السيادة الإسبانية على سبتة ومليلية، واصفا المدينتين بأنهما جيبان استعماريان في إفريقيا.

وأثارت تصريحاته ردود فعل واسعة في كل من إسبانيا والمغرب، فيما رأت وسائل إعلام مغربية أن إسرائيل تحاول استغلال أزمة الهجرة في ظل تدهور علاقاتها الدبلوماسية مع مدريد بسبب موقف الحكومة الإسبانية من حرب غزة.

وبغض النظر عن مدى صحة هذه التفسيرات، التي تبقى في إطار التقديرات السياسية لا الحقائق المثبتة، فإنها تعكس مدى سرعة تداخل أزمة الهجرة مع الخلافات الدبلوماسية والجيوسياسية الأوسع.

كيف تحولت السياسة الخارجية الإسبانية؟

لم يظهر الموقف الإسباني من القضية الفلسطينية بصورة مفاجئة، بل جاء نتيجة تحول تدريجي في السياسة الخارجية للبلاد.

فمنذ توليه منصبه، عمل رئيس الوزراء بيدرو سانشيز على دفع السياسة الخارجية الإسبانية نحو نهج أكثر استقلالية، ولا سيما في ملف الشرق الأوسط.

وبعد اندلاع حرب غزة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ابتعدت مدريد عن اللغة الدبلوماسية الحذرة التي تبنتها العديد من الحكومات الغربية، ودعت مرارا إلى وقف فوري لإطلاق النار، كما أدانت ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين.

وانضمت إسبانيا لاحقا إلى أيرلندا وبلجيكا وسلوفينيا ودول أوروبية أخرى في الدعوة إلى اتخاذ إجراءات إنسانية أكثر قوة، وزيادة الضغط الدبلوماسي على إسرائيل.

كما علقت الحكومة الإسبانية صادرات الأسلحة إلى إسرائيل، قبل أن تحول قرار التعليق إلى قانون دائم عام 2025، لتصبح بذلك واحدة من أوائل الدول الأوروبية التي تحظر قانونيا صادرات الأسلحة المستقبلية إلى إسرائيل.

وفي الوقت نفسه، دعا البرلمان الإسباني إلى توسيع نطاق المساعدات الإنسانية المقدمة إلى غزة، وتعزيز المساءلة القانونية الدولية بشأن الانتهاكات المزعومة للقانون الدولي.

كما فتحت المحكمة الوطنية الإسبانية تحقيقا مع مسؤولين تنفيذيين في شركة إسبانية لصناعة الصلب، اتهموا بالتواطؤ في جرائم ضد الإنسانية من خلال معاملات تجارية مرتبطة بشركة إسرائيلية لتصنيع الأسلحة.

موقف يحظى بدعم شعبي

تعكس سياسة الحكومة الإسبانية تجاه القضية الفلسطينية دعما شعبيا واسعا داخل البلاد.

وبحسب أبحاث أجراها المعهد الملكي إلكانو، فإن نحو أربعة من كل خمسة إسبان يؤيدون اعتراف الدول الأوروبية بدولة فلسطين.

ومنذ عام 2023، شهدت مختلف أنحاء إسبانيا مظاهرات شعبية متواصلة طالبت باتخاذ إجراءات أكثر حزما لحماية المدنيين الفلسطينيين، والدفاع عن القانون الدولي الإنساني.

كما تمتد علاقة إسبانيا بالقضية الفلسطينية إلى جذور تاريخية عميقة. فقد أقامت مدريد علاقات وثيقة مع منظمة التحرير الفلسطينية قبل عقود من اعترافها بإسرائيل عام 1986، وحافظت على تقليد دبلوماسي يختلف عن مواقف عدد من دول أوروبا الغربية الأخرى.

إسرائيل ترد على مدريد

أثارت الانتقادات الإسبانية ردودا متزايدة الحدة من جانب القادة الإسرائيليين.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نظيره الإسباني، بيدرو سانشيز، بالإدلاء بتصريحات خطيرة، بعد أن صعدت مدريد انتقاداتها للعمليات العسكرية الإسرائيلية.

كما شن وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، هجوما على إسبانيا، مستحضرا إشارات تاريخية، من بينها محاكم التفتيش الإسبانية، ردا على موقف مدريد من الحرب في غزة.

وقد كشفت هذه التصريحات والتصريحات المضادة عن واحدة من أعمق الأزمات الدبلوماسية بين إسبانيا وإسرائيل منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين.

فاتورة الحرب على غزة

فرضت الحرب على غزة تكاليف اقتصادية كبيرة على إسرائيل.

وتشير تقارير إسرائيلية إلى أن العمليات العسكرية كلفت نحو 40 مليار دولار بحلول نهاية عام 2024.

كما تكبدت قطاعات السياحة والطيران والبناء والاستثمار، إلى جانب قطاعات أخرى، خسائر كبيرة، في وقت أصبحت فيه الانتقادات الدبلوماسية الموجهة إلى إسرائيل من جانب عدد من حلفائها التقليديين أكثر تواترا.

وبالنسبة إلى إسبانيا، عززت هذه التطورات موقف الحكومة القائل إن الحل السياسي، وليس استمرار الحملة العسكرية إلى أجل غير محدد، يظل المسار الوحيد القابل للاستمرار لتحقيق الاستقرار في المنطقة.

ما وراء أزمة الحدود

من المرجح أن تذكر أزمة الهجرة في سبتة باعتبارها أكثر من مجرد حالة طوارئ إنسانية، إذ أصبحت رمزا لتقاطع عدد من الملفات شديدة الحساسية، من الهجرة والأمن الأوروبي إلى الدبلوماسية في الشرق الأوسط والسياسة الدولية.

لقد وضع الموقف الإسباني المتزايد حزما تجاه الحرب في غزة مدريد، بلا شك، في مواجهة مع كل من إسرائيل وشخصيات سياسية مؤثرة في واشنطن.

وفي الوقت نفسه، أدت أزمة الهجرة إلى تصعيد النقاشات حول سياسات الحدود الأوروبية، وكشفت عن انقسامات داخل الاتحاد الأوروبي بشأن كيفية إدارة ملف الهجرة.

لكن ما لا جدال فيه أن إسبانيا برزت باعتبارها واحدة من أكثر الدول الأوروبية صراحة في الدفاع عن حقوق الفلسطينيين والقانون الدولي الإنساني.

ومع استمرار الحرب في غزة وتصاعد التوترات الدبلوماسية، من المرجح أن تظل السياسة الخارجية لمدريد تحت رقابة دولية مكثفة، وهو ما يضع إسبانيا في قلب واحدة من أكثر القضايا الجيوسياسية تأثيرا في المرحلة الراهنة.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع