
لا يمكن فهم التعاون الرسمي بين روسيا وإيران بعد عام 2022 بوصفه مجرد تقارب ثنائي فرضته ظروف الحرب في أوكرانيا أو ضغط العقوبات الغربية فقط، بل يجب النظر إليه كتحول بنيوي في طبيعة العلاقة بين دولتين وجدتا نفسيهما في لحظة تاريخية واحدة أمام تحدي إعادة التموضع داخل نظام دولي شديد الاضطراب. فمنذ فبراير 2022 اتجهت موسكو بصورة أسرع نحو بناء شبكات تعاون بديلة خارج الدوائر الغربية التقليدية، بينما رأت طهران في هذا التحول فرصة نادرة للانتقال من موقع الشريك المفيد إلى موقع الشريك الضروري في بعض الملفات الحساسة.
ولهذا لم تعد العلاقة الروسية الإيرانية مجرد تنسيق سياسي أو تقارب ظرفي، بل أصبحت علاقة متعددة المستويات تشمل الدفاع والطاقة والتجارة والنقل والبنية المالية والتنسيق داخل المنظمات غير الغربية. هذا هو المعنى الحقيقي للمرحلة الجديدة: انتقال من علاقة مرنة ومحدودة السقف إلى شراكة أكثر كثافة وتنظيمًا وأكثر وضوحًا في أهدافها الاستراتيجية.
النقطة المفصلية في هذا المسار كانت توقيع معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة في موسكو يوم 17 يناير 2025، ثم دخولها حيز النفاذ في 2 أكتوبر 2025. هذه المعاهدة ليست تفصيلًا بروتوكوليًا، بل تمثل أخطر تطور رسمي في العلاقات الروسية الإيرانية منذ عقود، لأنها وضعت إطارًا قانونيًا وسياسيًا واسع النطاق للتعاون في مجالات الدفاع والأمن والسياسة الخارجية والطاقة والاستثمار والتجارة والتكنولوجيا والنقل والعمل المشترك في المنظمات الدولية.
الأهمية الأكاديمية للمعاهدة تكمن في نقطتين: الأولى أنها تعكس قرارًا سياسيًا واضحًا لدى القيادتين بنقل العلاقة إلى مستوى طويل الأمد ومؤسسي، والثانية أنها في الوقت نفسه لا تؤسس لتحالف عسكري كامل أو دفاع مشترك صريح، وهو ما يعني أن الطرفين ما زالا متمسكين بهامش استقلال استراتيجي كبير. وبكلمات أدق، نحن أمام شراكة استراتيجية شاملة، لكننا لسنا أمام اندماج تحالفي كامل. وهذا التمييز ضروري جدًا لأي باحث يريد قراءة العلاقة بدقة بعيدًا عن المبالغات السياسية أو الإعلامية.
إذا كان الإطار القانوني قد تبلور في 2025، فإن الجوهر العملي للعلاقة الجديدة ظهر بوضوح منذ 2022 في المجال الدفاعي. هنا تحديدًا خرج التعاون الروسي الإيراني من منطق الاتصالات التقليدية إلى منطق تبادل المنفعة الاستراتيجية المباشرة. فروسيا احتاجت بعد الحرب إلى وسائل عسكرية منخفضة الكلفة وفعالة وقابلة للإنتاج الكثيف، وإيران امتلكت خبرة عملية متقدمة في هذا النوع من التكنولوجيا، وخصوصًا في مجال الطائرات المسيّرة الهجومية من طراز “شاهد”.
ومن هنا أصبحت مسيّرات “شاهد” أحد العناوين الأكثر تعبيرًا عن عمق العلاقة الجديدة. لكن الأهم من التوريد نفسه هو انتقال العلاقة من مجرد تسليم منصات جاهزة إلى توطين الإنتاج داخل روسيا. هذا معناه أن التعاون لم يعد تعاونًا بين مستهلك ومورد فقط، بل تحول إلى تعاون صناعي وتقني يساهم في بناء قدرة روسية محلية مستقرة داخل اقتصاد الحرب. ومن الناحية النظرية، هذا النوع من التعاون هو الذي ينقل العلاقات بين الدول من مرحلة الدعم الظرفي إلى مرحلة بناء الاعتماد المتبادل في قطاعات حساسة.
التقارير المتخصصة حول مجمع “ألابوغا” الصناعي تظهر بوضوح أن روسيا لم تكتف بالحصول على طائرات “شاهد”، بل انتقلت إلى مستوى أعمق قوامه الإنتاج المحلي واسع النطاق على أساس التصميم والخبرة الإيرانية. وتفيد التقديرات المنشورة بأن عقدًا بقيمة 1.75 مليار دولار أُبرم في مطلع 2023 لتوريد 6000 طائرة، وأن وتيرة الإنتاج الروسي تطورت بسرعة حتى صار المشروع متقدمًا على جدوله الزمني، مع اكتمال الآلاف من الطائرات بحلول 2024، ثم توسع ملحوظ في البنية الصناعية خلال 2025.
في التحليل السياسي، يكشف هذا التطور أن التعاون الدفاعي بين موسكو وطهران لم يعد مجرد علاقة احتياج روسي مؤقت، بل صار جزءًا من بنية عسكرية صناعية أعمق. كما يكشف أن إيران لم تعد فقط طرفًا يساعد روسيا على تجاوز ضغوط الحرب، بل شريكًا يشارك في إعادة تشكيل بعض أدوات القوة الروسية نفسها. وفي المقابل، حصلت طهران على توسيع في قنوات التعاون العسكري والتقني مع موسكو، حتى لو ظلت بعض الملفات الحساسة مثل نقل المقاتلات المتقدمة محكومة بحسابات روسية أشد تعقيدًا.
في المجال الاقتصادي الواسع قد يبدو الخطاب السياسي الروسي الإيراني أحيانًا أكبر من الأرقام الفعلية، لكن في ملف الطاقة تحديدًا تظهر العلاقة أكثر جدية وعمقًا. فقد شهد عام 2024 توقيع مذكرة تعاون استراتيجية بين “غازبروم” الروسية والشركة الوطنية الإيرانية للغاز، ثم تلا ذلك في يناير 2025 التقدم نحو مشروع خط غاز يمر عبر أذربيجان من روسيا إلى إيران، بطاقة أولية تقارب 2 مليار متر مكعب سنويًا مع طموح لرفعها إلى 55 مليار متر مكعب.
هذا المشروع لا ينبغي النظر إليه كمجرد صفقة تجارية، بل كجزء من تصور أوسع لإعادة رسم خرائط الطاقة والعبور في الفضاء الأوراسي. فروسيا تبحث عن مسارات جديدة وتوازنات جديدة بعد تراجع دور السوق الأوروبية، وإيران تريد معالجة أزماتها الهيكلية في قطاع الطاقة وتوسيع موقعها كممر ومركز إقليمي. يُضاف إلى ذلك استمرار التعاون النووي، بما في ذلك خطط بناء وحدات نووية جديدة بمشاركة روسية.
لذلك يمكن القول إن الطاقة ليست مجرد بند من بنود الشراكة، بل هي أحد أعمدتها الرئيسية، وربما المجال الأكثر قابلية لقياس عمق المصالح بعيدًا عن الخطابات الأيديولوجية.
في مجال التجارة والتمويل والنقل، تظهر العلاقة الروسية الإيرانية كجزء من مشروع أوسع للالتفاف على القيود الغربية وإعادة بناء مسارات بديلة للتبادل. صحيح أن حجم التجارة بين البلدين ما زال دون مستوى الطموح الكبير، لكنه استمر في النمو، كما أن المعاهدة الاستراتيجية نفسها نصت بوضوح على تسهيل الاستثمار المتبادل والتعاون المصرفي والتجاري والتنسيق ضد الإجراءات القسرية الأحادية.
الأهم هنا ليس فقط الرقم التجاري في حد ذاته، بل البنية التي يجري بناؤها حوله. فالتعاون في استخدام العملات الوطنية، والبحث عن آليات دفع بديلة، وتطوير ممر “الشمال–الجنوب”، كلها عناصر تشير إلى أن موسكو وطهران لا تريدان فقط زيادة التجارة، بل تريدان بناء فضاء اقتصادي جزئي قادر على العمل خارج شروط النظام المالي الغربي.
ومن هنا تبرز قيمة ممر النقل الدولي “الشمال–الجنوب”، الذي بات أحد أهم مشروعات الربط بين روسيا وإيران والهند والمحيط الهندي. فكلما تعمق هذا الممر، تحولت إيران من شريك سياسي إلى عقدة لوجستية استراتيجية في حسابات روسيا ما بعد 2022.
ورغم كل ما سبق، فإن القراءة العلمية الرصينة تقتضي عدم المبالغة. فالعلاقة الروسية الإيرانية بعد 2022 قوية ومتصاعدة ومؤسسية أكثر من أي وقت مضى، لكنها ليست بلا حدود. فروسيا ما زالت تحسب حساب علاقتها مع قوى إقليمية أخرى، وخصوصًا في الخليج العربي، كما أن إيران من جهتها لا تريد أن تتحول إلى تابع استراتيجي لموسكو.
ثم إن هناك اختلافات بنيوية في المصالح، سواء في أسواق الطاقة أو في بعض ملفات القوقاز أو في طريقة إدارة التوازنات الإقليمية. ولهذا بقيت المعاهدة نفسها بعيدة عن منطق الدفاع المشترك. هذه النقطة ليست علامة ضعف، بل دليل على طبيعة العلاقة نفسها: علاقة تقوم على تقاطع مصالح كبير جدًا، لا على تطابق كامل في الرؤية.
وهذا ما يجعلها في نظر الباحث الجاد شراكة عملية وبراغماتية وعميقة، لكنها ليست حلفًا أيديولوجيًا مغلقًا. ومن هنا بالذات تأتي أهمية دراستها، لأنها تقدم نموذجًا معاصرًا لعلاقة بين دولتين خاضعتين للعقوبات تسعيان إلى تعظيم المكاسب المتبادلة دون التخلي عن حرية الحركة الاستراتيجية.
إن التعاون الرسمي بين روسيا وإيران بعد عام 2022، أي بعد بدء الأزمة الأوكرانية، يمثل واحدة من أهم حالات إعادة التشكل الجيوسياسي في الفضاء الأوراسي والشرق الأوسط معًا. فهذه العلاقة لم تعد مجرد تقارب تكتيكي ناتج عن ظرف استثنائي، بل أصبحت بنية تعاون حقيقية تجمع بين السلاح والطاقة والنقل والمال والدبلوماسية متعددة الأطراف.
ومعاهدة 2025 جاءت لتمنح هذا التحول شكله القانوني والمؤسسي، بينما كشف التعاون في الطائرات المسيّرة والطاقة والممرات التجارية عن مضمونه العملي العميق. ومع ذلك، فإن العلاقة ستظل محكومة بالبراغماتية وبحسابات التوازن، لا بالاندماج الكامل.
وهذا بالضبط ما يجعلها مادة بالغة الأهمية للبحث الأكاديمي، فهي تكشف كيف يمكن لدولتين تحت ضغط العقوبات والصراعات الدولية أن تعيدا بناء شراكة استراتيجية واسعة دون أن تتحولا بالضرورة إلى تحالف صلب. لذلك، فإن دراسة هذه العلاقة بعد 2022 ليست فقط دراسة لملف ثنائي، بل دراسة لتحول أعمق في شكل النظام الدولي نفسه وفي أنماط التعاون بين القوى المناهضة للهيمنة الغربية.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير