إستراتيجيات عسكرية

من حرب الجبهات إلى حرب الاستنزاف… كيف تعيد المسيّرات تشكيل الصراع الروسي الأوكراني؟


  • 22 يوليو 2026

شارك الموضوع

أصبحت الهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيّرة على موسكو أحداثاً شبه يومية، وليست حوادث متباعدة يمكن النظر إليها أو التعليق عليها وتحليلها بوصفها اختراقات استثنائية أو محاولات دعائية من جانب الجيش والاستخبارات الأوكرانية، فضلًا عن القول إنها لا تزال محدودة التأثير.

فما جرى ليلة الأحد على الاثنين، بعد يومين فقط من استهداف مستودعات النفط والمراكز اللوجستية الكبرى، يشير إلى انتقال الحرب إلى مستوى مختلف، فنحن بصدد هجمات كثيفة ومتكررة لا تستهدف بالضرورة تدمير العاصمة، بل إنهاك منظومة الدفاع، وتعطيل الطيران والنقل، ورفع كلفة حماية الاقتصاد الروسي، وإدخال الحرب بصورة أعمق في الحياة اليومية لسكان موسكو وضواحيها.

إن التطورات العسكرية والسياسية ليوم الاثنين 20 يوليو (تموز) 2026 تكشف أن الحرب الروسية الأوكرانية دخلت مرحلة تتجاوز الصراع التقليدي على خطوط الجبهة، إذ بعد موجات الهجمات الكثيفة التي استهدفت موسكو وضواحيها والمنشآت اللوجستية والنفطية خلال الأيام الماضية، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن دفاعاتها أسقطت، خلال أربع وعشرين ساعة، 917 طائرة مسيّرة أوكرانية من النوع الجوي، إلى جانب ثماني قنابل جوية موجهة.

وفي البيان نفسه، قالت الوزارة إن القوات الروسية استهدفت مواقع لتجميع وتخزين المسيّرات بعيدة المدى، وورشًا لتجميع وحفظ الزوارق غير المأهولة، ودمرت زورقين أوكرانيين مسيّرين. كما قدرت خسائر القوات الأوكرانية بنحو 1410 عسكريين خلال يوم واحد، مشيرة إلى أن أكبر الخسائر وقعت في نطاقي عمل مجموعتي قوات “الشرق” و”الوسط”.

وكالعادة بالطبع، أقول إن هذه الأرقام وردت في بيان وزارة الدفاع الروسية، ولم يتسنَّ التحقق منها بصورة مستقلة، كما لم تنشر كييف حصيلة مطابقة لها.

ولذلك، بالنسبة إليّ، ومن موقع المراقب، فالرقم الأهم في هذا السياق ليس فقط 917 مسيّرة، بل ما يكشفه عن تحول بنيوي في الحرب. فإذا كانت وزارة الدفاع الروسية قد أسقطت هذا العدد فعلًا خلال يوم واحد، فهذا يعني أن الحرب أصبحت حرب إنتاج كثيف للمسيّرات وموجات متتابعة هدفها إغراق الدفاعات، واكتشاف الثغرات، واستنزاف الذخيرة والرادارات والطواقم.

وبالطبع، لا يعني إسقاط الطائرة أن الهجوم فشل بالضرورة، فالمسيّرة التي تجبر الدفاع الجوي على إطلاق صاروخ أغلى منها، أو تؤدي إلى إغلاق مطار، أو توقف منشأة صناعية كإجراء احترازي، تكون قد حققت جزءًا من هدفها، حتى إن لم تصل إلى نقطة الاصطدام المباشر.

تفرض تطورات الحرب هذه على موسكو، خلال الأسابيع والأشهر الأخيرة، ضغطًا مضاعفًا، فقد أصبحت القدرة على الاعتراض مرتفعة، نعم، وهذه حقيقة تشير إليها التقييمات العسكرية الموضوعية، لكن تكلفة حماية العمق الروسي أصبحت أعلى وأكثر استدامة.

فما أعلنه عمدة موسكو سيرغي سوبيانين من إسقاط أربعمئة مسيّرة فوق موسكو في ليلة واحدة، وما أعلنته وزارة الدفاع الروسية من ارتفاع إجمالي عدد المسيّرات الأوكرانية المسقطة إلى 917 في يوم واحد، لا يمكن فصله عن هجمات 18 يوليو 2026، التي استهدفت مركزين لوجستيين تابعين لشركة “وايلدبيريز”، أكبر شركات التجارة الإلكترونية (Marketplaces) في روسيا، أحدهما في إلكتروستال بمقاطعة موسكو، والآخر في كوتوفسك بمقاطعة تامبوف.

وقد أدت الحرائق إلى مقتل ثمانية أشخاص وإصابة عشرات، وامتدت إلى مساحات كبيرة من المخازن.

وأشارت تقديرات اقتصادية روسية إلى أن المنشأتين تمثلان نحو سبعة في المئة من القدرات اللوجستية الإجمالية للشركة.

وهذه الهجمات، التي تنفذها قوات ماديار، قائد سلاح المسيّرات الأوكرانية، تكشف بوضوح عن الاستراتيجية الأوكرانية التي يجري اتباعها خلال الشهر الأخير من عمر الحرب، وهي الانتقال من استهداف منشأة واحدة عالية القيمة إلى ضرب شبكة من العناصر التي تجعل الاقتصاد والحرب قادرين على الاستمرار، والأهداف المقصودة هي المستودعات، والمصافي، والمطارات، ومراكز النقل، والشركات اللوجستية.

ويقول زيلينسكي، في تبريره لاستهداف مستودعات “وايلدبيريز”، إن بعض المنشآت المدنية الروسية تخدم الصناعات العسكرية أو تنقل مكونات مزدوجة الاستخدام. أما المتحدث باسم الكرملين، نيابة عن موسكو، فيقدمها باعتبارها أهدافًا مدنية بحتة.

ومن دون أدلة مستقلة على طبيعة الاستخدام العسكري لكل منشأة، لا يمكن قبول أي من الروايتين بصورة كاملة.

 روسيا بدورها، ووفقًا لبيانات وزارة الدفاع الروسية، تستهدف صناعة المسيّرات الأوكرانية، فقد جاء رد وزارة الدفاع الروسية مركزًا على ضرب منظومة إنتاج المسيّرات والزوارق غير المأهولة. وهذا اختيار مفهوم، لأن المسيّرات أصبحت أحد أكثر الأسلحة الأوكرانية تأثيرًا، وسمحت لكييف بتجاوز ضعفها النسبي في الطيران المأهول والقوى البشرية.

الهدف الروسي، بالتالي، لم يعد إسقاط الطائرة بعد إطلاقها فقط، وإنما تدمير سلسلة الإنتاج قبل أن تصل المسيّرة إلى منصة الإقلاع، بمعنى أن هدف الصواريخ الروسية الباليستية التي تغرق أوكرانيا هذه الأيام هو ورش التجميع، والمكونات الإلكترونية، ومخازن المحركات، ومراكز البرمجة، ومواقع الإطلاق والاتصالات.

ومن واقع ما نتابعه من تطورات الأسابيع الثلاثة الأخيرة، على وجه الخصوص، نستطيع بكل تأكيد الحديث عن تحول في تكتيكات الضربات الروسية، يقوم على تركيز الهجمات ضد الموانئ ومنشآت إنتاج المسيّرات وشبكات النقل، مع استخدام موجات كبيرة لإرهاق الدفاع الجوي الأوكراني.

وبالتالي، نحن الآن نشهد مرحلة من الصراع الروسي الأوكراني يمكن اختصارها في جملة واحدة: إنها حرب على القدرة على مواصلة الحرب.

بالتوازي مع هذا التصعيد العسكري، أكد المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، أن روسيا لا تزال منفتحة على الحوار مع الدول الأوروبية، وأن موسكو لم تكن الطرف الذي بادر إلى تقليص العلاقات أو قطعها.

وقال بيسكوف، في الإحاطة الصحفية اليومية، الاثنين 20 يوليو 2026، إن روسيا ستستخدم مستقبلًا الخبرة المتراكمة عندما تستأنف قنوات الحوار مع أوروبا.

كما أكد أن الكرملين لم يجرِ خلال الأيام الأخيرة اتصالات مع الجانب الأمريكي، لكنه سينظر بإيجابية إلى استئناف الاتصالات بين وزيري خارجية روسيا والولايات المتحدة، في إشارة إلى لقاء قريب محتمل قد يجمع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مع ماركو روبيو، على هامش مشاركتهما في اجتماعات “الآسيان” في مانيلا خلال الفترة من 21 إلى 23 يوليو الجاري.

وصياغة تصريحات المتحدث الرئاسي الروسي هذه تحمل رسالتين؛ الأولى أن موسكو تريد ترك الباب الأوروبي مفتوحًا، رغم خطابها الحاد ضد بروكسل والعواصم الكبرى.

والسبب في ذلك، حسب فهمي، هو أن الكرملين، على الرغم من كل شيء، يدرك أن القطيعة الكاملة ليست في مصلحة روسيا على المدى الطويل، وأن أوروبا ستظل الشريك الجغرافي والاقتصادي والأمني الأقرب، حتى لو استمرت المواجهة.

أما الرسالة الثانية، فهي تحميل الأوروبيين أنفسهم، وبالتحديد النخب الأوروبية الحاكمة في هذه اللحظة التاريخية الحرجة، مسؤولية تدهور العلاقات.

تقول موسكو إنها لم تبدأ القطيعة، وإن العودة إلى الحوار تحتاج إلى تغيير في القيادات والسياسات الأوروبية. وقد سبق لبيسكوف أن قال إن من الصعب تصور أن يبادر الجيل الحالي من السياسيين الأوروبيين إلى استئناف الحوار، لكنه توقع ظهور قيادات أكثر انفتاحًا مستقبلًا.

لكن الانفتاح الروسي المعلن لا يعني، في رأيي، تنازلًا في الملفات الأساسية، فالكرملين يرفض، وفق تصريحات بيسكوف، تطوير ضمانات أمنية لأوكرانيا من دون مشاركة روسيا، ويرى أن أي نظام أمني أوروبي جديد لا يمكن أن يُبنى ضد موسكو أو من دونها.

وهنا يظهر مجددًا التناقض المركزي بين الجانبين، فروسيا تريد الحوار مع أوروبا، لكنها تريد أيضًا اعترافًا أوروبيًا بنتائج الحرب المستمرة منذ أربع سنوات ونصف تقريبًا، وبموقعها في النظام الأمني المشترك. أما أوروبا، فتتحرك لبناء دفاعاتها على أساس أن روسيا أصبحت التهديد الرئيسي لها.

في هذا السياق، يبرز، كمثال صارخ على الاعتمادية المتبادلة، على الرغم من الحرب والتهديدات والصراخ والوعيد، الحديث عن احتمال تعديل بعض بنود الحزمة الحادية والعشرين من العقوبات الأوروبية ضد روسيا بسبب اعتراضات يونانية.

فوفق ما نقلته وسائل إعلام روسية، نقلًا عن “بوليتيكو”، اليوم الاثنين 20 يوليو الجاري أيضًا، تعارض أثينا حظر نقل الغاز الطبيعي المسال الروسي، خوفًا من تأثيره في شركات الشحن والنقل البحري اليونانية.

وهذه المسألة تكشف مرة أخرى حدود الوحدة الأوروبية. فالدول تتفق سياسيًا على الضغط على روسيا، لكنها تختلف عندما تمس العقوبات قطاعات اقتصادية وطنية حساسة. اليونان تُعد قوة بحرية عالمية، نظرًا للدور المهم الذي تلعبه شركاتها في نقل النفط والغاز.

لذلك، فإن منع نقل الغاز الروسي لا يمثل بالنسبة إليها موقفًا سياسيًا مجردًا، وإنما تراه أثينا تهديدًا مباشرًا لقطاع اقتصادي مؤثر جدًا، خاصة بالنظر إلى أوضاعها الاقتصادية المزرية.

ومع ذلك، لا يعني هذا الاعتراض اليوناني، بحال، انهيار العقوبات، لكنه قد يؤدي إلى استثناءات أو تأجيلات أو صيغ مخففة. وهذا هو النمط الذي ظهر مرارًا في السياسة الأوروبية خلال سنوات العقوبات الأربع على روسيا، بمعنى أنه يتم الإعلان عن عقوبات واسعة، ثم تنطلق جولات التفاوض الداخلي حول التفاصيل التنفيذية.

وهذه الخلافات الأوروبية، وكالعادة أيضًا، تستخدمها موسكو دليلاً على أن العقوبات تضر أوروبا أيضًا، وأن المصالح الاقتصادية ستدفع بعض الدول، في النهاية، إلى المطالبة بالحوار.

ومع ذلك، ينبغي علينا عدم المبالغة عند تناول هذه المسائل بالتحليل والتعليق، فالخلاف حول بند محدد لا يعني أن الاتحاد الأوروبي تراجع عن استراتيجيته العامة، كما أن الحزم السابقة استمرت رغم اعتراضات من دول عدة.

تمثل تطورات وبيانات اليوم الاثنين 20 يوليو نقطة مهمة في تطور حرب المسيّرات الروسية الأوكرانية، فإذا صح رقم 917 مسيّرة، فنحن أمام انتقال من الاستخدام الكثيف إلى الاستخدام الصناعي واسع النطاق، حيث تصبح المسيّرات أقرب إلى ذخيرة جماعية منها إلى سلاح نوعي محدود.

وهذا التطور سيجبر روسيا على إعادة بناء نظام الدفاع الجوي الداخلي، خصوصًا النظام خماسي الطبقات حول العاصمة موسكو، الذي كان يجعلها توصف بأنها من أكثر المدن تحصينًا في العالم. وهو نظام الدفاع الجوي الروسي الذي ظلت روسيا مشهورة بقوته حتى اندلاع حرب أوكرانيا.

وسوف تحتاج إلى نظام دفاع جوي جديد حول المصافي، والموانئ، والمطارات، والمستودعات، والطرق، ومراكز التجارة.

كما سيجبر الشركات الخاصة على تحمل جزء من تكلفة الحماية، سواء عبر مجموعات نيران متنقلة، أو أنظمة تشويش، أو خطط إطفاء وإخلاء أكثر تطورًا.

لكن لا يدفعنكم النجاح الأوكراني في رفع التكلفة الداخلية على روسيا إلى الاعتقاد أن بوتين سيتراجع. فقد يكون الأثر السياسي معاكسًا تمامًا، وهذا الذي أرصده فعلًا من موقع المراقب، بل وأزيدكم من الشعر بيتًا بالقول إن الأصوات التي ترى أن الحرب يجب أن تستمر حتى إزالة قدرة أوكرانيا على ضرب العمق الروسي تتعزز بقوة داخل كل الأوساط الروسية اليوم.

كما لن يكون استمرار روسيا في ضرب منشآت إنتاج المسيّرات، والموانئ، والقاطرات، كافيًا لإنهاء القدرة الأوكرانية، ما دامت أوروبا مستعدة للتعويض والتمويل ونقل التكنولوجيا.

لذلك فإن الحرب تتجه، من واقع ما تحت أيدينا من معلومات وبيانات ومشاهدات اليوم، إلى نموذج أكثر خطورة، لا وجود في كتب التاريخ والسياسة القديمة لفهمه فهمًا تامًا أو تفسيره، يشمل استنزافًا اقتصاديًا متبادلًا، وهجمات بعيدة المدى، وضغطًا على المدنيين والبنية التحتية، دون الوصول إلى لحظة الانهيار التام، بالتوازي، في الوقت نفسه، مع حديث دبلوماسي لا يزال يفتقر إلى أساس سياسي مشترك يُبنى عليه أي حديث واقعي يمكن الوثوق بقدرته على الوصول إلى تسوية أو حل ما.

فالجميع يقول إنه مستعد للحوار.. لكن الجميع، في الوقت نفسه، يبني قدراته، ويزيدها، ويعززها، لخوض حرب أطول.

وهذه هي اللقطة الأخطر في أحداث الاثنين، 20 يوليو 2026، يا سادة، فالمشكلة ليست في أن مسار التفاوض مغلق بالكامل، ولكنها تكمن في أن حسابات كل طرف من الأطراف لا تزال تقول إن المزيد من التصعيد قد يحسن شروط التفاوض ويزيد من حصة الفوز عند الوصول إلى لحظة التسوية.

وما دام هذا الاعتقاد قائمًا.. ستظل أرقام المسيّرات ترتفع.. وستظل الخسائر اليومية موضع حرب روايات.. وسيظل السلام معلنًا في التصريحات.. مؤجلًا في القرارات.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع