مقالات المركز

من جالديران إلى الخليج… كيف يصنع التاريخ توازنات القوة في الشرق الأوسط؟


  • 19 يوليو 2026

شارك الموضوع

أعتقد أن أكبر أزمة يعاني منها العالم العربي ليست الحكومات فقط، كما ينظر البعض؛ لأن السلطة، أي سلطة، هي انعكاس لواقع المجتمع وإرادته. فلا يمكن لمجتمع حيوي وقوي، بغض النظر عن طبيعة النظام، ملكيًا كان أو جمهوريًا، ديمقراطيًا أو استبداديًا، أن ينتج نظامًا ضعيفًا في ظل مجتمع قوي وحي.

والجماهير، في المقابل، انعكاس للمناخ العام الذي من المفترض أن يقوده المثقفون. وهنا تكمن الأزمة؛ فهذا المثقف العربي (البعض لكنه كثير وليس الكل) المأزوم، الذي أتيحت له الفرصة للالتحاق بالغرب عبر التعليم أو التدريب أو الحياة فيه لبعض الوقت، ظل أسير عقدة الخلفية التي جاء منها، والصورة النمطية التي تعامل بها الغرب مع هذه الخلفية، رغم رفضه لها. فيسعى إلى كسر هذه الحلقة، وإثبات أنه ليس “بدويًا” أو “فلاحًا” أو “صحويًا” أو “متطرفًا” سابقًا، بل شخص ينتمي إلى الحداثة والغرب المتقدم، فيتحول إلى كائن مشوه أو إلى شخص ساذج، يحتقر التاريخ ودوره وأهمية فهمه باعتباره شخصًا “عقلانيًا”، ويكرر، قبل كل مقال أو مقابلة وأثناءهما وبعدهما، أن “الأدلجة” شر مطلق، في محاولة لنفي ما هو غارق فيه، وأن العالم يدار بمنطق بحت، وأنه ضد “نظرية المؤامرة”، في خلط واضح بين أحاديث الديوانيات والمصاطب، وبين المخططات التي لا بد أن تمتلكها أي دولة، ولا سيما إذا كانت قوة كبرى، للحفاظ على مكانتها.

أعتقد أن درس الحرب الإيرانية كان الأشد قسوة على هذا النوع من المثقفين، ووضعهم أمام أسئلة وجودية، أتمنى أن تدفعهم إلى إعادة النظر في عقدهم، وإدراك أنها مجرد أوهام، والتحرر منها.

يسأل الكثيرون، بتعجب، كيف تمكن النظام الإيراني من الصمود في وجه هذا الكم الهائل من العقوبات طوال هذه السنوات، وكيف تمكن، رغم الضربات الأمريكية والإسرائيلية، وقطع رأس قيادته خلال الأيام الأولى من الحرب، من مواصلة المواجهة، والاستمرار في ممارسة عدوانه على دول الخليج العربية والأردن، وغيرها من الأسئلة المهمة والجديرة بالنقاش.

هنا يكون للتاريخ دوره، وأعني التاريخ الحي، الذي ما زالت حلقاته متصلة بالحاضر، لا ذلك الماضي الذي انقطعت صلتنا به، إلى جانب فهم السياسات العامة للنظام، وكيف تُتخذ قراراته، وعلم الاجتماع السياسي، والجغرافيا السياسية، وربط كل هذه العناصر بعضها ببعض.

هناك حنق وغصة كبيران تجاه الغرب، والولايات المتحدة على وجه الخصوص، بسبب ما يراه كثيرون تعاملاً محابيًا لإيران وغير جاد منذ البداية، سواء عبر تخفيف الأعباء الجيوسياسية عنها على جبهتها الشمالية في جنوب القوقاز، عندما جرى تمكينها من أن تصبح حلقة وصل بين أذربيجان وجيب نخجوان الأذربيجاني، وكذلك بين تركيا وأذربيجان وآسيا الوسطى، بما منحها نفوذًا مهمًا في منطقة كان يُفترض أن تمثل عبئًا وعامل ضغط أمني وجيوسياسي عليها، أو عبر تسليمها العراق عمليًا بعد عام 2003، وتحويل حدودها الغربية من مصدر تهديد وضغط إلى مركز ثقل لنفوذها الإقليمي، ثم إسقاط نظام طالبان في أفغانستان، بما خفف الضغوط على حدودها الشرقية، إلى جانب إضعاف باكستان وإجبارها على مراعاة المصالح الإيرانية في ملفات عدة. وتحولت هذه المكاسب مجتمعة إلى عوامل عززت الضغط الإيراني على المنطقة العربية، عبر جسر بري يربط إيران بالعراق، ومنه إلى سوريا وصولًا إلى لبنان والبحر المتوسط، بالتوازي مع استمرار الضغط على دول الخليج العربية، والإبقاء على منفذ بحري للحوثيين عبر تعطيل استكمال السيطرة على الحديدة.

لو كنت غربيًا حقًا، وتفكر بعقل غربي، ولم تأخذ من الغرب سوى القشرة الخارجية، فستجد أن سلوك الغرب يبدو عقلانيًا إلى حد كبير، ومبنيًا على قراءة واعية لدروس التاريخ. وبعيدًا عن الثنائية الساذجة التي تصور الغرب باعتباره “طيبًا” أو “شريرًا”، فإن المصالح الجيوسياسية الطبيعية والمنطقية تدفعه إلى النظر للعالم الإسلامي بوصفه أحد أهم مراكز الثقل الجغرافي والبشري في العالم، وأن هذه المنطقة، إلى جانب موقعها الاستراتيجي الفريد، تزخر بثروات طبيعية هائلة أتاح التقدم التكنولوجي الحديث استغلالها على نطاق واسع. كما أن الإسلام، باعتباره جزءًا من السياق الإبراهيمي، يتميز بطبيعته التبشيرية وقابليته للتمدد الجغرافي والديمغرافي، بخلاف اليهودية غير التبشيرية تاريخيًا، ومحدودة الامتداد الديمغرافي، ويختلف أيضًا عن المسيحية من حيث ارتفاع مستوى التجانس العقدي بين أتباعه؛ فكتاب المسلمين واحد، وقبلتهم واحدة، ونبيهم واحد، وأصول دينهم واحدة، بينما ينتمي ما يقرب من 90 إلى 95% من المسلمين إلى المذهب السني، في مقابل تعدد كبير في الطوائف المسيحية واختلافاتها التاريخية والعقدية. كما أن سقوط آخر خلافة إسلامية لم يمض عليه سوى ما يزيد قليلًا على قرن، وهو ما يجعل فكرة الأمة ما تزال حاضرة، بدرجات متفاوتة، في الوعي الجمعي لقطاعات واسعة من المسلمين. وعليه، توجد داخل هذا الدين قوة كامنة يمكن، إذا توافرت الظروف، أن تتحول إلى ثقل سياسي واقتصادي، بالنظر إلى ما تمتلكه شعوبه من أراضٍ وثروات وموقع جغرافي بالغ الحساسية.

أمر آخر شديد الأهمية، قبل معركة جالديران عام 1514، كان العالم الإسلامي في المشرق منقسمًا بين عدة قوى رئيسية: الدولة الصفوية في إيران وما جاورها، ودولة المماليك البرجية التي كانت تسيطر على مصر والحجاز وبلاد الشام، إضافة إلى أجزاء واسعة من المشرق العربي، والدولة العثمانية المتمركزة في الأناضول والبلقان. وعندما هُزمت الدولة الصفوية في معركة جالديران عام 1514، اتجه السلطان سليم الأول (ياووز) جنوبًا نحو دولة المماليك، فانتصر عليها في معركة مرج دابق عام 1516، ثم في معركة الريدانية عام 1517، ودخل القاهرة في العام نفسه. وبعد سقوط دولة المماليك، أرسل الشريف بركات الثاني، شريف مكة، أبناءه للقاء السلطان سليم الأول، معلنًا ولاءه له، ومقدمًا مفاتيح الكعبة المشرفة، لتنتقل الحجاز إلى السيادة العثمانية، ويتلقب السلطان بـ”خادم الحرمين الشريفين”، وهو اللقب الذي حمله سلاطين المماليك في القاهرة من قبله.

وقد أدى توحيد مصر وبلاد الشام والحجاز والأناضول تحت سلطة واحدة إلى منح الدولة العثمانية عمقًا استراتيجيًا غير مسبوق، وسيطرة مباشرة على أهم طرق التجارة بين الشرق والغرب، مع تحولها إلى القوة الإسلامية الكبرى في المنطقة.

وقد أسهم هذا التحول، إلى جانب إضعاف الدولة الصفوية، في إطلاق موجة توسع عثمانية واسعة في أوروبا. ففي عام 1521 فتح العثمانيون بلغراد، ثم استولوا على جزيرة رودوس عام 1522، قبل أن يحققوا انتصارهم الكبير في معركة موهاكس عام 1526، التي مهدت لسيطرتهم على معظم المجر. وبعد ذلك بسنوات دخلوا بودا عام 1541، وأصبحت وسط المجر ولاية عثمانية، بينما خضعت ترانسلفانيا للنفوذ العثماني، ووصلت جيوش السلطان سليمان القانوني إلى أسوار فيينا، عاصمة الإمبراطورية الرومانية المقدسة، خلال الحصار الأول عام 1529.

وفي الوقت نفسه، امتد النفوذ العثماني في البحر المتوسط وشمال أفريقيا، ليشمل الجزائر وطرابلس الغرب وتونس، ويعزز حضور الدولة العثمانية على الضفة الجنوبية للمتوسط. كما بسط العثمانيون نفوذهم على العراق بعد دخول بغداد عام 1534، وهو ما وفر لهم سيطرة على مساحة جغرافية تمتد من وسط أوروبا حتى الخليج العربي.

وفي هذه المرحلة، أصبحت الدولة العثمانية تهيمن على جانب رئيسي من طرق التجارة العالمية آنذاك، بما في ذلك أجزاء مهمة من طريق الحرير، وطريق التوابل القادم من الهند عبر البحر الأحمر ومصر، إلى جانب سيطرتها على ممرات الملاحة في البحر المتوسط والبحر الأحمر والبحر الأسود وبحر قزوين. وقد منحها هذا الموقع ثقلا اقتصاديًا وجيوسياسيًا استثنائيًا، وجعلها حلقة وصل رئيسية بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.

الدرس المستفاد أن ارتفاع مستوى الانسجام داخل العالم الإسلامي، مع وجود شعور بوحدة الهوية والتاريخ، وسيطرة قوة سياسية مركزية على قلب المنطقة، يمكن أن يخلق فائض قوة قابلًا للتحول إلى نفوذ سياسي واقتصادي وعسكري يتجاوز حدود الإقليم. ومن هذا المنطلق، يرى البعض أن منع تكرار هذا النموذج كان، وما يزال، هدفًا ثابتًا في حسابات القوى الكبرى، من خلال الإبقاء على توازنات إقليمية تمنع تشكل مركز قوة مهيمن داخل العالم الإسلامي، سواء عبر الصراعات البينية، أو عبر الحفاظ على موازين قوى تحول دون تراكم عناصر القوة في يد طرف واحد.

ومن هذا المنظور، حرصت الدولة البابوية، إلى جانب الإمبراطورية الرومانية المقدسة، في مراحل مختلفة، على إقامة علاقات واتصالات مع الدولة الصفوية بهدف موازنة القوة العثمانية، كما سعت قوى أوروبية أخرى، وفي مقدمتها آل هابسبورغ، إلى تشجيع أي تحالف يمكن أن يخفف الضغط العثماني على أوروبا. وقد استمر هذا النمط من التوازنات خلال عهود الدولة الصفوية، ثم الدولة الأفشارية، ولاحقًا الدولة القاجارية، وإن اختلفت طبيعة العلاقات وأدواتها من مرحلة إلى أخرى.

ورغم أن العثمانيين تمكنوا من دخول تبريز أكثر من مرة، ووصلوا في بعض حملاتهم إلى مدن في غرب إيران، إلا أنهم لم يتمكنوا من إخضاع الدولة الصفوية بصورة نهائية أو القضاء عليها. وعلى امتداد أكثر من ثلاثة قرون، خاض الطرفان نحو اثنتي عشرة حربًا كبرى، فضلًا عن عشرات الحملات والاشتباكات الحدودية، وهو ما استنزف قدرات الدولتين، ورسخ حالة من التوازن الاستراتيجي بينهما، قبل أن تبدأ الدولة العثمانية لاحقًا في مواجهة تحديات متزايدة على جبهاتها الأوروبية والروسية.

وخلال القرن التاسع عشر، أصبحت الدولة العثمانية تمثل، في نظر كثير من القوى الأوروبية، حاجزًا جيوسياسيًا أمام التوسع الروسي نحو البحر المتوسط، فيما عُرف لاحقًا بـ”المسألة الشرقية”. واستمر هذا الوضع حتى تبدلت موازين القوى الأوروبية، وتبلورت تفاهمات جديدة بين القوى الكبرى، كان من نتائجها إعادة رسم خريطة المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية.

ومع تراجع الدولة العثمانية ثم انهيارها، وانتقال مركز الثقل في الاقتصاد العالمي من طرق التجارة التقليدية إلى مصادر الطاقة، برز الخليج العربي تدريجيًا بوصفه إحدى أهم مناطق التنافس الدولي. أما الطفرة الاقتصادية التي حققتها الدول العربية المنتجة للنفط عقب حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فقد تعرضت لاحقًا لجملة من التحولات الجيوسياسية، كان من أبرزها اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979، ثم إعلان مبدأ كارتر عام 1980، الذي اعتبر أمن الخليج العربي مصلحة حيوية للولايات المتحدة، وأسّس لوجود عسكري أمريكي متزايد في المنطقة. وتزامن ذلك مع تراجع العمل العربي المشترك، وصولًا إلى الضربة القاصمة التي تلقاها باحتلال نظام صدام حسين للكويت عام 1990، وما ترتب عليه من تداعيات استراتيجية ما زالت المنطقة تعيش آثارها.

وفي الوقت نفسه، كانت إيران قد خرجت من حربها الطويلة مع العراق مثقلة بالخسائر، ومحاصرة بالعقوبات، بينما كانت تواجه على حدودها الشرقية نظام طالبان، وعلى حدودها الغربية نظام صدام حسين، وهو ما جعلها تعيش حالة من الضغوط الاستراتيجية المستمرة. غير أن هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 وما أعقبها من إسقاط نظام طالبان ثم نظام صدام حسين، غيرت البيئة الاستراتيجية المحيطة بإيران بصورة جذرية، ومنحتها هامشًا أوسع للحركة الإقليمية، وهو ما يربطه البعض بالتصورات الأمريكية آنذاك حول إعادة تشكيل توازنات المنطقة.

لذا من السذاجة المفرطة أن يتخيل البعض أن الولايات المتحدة والغرب سيسعيان، في الوقت نفسه، إلى إسقاط إيران، وإنهاء آخر مصادر الضغط التي تواجه دول الخليج، والضغط على إسرائيل لتحقيق سلام شامل، والقضاء على الإسلام السياسي السني، ثم ترك المنطقة، في ظل ما تمتلكه من فوائض مالية، وصناديق استثمارية ضخمة، ورؤى تنموية متسارعة، وقدرات متزايدة على التوسع في قطاعات الاستثمار والتكنولوجيا والرياضة، لتنعم بالأمن والسلام والازدهار من دون أي اعتبارات تتعلق بتوازنات القوة.

ومرة أخرى، نحن لسنا أمام “مؤامرة”، بقدر ما نحن أمام مخططات وسياسات طبيعية لدول تدرك قيمة التاريخ، وتربط بينه وبين الواقع الحي في صياغة مصالحها واستراتيجياتها. وفي الوقت نفسه، الطرح المتفائل حول الازدهار يتجاهل أن إسرائيل، حتى لو تحقق لها سلام كامل مع جميع جيرانها، ستواجه تحديات استراتيجية مختلفة. فالدول، في النهاية، تستمد أهميتها أيضًا من الوظيفة التي تؤديها داخل النظام الإقليمي والدولي، كما أن تفوقها العسكري والتكنولوجي لا يلغي حقائق الجغرافيا والديموغرافيا والاقتصاد المحيط بها، ولا يجعلها بمنأى عن التحولات بعيدة المدى.

ولعل السؤال الذي قد يطرحه البعض: هل يعني ذلك أن الصراع قدر محتوم، ولا سبيل سوى الحروب؟ بالتأكيد لا. تمامًا كما أن التصورات الساذجة، وثنائية “الطيب” مقابل “الشرير”، أو الاعتقاد بأن القضايا المعقدة يمكن حلها ببساطة عبر علاقة هنا أو اتفاق تطبيع هناك، لا تعكس طبيعة الواقع. فالأمور أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير، وتحتاج إلى تصورات جادة تنطلق من الواقع، وتقرأ التاريخ قراءة متقنة، باعتباره أحد أهم العوامل التي صنعت هذا الواقع، إلى جانب فهم المتغيرات التي يشهدها النظام الدولي، ودور الجغرافيا السياسية، وبقية العناصر المؤثرة في صناعة القرار.

أخيرًا، أتمنى أن يتسع النقاش العربي حول هذه القضايا بصورة أكثر عمقًا، لأن آخر ما تحتاجه المنطقة في هذه المرحلة هو الخطاب التعبوي، أو الاكتفاء بالشعارات، أو ترك الساحة لمن يقتاتون على الأزمات ويحولونها إلى وسيلة للارتزاق، بدلًا من البحث الجاد عن فهم أعمق للواقع وآليات التعامل معه. وفي هذا السياق، ينبغي أن يظل الحفاظ على أمن دول الخليج العربية واستقرارها أولوية عربية، لما تمثله من ركيزة أساسية للأمن القومي والاقتصاد العربيين، خصوصًا في ظل ما تواجهه من تهديدات وتوترات إقليمية متصاعدة، وفي مقدمتها العدوان الإيراني الحالي غير المبرر، الذي ينبغي إدانته بلا أي تردد.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع