أبحاث ودراسات

ماذا تريد تركيا من مصر والسعودية؟

من الطموح العثماني إلى النفوذ الذكي


  • 17 فبراير 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: mei.edu

تشكل زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للسعودية ومصر في الثالث والرابع من فبراير (شباط) الجاري منعطفًا استراتيجيًّا ذا أبعاد متعددة، يمكن قراءته عبر التداخل بين ثلاثة مناظير مترابطة على الصعيد الداخلي والإقليمي والدولي، حيث تعكس هذه الزيارة محاولة واضحة لتعزيز المكانة السياسية للرئيس التركي، من خلال استعراض قدرة حكومة العدالة والتنمية على إدارة ملفات حساسة تؤثر مباشرة في الاستقرار السياسي والاقتصادي بتركيا، وإبراز دورها بوصفها فاعلًا إقليميًّا قادرًا على صياغة التحالفات والمبادرات الإستراتيجية بما يخدم أهدافها الوطنية.

في مقابل هذا المنظور، تأتي الزيارة في سياق إعادة ترتيب أوراق النفوذ التركي في الشرق الأوسط في لحظة إقليمية فارقة تتسم بتفكك أنماط الاستقطاب الحاد التي حكمت المنطقة ما بعد 2011، وصعود نمط أكثر تعقيدًا يقوم على تعددية مراكز القوة، وتداخل المصالح، وتراجع الأيديولوجيا بوصفها إطارًا حاكمًا للسلوك الخارجي، واتساقًا مع هذا تشير التحركات التركية الراهنة إلى سعي متزايد لتبني سياسة خارجية أكثر مرونة وبراغماتية، تتكيف مع التغيرات في ميزان القوة العالمي، وتوازن بين الالتزامات الإقليمية والضغوط الدولية.

 وبينما تتلاقى المناظير الثلاثة في الاعتراف بمحاولة تركيا إعادة تموضع إستراتيجي داخل النظام الإقليمي والدولي، تختلف في نطاق التأثير وتقدير الأخطار لتلك المحاولة، ما يطرح عدة تساؤلات جوهرية، تتمثل في: كيف تجسد هذه التحركات رؤية تركيا لإعادة بناء صورتها ونفوذها داخليًّا وخارجيًّا؟ وما انعكاساتها على التوازن الإقليمي في الملفات الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية، خاصة مع إعلان زيارة أردوغان للإمارات وإثيوبيا؟ وكيف ينظر المجتمع الدولي -خاصة الولايات المتحدة وروسيا والصين- إلى هذا التقارب؟ وما دوره في إعادة تشكيل التحالفات الإستراتيجية في المنطقة؟ وإلى أي مدى يمكن لتلك الخطوة أن تعيد رسم خرائط النفوذ التقليدية في المنطقة.

الحسابات الداخلية للزيارة التركية:

تعكس الزيارة التركية الأخيرة إلى  السعودية ومصر بعدًا داخليًّا محوريًّا في حسابات أنقرة، لا يقل أهمية عن البعد الإقليمي والدولي؛ فمن منظور صانع القرار التركي، لا يُقاس أي تحرك خارجي بمكاسب العلاقات الثنائية فقط؛ بل بمدى إسهامه في تعزيز الاستقرار الداخلي، وترسيخ شرعية حكومة العدالة والتنمية، وتعزيز التماسك الوطني في مواجهة تحديات اقتصادية وسياسية متراكمة، فالزيارة تأتي في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية على المواطنين، سواء من حيث التضخم، أو تراجع القدرة الشرائية، أو تداعيات سوق العمل.

فعلى المستوى السياسي، توفر الزيارة لأردوغان وحكومته منصة لإظهار قدرة الدولة التركية على الانخراط بفاعلية في ملفات إقليمية إستراتيجية، بما يعزز صورة القيادة القوية والخبيرة في إدارة القضايا الحساسة، فالتقارب مع عواصم مركزية مثل القاهرة والرياض -بعد سنوات من التوترات- يُسوق داخليًّا على أنه دليل على مهارة أنقرة الدبلوماسية، وقدرتها على ضمان مصالح تركيا، حتى مع تغير موازين القوى في المنطقة. هذا النجاح الرمزي يسهم في تعزيز موقع الحزب الحاكم على الساحة السياسية، ويخلق أدوات خطابية أمام المعارضة بشأن قدرة الحكومة على حماية مصالح البلاد، واستعادة مكانتها الإقليمية.

كما تمثل الجولة التركية الأخيرة نموذجًا بارزًا لما يمكن وصفه بإعادة ضبط داخلية للسياسة الخارجية التركية، إذ تعكس تحولات عميقة في البنية المؤسسية والإستراتيجية لأنقرة بعد سنوات من الإدارة المركزة للملفات الخارجية في نطاق محدود من الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس، فالزيارة ليست مجرد خطوة لتحسين العلاقات الثنائية؛ بل جاءت لتكشف إعادة ترتيب أولويات الدولة التركية، حيث تعود المؤسسة البيروقراطية إلى الواجهة، وتكتسب المؤسسات الرسمية، ومنها وزارة الخارجية، ووزارة الدفاع، وجهاز الاستخبارات الوطني، دورًا مؤسسيًّا أكثر وضوحًا في صياغة السياسات الخارجية وتنفيذها.

لقد كان الاعتماد السابق على الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس يتميز بالسرعة والمرونة، لكنه كان محدودًا من حيث العمق المؤسسي، والقدرة على المعالجة التقنية للملفات المعقدة، لكن اليوم، يشير التحرك التركي إلى تراجع دور هذه الدائرة في التوجيه المباشر للسياسة الخارجية، لصالح مقاربة مؤسسية أكثر توازنًا، تقوم على خبرة المؤسسات الرسمية، وقدرتها على معالجة الملفات الاقتصادية والعسكرية والدفاعية والاستخباراتية بموضوعية، وهذا التحول يفسر طبيعة الزيارة الهادئة، وخلو الخطاب التركي من التوجه الأيديولوجي أو الشعارات الاستقطابية، مع التركيز على الملفات التقنية.

من هذا المنظور، تجسد مصر والسعودية ما يمكن تسميته بمرآة اختبار للسياسة الخارجية الجديدة تعزيزًا لحكومة العدالة والتنمية في الانتخابات المقبلة، فقد اختارت تركيا أصعب حالتين لإطلاق نموذجها المؤسسي الجديد؛ القاهرة، التي تربطها بتركيا خلافات بنيوية تاريخية وسياسية، والرياض، التي شهدت علاقاتها مع أنقرة توترات إستراتيجية خلال السنوات الماضية، ويرتكز الهدف من هذا الاختبار في  قياس قدرة السياسة الجديدة على إعادة بناء الثقة بين أنقرة والقاهرة والرياض، فضلًا عن ضمان أن هذا التقارب لا يستلزم تقديم تنازلات سيادية كبرى قد تُفسر داخليًّا على أنها تراجع تركي؛ لأن الفشل في إدارة تلك العلاقة المتشابكة سيُقرأ داخليًّا على أنه فشل النموذج بالكامل.

أما على المستوى الشعبي، فإن زيارة الرئيس التركي إلى دول عربية محورية تسهم في تعزيز شعور المواطن بالثقة بأن بلاده لاعب فاعل قادر على حماية مصالحه الاقتصادية والسياسية، فتأكيد التعاون في ملفات الطاقة والتجارة والصناعة الدفاعية يوفر مواد إعلامية يمكن استغلالها كمكاسب ملموسة للمواطنين، سواء عن طريق تخفيف حدة المعارضة لسياسات حكومة العدالة والتنمية، أو من خلال إظهار قدرة الحكومة على جذب مشروعات تعزز النمو الاقتصادي، وهذا البعد الشعبي مهم جدًّا في سياق انتخابات مقبلة، أو في مواجهة أي ضغوط اجتماعية محتملة، إذ يعيد رسم العلاقة بين الدولة والمواطن على أساس النجاح في السياسة الخارجية كمؤشر على قوة الدولة، بما يعزز شعور المواطنين بالأمن والثقة بالمؤسسات الحكومية.

الزيارة التركية من المنظور الإقليمي:

شهد النظام الإقليمي في الشرق الأوسط منذ عام 2011 تحولًا بنيويًّا عميقًا، ومثل إعادة صياغة لقواعد التفاعل الإقليمي نفسها، فقد أدت موجة الانتفاضات العربية إلى كسر التوازنات الهشة التي استقرت نسبيًّا منذ نهاية الحرب الباردة، وأطلقت ديناميات سيولة سياسية وأمنية غير مسبوقة انهار معها نموذج الضبط الإقليمي الذي كان قائمًا على معادلة الاستقرار السلطوي مقابل احتواء الصراعات عبر تفاهمات ضمنية بين القوى الدولية والإقليمية، وانفتح المجال أمام إعادة توزيع القوى داخل المنطقة، وبرزت قوى إقليمية سعت إلى ملء الفراغ، فيما تراجعت قدرة النظام العربي التقليدي على إنتاج استجابات جماعية متماسكة.

وفي هذا السياق شكل مفهوم الاستقطاب الحاد أحد المفاتيح التفسيرية المركزية لفهم سلوك السياسة الخارجية التركية في الشرق الأوسط، ففي أعقاب التحولات التي شهدتها المنطقة بعد عام 2011، تبنت أنقرة مقاربة قائمة على الانحياز الواضح إلى مسارات تغيير سياسي محددة، واعتبرت نفسها طرفًا فاعلًا في إعادة تشكيل البيئة الإقليمية، وخلال تلك المرحلة، تداخل البعد القيمي مع الحسابات الجيوسياسية، ونُظِرَ إلى الإقليم بوصفه ساحة صراع بين رؤيتين متناقضتين للنظام السياسي والشرعية؛ ونتيجة لذلك انخرطت تركيا في شبكة من التفاعلات المباشرة وغير المباشرة، سواء عن طريق التموضع الدبلوماسي، أو من خلال الانخراط العسكري في بعض الساحات، مثل سوريا وليبيا، بما رسخ صورة الاستقطاب بوصفه الإطار المنظم لسلوكها الخارجي.

ولكن ابتداءً من أواخر العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، بدأت ملامح تحول نوعي في بنية النظام الإقليمي، وبرز نمط أكثر تعقيدًا يقوم على تعددية مراكز القوة، وتداخل مسارات التعاون والتنافس في آن، وبعد سنوات من تبني أنقرة سياسة خارجية تصادمية، اتسمت بالرهان على منطق المحاور، والتوسع الأيديولوجي، وتوظيف الصراعات الإقليمية كأدوات نفوذ، بدأ هذا النموذج يفقد جدواه مع تراجع موجة التغيير الثوري في الإقليم، وصعود أولويات الاستقرار والتنمية لدى القوى العربية المركزية، فضلًا عن إعادة ترتيب العلاقات الإقليمية على أساس المصالح لا الهويات.

وتماشيًا مع هذا التحول، لا تسعى أنقرة في صيغتها الجديدة إلى قيادة النظام الإقليمي، بل إلى إعادة تعريف وظيفتها داخله، وفي هذا الصدد، تبدو زيارة السعودية ومصر محاولة لصياغة معادلة تكامل وظيفي بين ثلاث قوى مختلفة الأدوار؛ السعودية مركز ثقل مالي وطاقوي وسيادي يقود مشروعات التحول الاقتصادي الإقليمي، ومصر مركز جيوسياسي وأمني مؤسسي يمتلك مفاتيح الاستقرار في شرق المتوسط والبحر الأحمر وغزة، وتركيا قوة صناعية وعسكرية ولوجستية ذات قدرة على الربط بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط، ليتغير الرهان التركي من الزعامة إلى الاندماج في هندسة توزيع الأدوار، بما يمنع تهميشها، ويعيد إدخالها في دوائر التأثير؛ ما يعكس إدراكًا تركيًّا متأخرًا بأن مرحلة الاستقطاب انتهت، وأن الاستمرار في التمركز خارج شبكات التفاهم الإقليمي سيؤدي إلى تآكل دورها؛ ومن ثم فإن أنقرة تحاول الانتقال من سياسة اختيار المحور إلى سياسة إدارة التعدد والتكيف مع التوازنات.

 ولعل أحد المحركات الخفية للزيارة يتمثل في القلق التركي من تشكل ترتيبات إقليمية كبرى دون مشاركتها، خاصة في ملفات ممرات التجارة العالمية الجديدة، وإعادة إعمار غزة وسوريا، فضلًا عن أمن البحر الأحمر وشرق المتوسط، وشبكات الطاقة والبنية التحتية العابرة للحدود، ففي حال ترسخت هذه الترتيبات من خلال تفاهمات مصرية- سعودية- أمريكية- أوروبية، فإن تركيا ستجد نفسها أمام خسارة إستراتيجية مزدوجة؛ العزلة الجيوسياسية، وتراجع القيمة الوظيفية في حسابات القوى الكبرى؛ ما يجعل الزيارة التركية محاولة استباقية لكسر العزلة المحتملة، وليس مجرد تحسين صورة، أو ترميم علاقاتها مع العالم العربي.

واستجابة لتلك المخاوف، طورت أنقرة مقاربة أكثر براغماتية تقوم على الفصل النسبي بين الخلافات السياسية وإمكانات التعاون الوظيفي، فبدلًا من النظر إلى العلاقات الإقليمية بوصفها علاقات تحالف أو خصومة شاملة، باتت السياسة التركية تميل إلى تجزئة الملفات، بحيث يمكن إدارة التباينات في مسار، وفتح قنوات تعاون في مسارات أخرى، سواء في الاقتصاد أو الطاقة أو الصناعات الدفاعية. هذه المقاربة تكشف أن الشرق الأوسط ما بعد موجة الاستقطاب لم يعد فضاءً لمحاور مغلقة؛ بل شبكة متداخلة من المصالح المتغيرة.

ومن زاوية أعمق، يرتبط هذا التحول بمراجعة تركية لمفهوم العمق الإستراتيجي نفسه. ففي صيغته الأولى، كان المفهوم يركز على توسيع النفوذ من خلال الارتكاز إلى الروابط التاريخية والثقافية والجيوسياسية. أما في صيغته الراهنة، فيتجه نحو توظيف الأدوات الاقتصادية والتكنولوجية بوصفها ركيزة تأثير أكثر استدامة، وأقل كلفة، فالصناعات الدفاعية، والطائرات المسيرة، ومشروعات البنية التحتية، والتكامل التجاري، باتت أدوات مركزية في إعادة صياغة الحضور التركي، ضمن بيئة تتطلب مرونة أعلى، وقدرة على التكيف مع توازنات سريعة.

وفي هذا الإطار تحديدًا يمكن قراءة الزيارة التركية الأخيرة إلى مصر والسعودية، في سياق إعادة تثبيت وظيفة تركيا بوصفها قوة ربط داخل الفضاء العربي المركزي، فالقاهرة تمثل عقدة توازن في شرق المتوسط والبحر الأحمر وليبيا، فيما تمثل الرياض مركز ثقل سياسي واقتصادي في الخليج والعالمين العربي والإسلامي، ومن منظور أنقرة، فإن الانفتاح المتوازي على هاتين العاصمتين يعكس انتقالًا واعيًا من منطق التنافس القيادي إلى منطق التشابك الوظيفي، من خلال توسيع هامش حركتها في ملفات شرق المتوسط، وأمن البحر الأحمر، وسلاسل التجارة والطاقة، والضغط على الإمارات وإسرائيل على نحو غير مباشر، ودون أن تتحمل كلفة صراعات مفتوحة تستنزف مواردها، ما يمثل عملية إعادة إدماج تدريجية داخل النظام العربي، ولكن بصيغة شراكة متوازنة لا تقوم على الوصاية أو التنافس الرمزي.

الزيارة التركية من المنظور الدولي:

يمثل التحول الراهن في السياسة الخارجية التركية انعكاسًا لفهم دقيق لطبيعة النظام الدولي الراهن، حيث تتراجع فكرة القيادة الأحادية لصالح تعددية قطبية مرنة، وفي هذه البيئة، تزداد قيمة الدول القادرة على التحرك بين المحاور، وخلق مساحات تواصل بين قوى متنافسة؛ ومن ثم فإن تركيا تجد في الربط الإستراتيجي وسيلة لتعظيم نفوذها دون الانخراط في التزامات مكلفة قد تستنزف مواردها، والاقتراب من مصر والسعودية يمنحها عمقًا عربيًّا مؤسسيًّا، يعزز صورة أنقرة بوصفها فاعلًا قادرًا على الجمع بين دوائر متباينة بدل الاصطفاف في مواجهة إحداها.

كما تشير الزيارة التركية الأخيرة إلى مصر والسعودية إلى مرحلة جديدة من الحسابات الإستراتيجية لأنقرة على المستوى الدولي، في وقت يتسم بتعقيد السياق العالمي، وازدواجية التحديات، فتركيا التي تسعى منذ سنوات إلى إعادة تعريف دورها الإقليمي، تتعامل اليوم مع بيئة دولية متعددة الأقطاب، تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى، من الولايات المتحدة وأوروبا إلى روسيا والصين، في ملفات الطاقة والأمن والتجارة. ومن هذا المنطلق، لم تكن الزيارة مجرد استعادة للعلاقات الثنائية؛ بل خطوة مدروسة ضمن إستراتيجية تهدف إلى تثبيت موقع تركيا في ترتيبات إقليمية ودولية متشابكة، وضمان قدرتها على المناورة بين تحالفات متقلبة دون أن تُستبعد عن قرارات محورية.

ومن هذا يتضح ارتباط حسابات تركيا الدولية من الزيارة بعدة محاور رئيسة؛ أولها إعادة إدماج أنقرة في شبكات التعاون الدولي التي شهدت توجها متسارعًا نحو مؤسسية أكثر بعد مرحلة الاستقطاب الحاد، حيث أصبحت القاهرة والرياض مراكز ثقل أساسية في شرق المتوسط، والبحر الأحمر، والخليج العربي، وفاعلين رئيسَين في مبادرات الطاقة والبنية التحتية والصناعة؛ ما يجسد  فهمًا راسخًا بأن غيابها عن هذه الترتيبات قد يحصر تأثيرها في أطر محدودة، في حين تتشكل قواعد اللعبة الجديدة دون إشراكها، مما قد يؤدي إلى تهميش دورها الإستراتيجي على المدى المتوسط.

وثانيًا: تعكس الزيارة حسابات تركيا في مواجهة التحولات الكبرى في النظام الدولي، فالتنافس الأمريكي الصيني، والتحولات في السياسة الأوروبية، وتأثيرات الحرب بأوكرانيا في أسواق الطاقة والغذاء، جميعها عوامل تؤثر تأثيرًا مباشرًا في مراكز النفوذ الإقليمي. وبالنظر إلى هذه المتغيرات، تحاول أنقرة أن تبني شبكة أمان دبلوماسية متعددة الاتجاهات، من خلال تعزيز التعاون مع اللاعبين الإقليميين الرئيسين، بحيث تظل تركيا عنصرًا مؤثرًا في معادلات الطاقة، والأمن البحري، والتجارة العابرة للقارات، في الوقت الذي تحافظ فيه على مرونتها أمام التغيرات في سياسات القوى الكبرى.

ولعل تخوف أنقرة الجوهري يرتبط بتحولات أوسع في النظام الدولي، فمع تصاعد التنافس بين القوى الكبرى خاصة بعد عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى الحكم، تتزايد أهمية الأطر الإقليمية شبه المؤسسية التي تُستخدم كمنصات لتنسيق المواقف، أو لتأمين المصالح الاقتصادية، وإذا ما انخرطت العواصم العربية المركزية في هذه الأطر دون تركيا، فإن هامش مناورتها الدولية قد يتقلص، خاصة في ملفات تتقاطع فيها مصالحها مع أوروبا، أو الولايات المتحدة، أو حتى الصين وروسيا؛ لذلك فإن التقارب مع مصر والسعودية يمنح أنقرة مظلة عربية أوسع، ويعزز قدرتها على التفاوض من موقع الاندماج في مستقبل النظام الدولي.

الخاتمة

تكشف الزيارة التركية الأخيرة أن أنقرة بصدد إعادة صياغة سياستها الخارجية وفق نموذج مؤسسي قائم على المرونة والقدرة على إدارة ملفات تقنية وإستراتيجية، بدل الانخراط في صراعات أيديولوجية، فالزيارة إلى مصر والسعودية، وما يعقبها من نية لزيارة الإمارات وإثيوبيا، ليست مجرد عملية دبلوماسية؛ بل خطوة مركزية ضمن مشروع إعادة ضبط السياسة الخارجية التركية، تهدف إلى اختبار قدرة المؤسسات الرسمية على إدارة ملفات معقدة، وتعزيز الأمن الاقتصادي والاستثماري، فضلًا عن إثبات أن تركيا قادرة على حماية مصالحها الإستراتيجية دون تراجع سيادي، وهو ما يمثل تحولًا جوهريًّا في تعريف الدور التركي على المستوى الداخلي والإقليمي والدولي.

بناءً عليه، فإن اختزال الزيارة في إطار تحسين العلاقات الثنائية، أو جذب الاستثمارات، يُعد قراءة قاصرة؛ فالدلالة الأعمق تكمن في كونها خطوة ضمن عملية إعادة تموضع إستراتيجي تركي داخل نظام إقليمي قيد التشكل، تسعى من خلالها أنقرة إلى الانتقال من موقع الفاعل التصادمي إلى موقع الشريك المرن المتعدد المسارات، لإعادة هندسة شبكة العلاقات الإقليمية على أسس جديدة، تتجاوز إرث الاستقطاب، وتستجيب لواقع إقليمي بات أكثر تعقيدًا وتشابكًا مما كان عليه قبل عقد من الزمن.

ولكن في المقابل، على الرغم من أهمية الزيارة، فإنها لا تعني بالضرورة تحولًا جذريًّا أو نهائيًّا في السلوك التركي، فتاريخ العلاقات الخارجية التركية يشير إلى قدرة أنقرة على التكيف دون التخلي الكامل عن أدواتها القديمة، ومرونتها التكتيكية لا تُترجم دائمًا إلى التزامات طويلة الأمد؛ ومن ثم فإن التعامل مع هذا التحول ينبغي أن يكون براغماتيًّا حذرًا، يقوم على اختبار النيّات من خلال الملفات العملية، فلا تمثل زيارة أردوغان إلى السعودية ومصر مصالحة تقليدية، ولا عودة دافئة إلى البيت العربي؛ بل تعكس محاولة لجني مكاسب على ثلاثة أصعدة؛ الداخلي، والإقليمي، والدولي.

ما ورد في الدراسة يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع