القضايا الاقتصاديةمقالات المركز

إستراتيجية الاتحاد الاقتصادي الأوراسي في توسيع الشراكات

من التكامل الإقليمي إلى التموقع العالمي


  • 27 فبراير 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: wikipedia

في إطار تحركاته الهادفة إلى إعادة تشكيل خريطة شراكاته الاقتصادية، أعلن الاتحاد الاقتصادي الأوراسي عزمه إطلاق مفاوضات رسمية لإنشاء مناطق تجارة حرة حديثة مع كل من الأردن، وباكستان، وزيمبابوي، وجنوب إفريقيا، في خطوة تعكس توجهًا إستراتيجيًّا واضحًا نحو توسيع شبكة علاقاته التجارية خارج نطاقه الجغرافي التقليدي.

ولا يأتي اختيار هذه الدول اعتباطًا؛ وإنما يندرج ضمن أولويات المرحلة الأولى من مسار تفاوضي منظم يستهدف تنويع الشركاء التجاريين، وتقليص درجة الاعتماد على الأسواق الغربية. ويتزامن هذا التوجه مع مساعي دول الاتحاد إلى تعزيز مرونتها الاقتصادية في مواجهة العقوبات الغربية والتقلبات المتزايدة في النظام التجاري الدولي، وهو ما أشارت إليه أيضًا نائبة رئيس وزراء بيلاروس نتاليا بيتكيفيتش، في تصريحات رسمية أكدت البعد الإستراتيجي لهذه الخطوة.

الأهمية الإستراتيجية والاقتصادية للدول الشريكة في توسيع نفوذ الاتحاد التجاري

يتصدر الأردن قائمة الشركاء المحتملين، بالنظر إلى موقعه الإستراتيجي الذي يجعله حلقة وصل بين المشرق العربي والخليج وشمال إفريقيا، فضلًا عن تمتعه بشبكة اتفاقيات تجارة حرة مع الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وعدد من الدول العربية؛ ما يمنحه قدرة نفاذ تفضيلية إلى أسواق واسعة. كما أن استقراره النسبي وبنيته اللوجستية، لا سيما ميناء العقبة، يعززان من جاذبيته بوصفه شريكًا محتملًا في سلاسل الإمداد الإقليمية.

أما باكستان، فتُمثل اقتصادًا يتجاوز عدد سكانه 240 مليون نسمة؛ ما يجعلها من أكبر الأسواق الاستهلاكية في آسيا. وقد شهدت السنوات الأخيرة توجهًا متزايدًا نحو تعزيز البنية التحتية والطاقة ضمن مشروعات مرتبطة بالممر الاقتصادي الصيني- الباكستاني، وهو ما يرفع قدرتها على أداء دور لوجستي وتجاري مهم في جنوب آسيا. كما تتمتع بقاعدة إنتاجية معتبرة في مجالات الزراعة، والمنسوجات، والصناعات الخفيفة.

وفي القارة الإفريقية، تبرز جنوب إفريقيا بوصفها أحد أكثر الاقتصادات تنوعًا وتصنيعًا في القارة، وعضوًا في مجموعة بريكس، فضلًا عن دورها المحوري في تجمعات إقليمية مثل مجموعة التنمية لإفريقيا الجنوبية (SADC). أما زيمبابوي، فعلى الرغم من التحديات الاقتصادية التي واجهتها خلال العقدين الماضيين، فإنها تمتلك موارد طبيعية مهمة، لا سيما في مجالات المعادن الإستراتيجية كالليثيوم والبلاتين، وهو ما يمنحها أهمية متزايدة في ظل التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تشير تجارب اتفاقيات التجارة الحرة التي أبرمها الاتحاد الاقتصادي الأوراسي سابقًا، مثل اتفاقه مع فيتنام وإيران، إلى أن خفض الرسوم الجمركية وتوحيد الإجراءات الفنية يمكن أن يؤدي إلى نمو ملموس في حجم التبادل التجاري خلال السنوات الأولى من التطبيق. كما أن توجه الاتحاد نحو تسوية نسبة متزايدة من معاملاته بالعملات الوطنية يعكس مسعى عمليًّا لتقليل الاعتماد على الدولار، في سياق التكيف مع العقوبات الغربية، وتقييد الوصول إلى النظام المالي الدولي.

ومن ثم، فإن اتفاقيات التجارة الحرة المحتملة لا تقتصر على بعدها التجاري فحسب؛ بل تندرج ضمن إستراتيجية أوسع لإعادة توجيه مسارات التجارة والاستثمار، وتعزيز الروابط مع اقتصادات ناشئة تمتلك أسواقًا واسعة، وموارد إستراتيجية، بما يدعم توجه الاتحاد نحو تنويع شراكاته، وبناء شبكة علاقات أكثر اتساعًا خارج الفضاء الأوروبي التقليدي

تحولات النظام الاقتصادي العالمي وصعود التكتلات البديلة

منذ نهاية الحرب الباردة، ترسّخ في النظام الاقتصادي الدولي نموذج ليبرالي غربي يقوم على تحرير التجارة، وتعظيم دور رأس المال المالي، وتقليص تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي، مع الاعتماد المؤسسي على أطر متعددة الأطراف مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية. وقد أسهم هذا النموذج في توسيع نطاق العولمة، وتعميق الترابط المالي والتجاري بين الاقتصادات.

غير أن الأزمات البنيوية المتكررة، وفي مقدمتها الأزمة المالية العالمية عام 2008، كشفت حدود هذا الإطار؛ ففي عام 2009 انكمش الناتج العالمي بنحو 1.3%، في أول تراجع من نوعه منذ الحرب العالمية الثانية، واضطرت حكومات الولايات المتحدة وأوروبا إلى تنفيذ برامج إنقاذ مالي ضخمة، ودعم مباشر للقطاع المصرفي والأسواق، وهو ما مثّل تحولًا عمليًّا نحو تدخل الدولة على نطاق عريض، خلافًا لخطاب “السوق الحرة” الذي ساد عقودًا.

وفي قلب هذا المشهد، برز الاتحاد الاقتصادي الأوراسي (EAEU) بوصفه إحدى محاولات بناء تكتل اقتصادي بديل أو موازٍ. تأسس رسميًّا عام 2015، ويضم حاليًّا روسيا، وبيلاروس، وكازاخستان، وأرمينيا، وقرغيزستان، ويغطي سوقًا تتجاوز 180 مليون نسمة، بناتج محلي إجمالي يقارب تريليوني دولار بالأسعار الجارية؛ ما يجعله تكتلًا مؤثرًا إقليميًّا مقارنة بالاتحاد الأوروبي، أو الولايات المتحدة.

السيادة الاقتصادية والتكامل الإقليمي بوصفهما ركيزتين للنموذج الأوراسي

يُعدّ الاتحاد الاقتصادي الأوراسي نموذجًا تكامليًّا يختلف في منطلقاته عن النموذج الليبرالي الغربي؛ إذ يركز على تعميق التكامل الإقليمي في إطار يحافظ على الدور المحوري للدولة، بدلًا من الاندماج الكامل في العولمة المالية المفتوحة؛ فعلى المستوى المؤسسي، أرسى الاتحاد تعرفة جمركية موحدة، وأقام سوقًا مشتركة للسلع، وحرر نسبيًّا حركة رؤوس الأموال والخدمات بين أعضائه. كما أتاح حرية تنقل العمالة، حيث يعمل ملايين المواطنين من آسيا الوسطى داخل روسيا دون الحاجة إلى تصاريح عمل تقليدية، وهو ما يجعل التحويلات المالية ركيزة أساسية في اقتصادات مثل قرغيزستان وأرمينيا، إذ تشكل نسبة معتبرة من ناتجها المحلي.

ويعكس هذا التوجه تصورًا يرى الدولة فاعلًا مركزيًّا في توجيه التنمية وحماية القطاعات الإستراتيجية، خصوصًا في مجالات الطاقة والصناعات الأساسية، بخلاف المقاربة التي تمنح أولوية أكبر لقوى السوق وآلياتها الذاتية. كما يتقاطع هذا النموذج مع سياسات صناعية نشطة تتبناها الدول الأعضاء للحفاظ على قدراتها الإنتاجية في بيئة دولية متقلبة.

من الناحية الجيوسياسية، اكتسب الاتحاد زخمًا إضافيًّا في ظل تصاعد العقوبات الغربية على روسيا منذ عام 2014، وتوسعها بعد 2022 لتشمل تجميد أصول سيادية، وتقييد الوصول إلى نظام المدفوعات الدولي “سويفت”. وقد دفع ذلك موسكو وشركاءها إلى تسريع جهود تقليص الاعتماد على الدولار، وتعزيز استخدام العملات الوطنية في المبادلات البينية. وتشير بيانات رسمية إلى أن نسبة التسويات التجارية بالعملات المحلية داخل الاتحاد تجاوزت 70%، مقارنة بأقل من 50% قبل عقد، بما يعكس توجهًا عمليًّا نحو تعزيز هامش السيادة النقدية، وإن ظل تأثيره العالمي محدودًا نسبيًّا.

في هذا الإطار، يمثل الاتحاد منصة لتنسيق السياسات الاقتصادية بين روسيا وبيلاروس وكازاخستان وأرمينيا وقرغيزستان، ويوفر إطارًا مؤسسيًّا لإدارة المصالح المشتركة. ومع أن الاقتصاد الروسي يشكل الكتلة الأكبر من الناتج الإجمالي للاتحاد، فإن هذا الثقل يوفر درجة من الاستقرار المالي، ويمنح الدول الأصغر مظلة تكاملية تساعدها على امتصاص الصدمات الخارجية.

كما أن التركيز على القطاعات الإستراتيجية، وفي مقدمتها الطاقة، والموارد الطبيعية، وسلاسل القيمة الصناعية، يتيح للأعضاء توظيف مزاياهم النسبية على نحو أكثر تكاملًا، مع تعزيز التعاون في مجالات التحويلات المالية والعمل العابر للحدود. ويُضاف إلى ذلك أن آلية اتخاذ القرار القائمة على التوافق السياسي تمنح الدول الأعضاء هامشًا لحماية أولوياتها الوطنية، مع الحفاظ على تماسك التكتل، وهو ما يعزز قدرته على التكيف مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة.

محصلة

يشكّل الاتحاد الاقتصادي الأوراسي إطارًا متقدمًا للتكامل الإقليمي، بحيث يوفّر لأعضائه منصة لتعزيز استقلالهم الاقتصادي، وتنويع شراكاتهم التجارية والمالية، في ظل بيئة دولية تتسم بتزايد التنافس الجيوسياسي واضطراب سلاسل الإمداد. ويستند هذا الإطار إلى نموذج عملي يوازن بين الانفتاح الاقتصادي والحفاظ على السيادة الوطنية، بما يسمح للدول الأعضاء بصياغة سياسات تنموية تعكس أولوياتها الإستراتيجية، دون التفريط في مزايا العمل الجماعي.

كما يتيح الاتحاد توظيف المزايا النسبية لكل دولة ضمن رؤية تكاملية تقوم على المصلحة المشتركة، مع دعم مسارات الابتكار والتصنيع وتعزيز التعاون في القطاعات الحيوية. وفي سياق التحولات المتسارعة في بنية الاقتصاد العالمي، يرسّخ هذا التوجه موقع الاتحاد بوصفه فاعلًا إقليميًّا يسعى إلى توسيع هامش تأثيره، والإسهام في إعادة تشكيل نظام اقتصادي دولي أكثر تعددية وتوازنًا، بما يعزز حضوره، ويمنحه أدوات أوسع للتأثير في المشهد الاقتصادي العالمي.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع