تقدير موقف

بماذا خرجنا من جولة التفاوض الروسي الأوكراني الأمريكي المباشر الأولى في أبو ظبي

مفاوضات أبو ظبي الثلاثية.. لماذا لا تستعجل موسكو السلام؟


  • 26 يناير 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: france24

انتهت مع حلول مساء السبت، 24 يناير (كانون الثاني) 2026، جولة أبو ظبي الثلاثية للتسوية الأوكرانية التي استمرت يومين، من دون بيان ختامي أو إعلان اختراق، لكنها مع ذلك لم توصف بالفشل. وهذا توصيف دقيق؛ لأن المفاوضات لم تنهر؛ بل دخلت مرحلة أكثر حساسية، حيث انتقلت من العموميات إلى تفاصيل فنية وتقنية محددة، مثل المناطق العازلة، وآليات الرقابة، والترتيبات الأمنية المؤقتة، إلخ. غير أن المشكلة المركزية بقيت على حالها، وهي مسالة الأراضي، وضرورة الانسحاب الأوكراني من الدونباس.

من المهم -بلا شك- أن المفاوضات عُقدت بالفعل، وعلى نحو مباشر، بل حسب تسريبات أكسيوس، سوف تعقد جولة جديدة مطلع فبراير (شباط)، لكنها مع ذلك تزامنت مع تصعيد ميداني متبادل يجعلنا نتساءل: هل أطراف التفاوض يتفاوضون بالفعل من موقع حسن نية للوصول إلى اتفاق تسوية أم من موقع فرض الإرادة بالقوة العسكرية؟

والتزامن في التصعيد الميداني معها ليس مصادفة بلا شك؛ بل هو جزء أساسي من دينامية الصراع في مرحلته الراهنة، حيث تتحرك المدافع لتعديل شروط التفاوض، لا لإلغائه.

الهجوم الأوكراني الكثيف على مدينة بيلغورود، مساء السبت 24 يناير (كانون الثاني) 2026، الذي وصفته السلطات المحلية بأنه الأعنف منذ بداية العام، يعكس انتقال كييف هي أيضًا إلى نمط ضغط مباشر على العمق الروسي، مع إدراكها محدودية قدرتها على تحقيق اختراقات ميدانية حاسمة على خطوط التماس.

ورغم عدم تسجيل إصابات بشرية وفق البيانات الرسمية الأولية -حتى لحظة كتابة هذه السطور على الأقل- فإن الدلالة السياسية والعسكرية للهجوم تفوق أثره التكتيكي المباشر. وما أرمي إليه هنا هو أن بيلغورود لم تعد مجرد مدينة حدودية؛ بل باتت رمزًا لنقاش أوسع داخل موسكو بشأن مفهوم الأمن الحدودي، ومعنى أي تسوية مستقبلية.

وزارة الدفاع الروسية بدورها -في بياناتها المتزامنة، السبت 24 يناير- تحدثت عن استهداف مواقع إطلاق مسيرات أوكرانية بعيدة المدى، وضربت منشآت طاقة ونقل تُستخدم لدعم العمليات العسكرية الأوكرانية.

ومع أن موسكو -بناء على بيانات الدفاع- لم تعلن تغييرات جغرافية كبرى على الجبهات، فإنها شددت على استمرار التقدم الموضعي في دونيتسك وزاباروجيا. والرسالة هنا واضحة بالطبع، وتقول من خلالها إن التفاوض لا يجمد الميدان؛ بل يسير بالتوازي معه.

وعودةً إلى أبو ظبي ومفاوضاتها، أود تقديم الموقف الروسي -حسب فهمي له- كما عبر عنه مسؤولون رسميون، وأعضاء بارزون في مجلس الاتحاد، فقد كان واضحًا ومباشرًا، وينص على أن لا تسوية طويلة الأمد من دون حسم مسألة الأراضي، ولا وقف نار قابلًا للحياة من دون ضمانات أمنية صلبة.

فموسكو والكرملين وبوتين لا يرون في أي ترتيب مؤقت بديلًا عن معالجة جذر الصراع،  كما يكرره كل المسؤولين الروس. كما أن بوتين والكرملين وموسكو يتعاملون مع تجربة إسطنبول 2022 بوصفها درسًا يجب عدم تكراره.

في المقابل، تكشف المعطيات الغربية عن مقاربة مختلفة، بمعنى أن واشنطن، في إستراتيجيتها الدفاعية المحدثة، تصف روسيا بأنها “تهديد دائم، لكن قابل للاحتواء”؛ ما يعكس انتقالًا في  الخطاب الامريكي مجددًا تجاه روسيا.

أما أوروبا، فتستعد علنًا لمرحلة “ما بعد الحرب”، من خلال خطة إعادة إعمار لأوكرانيا بقيمة 800 مليار دولار، تمتد حتى عام 2040، مع ربطها بمسار سياسي طويل الأمد.

من وجهة نظر موسكو -حسب فهمي- لا يعني هذا أن الغرب بات أقرب إلى التسوية، بل إنه يحاول تأطير الصراع ضمن أفق زمني طويل دون حسم شروط نهايته.

الدور التركي يعود مجددًا للعلن لتناول مسألة حرب أوكرانيا، وقد يكون بسبب الغيرة من سحب أبو ظبي بساط الوساطة من قاعات إسطنبول.

ومع ذلك أقول إن تصريحات وزير الخارجية هاكان فيدان بدت واقعية جدًّا، ولخصت المأزق بدقة. يقول فيدان: “لا خروج من الطريق المسدود دون حل مسألة دونباس، وكل السيناريوهات المطروحة، من نزع السلاح إلى المناطق الاقتصادية المشتركة، تصطدم كلها بالسؤال الروسي الجوهري: السيادة لمن؟”.

وأنا أتفق معه تمامًا، وفي هذا السياق يكتسب تصعيد بيلغورود معنى إضافيًّا. وما أقصده هو أن ما تراه كييف أداة ضغط تفاوضي، تراه موسكو دليلًا إضافيًّا على ضرورة إنشاء مناطق عازلة عميقة، وتقييد أي سيادة أوكرانية مستقبلية قرب الحدود الروسية؛ ولهذا فإن أي تسوية لا تتضمن معالجة هذا البعد الأمني ستبقى -من وجهة النظر الروسية- مجرد هدنة مؤقتة قابلة للانفجار؛ لذلك من كل التحليلات التي قرأتها أو طالعتها على المواقع والمنصات الروسية، فضلًا عن تلك الصادرة من دوائر قريبة من الكرملين، تشكل لديَّ انطباعًا أن موسكو  تستمر في التفاوض، لكن بلا ثقة؛ فترمب وواشنطن تضغط لإدارة النزاع لا لإنهائه بسرعة، وكييف تفتقر إلى هامش قرار مستقل، فيما ترى موسكو أن الزمن، ميدانيًّا وسياسيًّا، لا يعمل ضدها.

لذلك، مع ختام جولة أبو ظبي الأولى أقول، نعم السياسة تتحرك، لكن النار تسبقها بخطوة.. وكلما اقترب النقاش من الأرض، ازداد التصعيد عليها.

أما التسوية، فستظل مؤجلة ما لم يُحسم السؤال الذي تتهرب منه الأطراف الغربية: مَن يسيطر على الأرض؟ وكيف ستُحمى هذه السيطرة؟

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع