
في 9 يناير (كانون الثاني) دخل وقفٌ لإطلاق النار حيّز التنفيذ من الساعة الثالثة فجرًا حتى التاسعة صباحًا؛ لإتاحة المجال لإجلاء مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الذين كانوا متمركزين في حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، كبرى المدن السورية وعاصمتها الصناعية.
وأعلنت وزارة الدفاع وقف إطلاق النار “حرصًا على سلامة المدنيين، ومنع مزيد من التصعيد العسكري داخل الأحياء السكنية”. ووفقًا للبيان، منح وقف إطلاق النار المقاتلين الأكراد مهلة للانسحاب من الأحياء حتى الساعة التاسعة صباحًا، مع السماح لهم بحمل الأسلحة الفردية الخفيفة فقط، وضمانات بالمرور الآمن ونقلٍ مرافق إلى شمال شرق سوريا.
لاحقًا، مُدِّد وقف إطلاق النار لتسهيل تنفيذ اتفاق تم التوصل إليه برعاية دولية وعربية وإقليمية، لكن صفوف الحافلات التي كانت بانتظار نقل المقاتلين غادرت بعد ظهر اليوم فارغة، بعدما رفض مقاتلو قسد المغادرة، وأبدوا نيتهم البقاء في حي الشيخ مقصود لمواصلة القتال ضد الحكومة السورية، التي تسعى إلى توحيد القوى الأمنية بالتنسيق مع اتفاق مارس (آذار) المبرم في دمشق بوساطة أمريكية.
وأفادت قناة “الإخبارية” السورية الرسمية أن حافلات وصلت لنقل مقاتلي قسد من الأشرفية والشيخ مقصود إلى شمال شرق سوريا. كما أكدت مديرية إعلام حلب أن المؤسسات الحكومية تستعد لدخول الأحياء لإعادة الخدمات، في حين تعمل لجان الاستجابة على تنسيق عودة المدنيين بعد الانتهاء من العمليات الأمنية، وإزالة الألغام، وإعادة فتح الطرق.
وفي يوم الجمعة، أعلنت السلطات المحلية في حلب أن المقاتلين الأكراد المحاصَرين في المدينة سيُنقلون خلال ساعات إلى مناطق الإدارة الذاتية الكردية في شمال شرق سوريا. وذكرت مديرية إعلام محافظة حلب أن “عناصر قسد سيُنقلون بأسلحة فردية خفيفة إلى شرق الفرات”، عقب وقف إطلاق النار الذي أعلنته وزارة الدفاع السورية بعد أيام من الاشتباكات الدامية في حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية، التي أجبرت آلاف المدنيين على النزوح.
وشهدت حلب تطورات عسكرية وإنسانية متسارعة بعد إعلان فصائل تابعة للحكومة الانتقالية سيطرتها الكاملة على حي الأشرفية، عقب ثلاثة أيام من القتال العنيف مع قوات قسد. وشملت الاشتباكات مواجهات مباشرة، وقصفًا مدفعيًّا كثيفًا طال مناطق سكنية مكتظة.
ووثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان مقتل 43 شخصًا منذ بدء التصعيد، بينهم 25 مدنيًّا، من ضمنهم سبع نساء وخمسة أطفال، إضافة إلى إصابة 98 مدنيًّا، معظمهم من النساء والأطفال.
وسُجّلت وفيات مدنية بواقع 19 مدنيًّا في حي الشيخ مقصود، وأربعة مدنيين في حي الميدان، إضافة إلى مقتل اثنين من الكوادر الطبية في مشفى عثمان بحي الأشرفية.
واستُخدمت خلال القتال أسلحة ثقيلة، منها الصواريخ والمدفعية، إلى جانب تعزيزات ضمّت دبابات وآليات مدرعة. وتسببت الاشتباكات بدمار واسع في الأبنية السكنية والبنى التحتية، وأدّت إلى شلل شبه كامل في الحياة المدنية في المناطق المتضررة.
وتدهورت الأوضاع الإنسانية تدهورًا حادًّا بعد تعرّض مشفى الشهيد خالد فجر في حي الشيخ مقصود للقصف للمرة الرابعة، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء عنه وخروجه عن الخدمة، رغم كونه المنشأة الوحيدة المتبقية التي تقدّم الرعاية الطارئة لسكان الشيخ مقصود والأشرفية. كما تعرّض مشفى عثمان في الأشرفية لاستهداف مباشر؛ ما فاقم الأزمة الصحية، وأثار مخاوف من انهيار كامل لقدرات الاستجابة الطبية.
وتشير تقارير محلية إلى نزوح عشرات الآلاف من المدنيين من الأحياء المتضررة. وقد فُتحت ممرات إنسانية مؤقتة للإجلاء، وسط اتهامات لقوات قسد بمنع بعض المدنيين من مغادرة المناطق الخاضعة لسيطرتها خلال الساعات الأولى من التصعيد.
وحملت الحكومة السورية قوات قسد مسؤولية التصعيد الأخير، مؤكدة أن خرق اتفاق وُقّع في الأول من أبريل (نيسان) كان السبب المباشر في اندلاع الأحداث، وطالبت بإزالة الوجود المسلح من بعض أحياء حلب، مشددة على أن تأمين محيط المدينة، وحماية المدنيين، ومنع تعطيل العملية السياسية، تبقى من أولوياتها القصوى.
دوليًّا، رحّب المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم باراك، بوقف إطلاق النار المؤقت في الأشرفية والشيخ مقصود، معربًا عن أمله في أن يؤدي إلى تهدئة مستدامة وحوار أعمق، وقال إن الهدنة “تطلق عملًا حيويًّا لتوجيه المسارات المتعددة لسوريا نحو طريق مشترك من الأمن والشمولية والسلام الدائم”، مضيفًا أن واشنطن تعمل على تمديد وقف إطلاق النار إلى ما بعد صباح الجمعة.
الرئيس الأمريكي دونالد ترمب التقى الرئيس أحمد الشرع مرتين، الأولى في السعودية، والثانية في المكتب البيضاوي، وهو يدعم عودة سوريا إلى المجتمع الدولي عقب الإطاحة بالدكتاتور الأسد.
وقد حظيت قوات قسد بدعم الجيش الأمريكي الذي تحالف معها في القتال ضد تنظيم داعش وهزيمته، لكن قسد وافقت -بموجب اتفاق مدعوم أمريكيًّا- على دمج قواتها مع الجيش السوري، على أن يُستكمل ذلك بحلول نهاية عام 2025.
ويعود الصراع بين قسد ودمشق إلى الدعم الأمريكي الذي مكّن قسد من التحول إلى كيان شبه ذاتي الحكم يسيطر على مساحات واسعة من شمال شرق سوريا، منها أكبر حقول النفط في البلاد. وفي عام 2019، سمح ترمب للجيش الأمريكي بالبقاء في احتلال حقول النفط، التي استغلتها قسد، وباعت إنتاجها في العراق.
واتهم القائد العام لقوات قسد، الجنرال مظلوم عبدي، الحكومة السورية باتباع “سياسة تهجير قسري ممنهجة” بحق السكان الأكراد من خلال القصف العشوائي، واصفًا هذه الأفعال بأنها قد ترقى إلى جرائم حرب، ورفض محاولات التهجير، مؤكدًا أن قسد سعت إلى خفض التصعيد من خلال مبادرات ومقترحات مدعومة من دول ضامنة، قال إن ممثلي الحكومة رفضوها.
وحذّر عبدي من أن الاعتماد على القوة العسكرية قد يعيد سوريا إلى دوامة العنف، ويقوّض الاتفاقات السابقة، ومنها تلك الموقعة في 10 مارس (آذار) و1 أبريل (نيسان)، وشدّد على أن الحوار يبقى المسار الوحيد القابل للحياة لحل الخلافات، معبّرًا عن الاستعداد لاستئناف المحادثات لوقف إراقة الدماء.
ولحل النزاع، يجب على قوات قسد العودة إلى كونهم مواطنين سوريين يحترمون حقوق جميع الآخرين، فالأكراد يشكّلون أقلية كبيرة في سوريا، وهم مواطنون كاملو الحقوق مثل غيرهم، لكنهم اعتادوا درجة عالية من الاستقلالية والحرية ضمن كيان شبه ذاتي الحكم، ويتبعون نمط حكم ذي توجه اشتراكي، ويولون أهمية للمساواة بين الجنسين والعلمانية. ومع ذلك، فهم ليسوا الأغلبية في مناطقهم، التي تضم أيضًا أرمن، ومسيحيين، وعربًا، وغيرهم.
وأكد الرئيس السوري أحمد الشرع أن “حماية المدنيين وضمان عودة الحياة الطبيعية تشكّل أولوية قصوى”، مجددًا ما وصفه بـ”الدور الوطني والسيادي للدولة” في حماية جميع مكونات الشعب السوري، ومنها المكوّن الكردي.
وفي يوم الجمعة 9 يناير (كانون الثاني) التقى الرئيس الشرع في دمشق برئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، والوفد المرافق لهما في قصر الشعب. كما أجرى اتصالين هاتفيين مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون؛ لبحث تطورات الأوضاع في سوريا والمنطقة. كما أجرى الرئيس الشرع اتصالًا هاتفيًّا مع رئيس إقليم كردستان العراق، مسعود بارزاني. وخلال الاتصال، بحثا آخر التطورات السياسية في سوريا، والتغيرات التي تشهدها المنطقة. وأكد الرئيس الشرع أن الأكراد مكوّن أصيل وأساسي من الشعب السوري، مشددًا على التزام الدولة السورية الكامل بضمان جميع الحقوق الوطنية والسياسية والمدنية للأكراد، وجميع المكونات الأخرى في سوريا، على قدم المساواة، ومن دون تمييز.
وسيكون لقيادة ترمب ومبعوثه باراك دور حاسم في حل المشكلة بين قوات قسد ودمشق؛ فالأمم المتحدة والمجتمع الدولي يرغبان في رؤية سوريا موحّدة وسلمية، من دون صراعات أو حديث عن تقسيم، ولم يدعم الموقف الأمريكي يومًا إقامة دولة كردية مستقلة داخل سوريا.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير