
وُضع لبنان في قلب حرب إقليمية آخذة في الاتساع عقب الهجوم الذي شنّته إسرائيل على إيران، والذي أسفر عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في 28 فبراير (شباط).
وعلى إثر ذلك، بدأت جماعة حزب الله، وهي حركة مسلحة لبنانية مدعومة من إيران، سلسلة من الاشتباكات عبر الحدود سرعان ما تحولت إلى مواجهة عسكرية عالية الخطورة، اتسمت بتوغلات برية إسرائيلية وقصف جوي مكثف، إضافة إلى قرار بارز – وإن كان مثيرًا للجدل – اتخذته الحكومة اللبنانية بحظر الأنشطة العسكرية للحزب.
وقد تصاعدت الهجمات الإسرائيلية في أعقاب ضربة صاروخية لافتة شنّها حزب الله على منشأة عسكرية إسرائيلية، قال إنها جاءت ردًا على مقتل خامنئي. وفي حين يتهم منتقدو الحزب في الداخل اللبناني قيادته بجرّ البلاد إلى حرب ليست حربها، يرى بعض المحللين العسكريين أن التحركات الأخيرة للحزب، ومنها استهداف قاعدة حيفا البحرية بصواريخ نوعية، تمثل محاولة استباقية لتعزيز موقعه التفاوضي قبل أي تسوية إقليمية محتملة.
وأعلن حزب الله مسؤوليته عن 13 هجومًا منفصلًا يوم الثلاثاء، مؤكدًا أنه دمّر ما لا يقل عن خمس دبابات إسرائيلية واستهدف مواقع استراتيجية بارزة، من بينها قاعدة رامات دافيد الجوية ومركز ميرون للمراقبة الجوية، مستخدمًا طائرات مسيّرة انتحارية.
ردّت إسرائيل بقوة عبر عملية عسكرية أطلقت عليها اسم “السهام الشمالية”. وقد أشار وزير الدفاع يوآف غالانت – وخلفه لاحقًا إسرائيل كاتس – إلى تحول في الاستراتيجية من سياسة الاحتواء إلى فرض السيطرة الميدانية، حيث وجّه الجيش الإسرائيلي إلى السيطرة على مواقع استراتيجية في جنوب لبنان بهدف منع الهجمات على التجمعات الإسرائيلية في الشمال.
وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه نفذ ضربات متزامنة استهدفت نحو 60 هدفًا امتدت من بيروت وصولًا إلى طهران. وفي جنوب لبنان، أفادت التقارير بأن القوات الإسرائيلية عبرت الحدود في أربعة قطاعات على الأقل، وأقامت مواقع دفاعية متقدمة.
كما ذكرت تقارير أن القوات الإسرائيلية دخلت بلدة القوزح وسيطرت على مواقع سابقة للجيش اللبناني، مع تقدمها باتجاه بلدة الخيام ذات الأهمية الاستراتيجية.
تتزايد الكلفة الإنسانية للتصعيد بوتيرة متسارعة. فقد أعلنت وزارة الصحة اللبنانية أن الضربات الأخيرة التي طالت مناطق في جبل لبنان وبعلبك والضاحية الجنوبية لبيروت أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 11 شخصًا صباح الأربعاء وحده، وذلك بعد يوم دامٍ شهد مقتل 50 شخصًا وإصابة المئات.
كما أدى التصعيد إلى موجة نزوح واسعة، إذ اضطر أكثر من 58 ألف مواطن لبناني إلى مغادرة منازلهم.
وفي تطور لافت يعكس تبدلًا في مسار الهجرة خلال العقد الأخير، عاد نحو 20 ألف لاجئ سوري كانوا يقيمون في لبنان إلى بلادهم عبر معبري المصنع – جديدة يابوس وجوسيه.
وفي الوقت ذاته، أصدر الجيش الإسرائيلي تحذيرات إخلاء عاجلة لسكان ثلاثين بلدة وقرية في جنوب لبنان، طالبًا منهم الابتعاد مسافة لا تقل عن كيلومتر واحد عن مواقع يُشتبه بارتباطها بالبنية التحتية لحزب الله.
أجرى الصحفي ستيفن صهيوني مقابلة مع الدكتور الجامعي اللبناني والكاتب والمحلل السياسي جمال واكيم لاستطلاع رأيه حول تطورات الأزمة.
السؤال الأول
ستيفن صهيوني: كيف تتوقع أن يرد حزب الله على قرارات وتصريحات الحكومة اللبنانية المتعلقة بالحزب؟
جمال واكيم: في تقديري، لا تملك القرارات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية القدرة الفعلية على التنفيذ. فقد اعتدنا وجود تباين في المواقف بين لبنان الرسمي، الخاضع لتأثيرات أمريكية، ولبنان المقاوم. لذلك لا أعتقد أن لهذه القرارات تأثيرًا حقيقيًا على أرض الواقع.
في نهاية المطاف سيُحسم مصير الحزب ومصير لبنان في ساحة المعركة. وأرى أن الحزب قادر على الصمود. كما أن مسار الصراع مرتبط بتطورات المنطقة؛ فإذا تمكنت إيران من الصمود في وجه الضغوط، فإن حزب الله سيصمد معها أيضًا، وستتمكن من إفشال المخططات المطروحة.
السؤال الثاني
ستيفن صهيوني: هل سيكون للبنان وحزب الله دور في أي تسوية إقليمية مقبلة؟
جمال واكيم: أعتقد أن حزب الله اختار الانخراط في هذه المواجهة ليضمن أن يكون للبنان وللحزب موقع في أي تسوية إقليمية أوسع. ولو أنه اختار النأي بنفسه عما يجري في المنطقة، لأصبح لبنان أكثر عرضة لتداعيات الأحداث.
وفي تقديري، فإن صمود حزب الله هو ما سيحول دون فرض خريطة جيوسياسية على لبنان من قبل إسرائيل، بما يتيح للبلاد الاستمرار والبقاء.
بعد ذلك توجّه صهيوني إلى الصحفي المخضرم خليل حرب، المقيم في بيروت ورئيس التحرير السابق لصحيفة “السفير”، الذي قدّم بدوره قراءة في مسار التصعيد.
وأشار حرب إلى أن المسار الحالي للصراع يوحي بأنه تجاوز قواعد الاشتباك التقليدية، ما ينذر بصراع طويل الأمد ستكون فيه قدرة الجبهة الداخلية الإسرائيلية على الصمود – نفسيًا وماديًا – ساحة الاختبار الحقيقية.
ومع تكرار مشاهد التاريخ على تلال جنوب لبنان، يتحول المشهد العسكري من مناوشات حدودية محدودة إلى حرب استنزاف عالية المخاطر. وقد تزامنت تقارير عن إعادة تموضع وحدات من الجيش اللبناني بعيدًا عن الحدود مع إعلان إسرائيل نيتها السيطرة على نقاط استراتيجية إضافية داخل الأراضي اللبنانية.
وفي المقابل، كثف حزب الله عملياتها، حيث شنت هجومًا كبيرًا على موقع السماقة، فيما أكدت تقارير إسرائيلية تضرر دبابة واحدة على الأقل، وفقًا لما أورده حرب.
بالنسبة لطهران، باتت الأولوية تتركز على إرباك الجبهة الداخلية الإسرائيلية. ويشير محللون استراتيجيون إلى وجود تفاوت واضح في القدرة على الصمود الوطني؛ فبينما قد تكون إيران، التي تنظر إلى الصراع باعتباره صراعًا وجوديًا، مستعدة لتحمل خسائر بشرية كبيرة، فإن ثمة شكوكًا جدية حول قدرة إسرائيل على تحمّل أسابيع من القصف المتواصل وسقوط آلاف الضحايا المدنيين، بحسب حرب.
ويرى حرب أن الصراع لا يزال في مراحله الأولى، إذ استهدفت الردود الإيرانية الأولية مناطق ذات طابع مدني في عدة مناطق. وقد كشفت دروس الحرب التي استمرت 12 يومًا في يونيو عن فجوة استراتيجية واضحة:
الحماية الاستراتيجية:
تمكنت إسرائيل من تحقيق مستوى مقبول من النجاح في حماية مواقعها الحساسة، بما في ذلك مراكز القيادة العسكرية والقواعد الجوية والمنشآت النووية.
نقطة الضعف المدنية:
لكن عندما تحولت الضربات الإيرانية نحو المدن المفتوحة والمناطق السكنية المكتظة بالسكان، كان التأثير عميقًا ومؤلمًا.
ومن خلال التركيز على هذه الثغرات، تسعى إيران إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية:
على الصعيد الداخلي، اتخذت الحكومة اللبنانية خطوة غير مسبوقة بإعلان حظر فوري للأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله. وقد أدى هذا القرار إلى انقسام سياسي وشعبي حاد.
فبينما يرى مؤيدوه أنه خطوة ضرورية لاستعادة سيادة الدولة ووقف العدوان الإسرائيلي، يخشى منتقدوه أن يبقى القرار حبرًا على ورق نظرًا للنفوذ الواسع الذي يتمتع به الحزب.
وفي الوقت ذاته تبدو العملية السياسية في حالة جمود. فقد اتفق القادة اللبنانيون مؤخرًا على تأجيل الانتخابات البرلمانية بسبب حالة عدم الاستقرار والحاجة إلى إطار انتخابي أكثر وضوحًا، وهو قرار يرى منتقدوه أنه يعكس تراجعًا إضافيًا في عمل المؤسسات الديمقراطية في ظل ظروف الحرب.
ومع تصاعد حدة الصراع، أفادت تقارير بأن سوريا اتخذت خطوات لتعزيز حدودها الغربية. وتشير المصادر إلى أن الجيش السوري نشر آلاف الجنود ومنصات إطلاق الصواريخ، بما في ذلك وحدات “غراد” و”كاتيوشا”، في ريفي حمص وطرطوس.
وبينما تؤكد دمشق أن هذه الإجراءات تهدف إلى مكافحة التهريب ومنع تسلل الجماعات المسلحة، فإن هذا الحشد العسكري أثار مخاوف دولية من احتمال اتساع رقعة المواجهة إلى صراع إقليمي أوسع.
ما ورد في التقرير يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير