مختارات أوراسية

مصر اتخذت قرارها بعدما سئمت من الثورات


  • 26 ديسمبر 2023

شارك الموضوع

في المدة من 10 إلى 13 ديسمبر (كانون الأول) من هذا العام، أُجريت انتخابات رئاسية مبكرة في جمهورية مصر العربية. وبحسب صحيفة الأهرام- أكبر صحيفة مصرية- أعلن مدير الجهاز التنفيذي للهيئة الوطنية للانتخابات في مصر، أحمد بنداري، انتهاء التصويت، وأعلن النتائج الرسمية للانتخابات، واصفًا إياها بأنها “تاريخية”؛ بسبب الإقبال الكبير على مراكز الاقتراع. وبحسب نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في البلاد، صوَّت 89.6 في المئة من الناخبين لصالح رئيس الدولة الحالي عبد الفتاح السيسي، وتجاوزت نسبة المشاركة 66.8 في المئة.

وفي الحملة الانتخابية الحالية- كما أشار بنداري- واجهت مراكز الاقتراع في الانتخابات الرئاسية “عبئًا ثقيلًا”؛ نتيجة ازدحام المواطنين الراغبين في الإدلاء بأصواتهم، لكن السلطات تعاملت مع الأمر بنجاح. وقد راقب العملية الانتخابية 14 منظمة دولية، و220 مراقبًا دوليًّا.

في هذه الدورة الانتخابية، تنافس أربعة أشخاص على أعلى منصب حكومي، وهم: رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي فريد زهران، ورئيس حزب الوفد الجديد عبد السند يمامة، وزعيم حزب الشعب الجمهوري حازم عمر، والرئيس المصري الحالي عبد الفتاح خليل السيسي.

وبحسب رويترز، فإن نتائج الانتخابات الرئاسية الحالية لم تختلف إلا قليلًا عن نتائج التصويت قبل أربع سنوات. في مارس (آذار) 2018، صوت 97.08 في المئة من الناخبين، أو 21 مليونًا و835 ألف شخص، لصالح الرئيس الحالي للبلاد، مع نسبة إقبال بلغت 41.05 في المئة.

ووفقًا للدستور المصري، كان من المفترض أن تكون الفترة الرئاسية الثانية للسيسي هي الأخيرة، لكن في عام 2019، تقرر إجراء استفتاء في البلاد على تعديلات الدستور، بموجبها زيدت مدة الرئاسة من أربع إلى ست سنوات. ونتيجة للاستفتاء، طُرِحَت أيضًا “مادة انتقالية” تمد صلاحيات السيسي الرئاسية عامين آخرين، أي حتى مارس (آذار) 2024، وتسمح له بالترشح لإعادة انتخابه لولاية ثالثة.

أما انتخابات 2014، فأود أن أتطرق إليها بشكل خاص؛ حيث أدّى الفريق أول عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع آنذاك، القائد الأعلى للقوات المسلحة المصرية، دورًا رئيسًا في أحداث يوليو (حزيران) 2013.

قبل عشر سنوات، كان هناك سبب للاعتقاد أن الوضع السياسي الداخلي في مصر في نهاية عام 2012 كان بالغ الصعوبة. كانت مصر على حافة ثورة إسلامية واسعة النطاق، حيث كان الرئيس الإخواني محمد مرسي يستعد لإجراء استفتاء في البلاد على دستور جديد وفق معايير “الإخوان المسلمين”، متجاهلًا تطلعات الغالبية من المصريين، الذين أرادوا العيش في ظل الحكومة الجديدة، إن لم يكن أفضل مما كان عليه في عهد مبارك، فعلى الأقل ليس أسوأ؛ وعليه، كان “شباب التحرير” بمنزلة “الزناد” للتغيير الذي حدث في الثالث من يوليو (تموز) 2013، الذي أدى إلى عزل الرئيس محمد مرسي عن السلطة، وقاد السيسي البلاد، وفاز في انتخابات 2014 بنسبة 96.9 في المئة من الأصوات.

من المؤكد أن شعبية “الجنرال” في ذلك الوقت كانت مرتبطة بالحريات الاقتصادية المعلنة، والإصلاحات السياسية التي وضعت حدًّا للاحتجاجات التي لم تكن لها نهاية في ميدان التحرير، والتي سادت القاهرة بعد الربيع العربي والإطاحة بالرئيس الأسبق حسني مبارك عام 2011.. لكنّ المصريين سئموا من الثورات الدائمة، وأرادوا الاستقرار والثقة بالمستقبل؛ لذلك، كانت أولى خطوات عبد الفتاح السيسي رئيسًا تهدف- في المقام الأول- إلى التغلب على الأزمة الاقتصادية.

اقترح السيسي “خريطة طريق” تنص على اعتماد دستور جديد، وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، ووعد خلال الحملة الانتخابية باتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان الاستقرار، والأمن، والعدالة الاجتماعية. ولتخفيض الدين الوطني، أدخل تعديلات على الميزانية، نصت على خفض دعم المنتجات البترولية، وزيادة كبيرة في أسعارها. إن حقيقة أن هذه الخطوة، التي لا تحظى بشعبية، لم تتسبب في احتجاجات واسعة النطاق مناهضة للحكومة، كانت دليلًا على ثقة المصريين بالحكومة الجديدة للبلاد. أجرى السيسي- كذلك- عددًا من الإصلاحات الاقتصادية، كان منها زيادة الضرائب؛ للحد من البطالة. وكان أكبر مشروع اقتصادي للرئيس هو حفر قناة السويس الجديدة، الذي بدأ في أغسطس (آب) 2014، وقد اجتُذِبَت أموال من المصريين من خلال اكتتاب عام لتمويلها، وجُمِعَ على إثره أكثر من 8 مليارات دولار. ولزيادة جاذبية الاستثمار في مصر، وافق عبد الفتاح السيسي في مارس (آذار) 2015، على تعديلات على قانون الاستثمار؛ مما يوفر فوائد كبيرة للمستثمرين الأجانب، وفي الوقت نفسه أعلنت السعودية والإمارات والكويت أنها ستقدم مساعدات اقتصادية لمصر بقيمة إجمالية تبلغ 12 مليار دولار.

وفي وقت قصير، تمكن السيسي من تحقيق استقرار الوضع الأمني في البلاد، وإعادة بناء نظام من الضوابط والتوازنات في السياسة والاقتصاد الداخلي المصري. ومن خلال الاهتمام الكبير بتنمية البلاد، والتحديث الاقتصادي، ومشروعات البنية التحتية العملاقة، تمكن الرئيس السيسي من إعادة المكانة الدولية لمصر، وجعل تعدد التوجهات هو المبدأ الرئيس للسياسة الخارجية.

تبدأ الولاية الثالثة للرئيس السيسي، ومدتها ست سنوات، على خلفية الإرهاق العميق من الثورات، وسط مجموع من الصراعات الإقليمية المستمرة، والوضع الاقتصادي الصعب في البلاد. منذ بداية عام 2022، تعاني مصر أزمة اقتصادية ومالية، بما في ذلك زيادة في الدين الخارجي بمقدار ثلاثة أضعاف. وبحسب صحيفة الغارديان، يعيش نحو ثلث سكان البلاد تحت خط الفقر، وقد تجاوز التضخم بالفعل 40 في المائة؛ ولذلك، يربط معظم الخبراء إجراء انتخابات رئاسية مبكرة بتزايد المشكلات المالية والاقتصادية الداخلية، فضلًا عن رغبة السلطات المصرية في اتخاذ عدد من الإجراءات النظامية القسرية التي لا تحظى بشعبية في أقرب وقت ممكن، ومنها تخفيض قيمة العملة الوطنية الضعيفة بالفعل.

في الوقت نفسه، وعلى الرغم من الصعوبات الاقتصادية الخطيرة، جادل علماء السياسة المحليون، قبل وقت من الانتخابات، بأن أيًّا من منافسي السيسي لا يمكنه أن يحل مكانه.

ما الأسباب الرئيسة لفوز السيسي الواثق في الانتخابات الرئاسية الحالية؟

أولًا: على الرغم من وجود كثير من المشكلات في البلاد، لا يزال المصريون ممتنين للسيسي؛ لأنه قبل عشر سنوات، خلال تلك الفترة الصعبة، لم يسمح “للإخوان المسلمين” بالسيطرة على البلاد.

ثانيًا، صرح السيسي- مرارًا وتكرارًا- في خطاباته الانتخابية أن “كل ما يحدث في البلاد هو صعوبات مؤقتة سيتم التغلب عليها”. وما زال المصريين يثقون بوعوده ويصدقونها. وقبل بضعة أيام، أعلن صندوق النقد الدولي تفاوضه مع القيادة المصرية للاتفاق على تمويل إضافي في إطار برنامج القروض الحالي، بمبلغ يزيد على 3 مليارات دولار. وجب التذكير بأن صندوق النقد الدولي كان على استعداد لتخصيص أموال للقاهرة بشرط إجراء إصلاحات صارمة. وفي الوقت نفسه، قبل الانتخابات، حذر الرئيس السيسي صندوق النقد الدولي من أن البلاد لا يمكنها أن تسمح للجنيه بالتراجع أكثر من ذلك. سيحدد المستقبل القريب القرار الذي سيُتَّخَذ بشأن هذه المشكلة.

ثالثًا: لاحظ المراقبون الدوليون للانتخابات أن المصريين أصبحوا الآن قلقين بشأن الأحداث في قطاع غزة أكثر من قلقهم بشأن نتائج التصويت في بلدهم. الأغلبية تتضامن مع سكان غزة وتدعمهم. حتى الآن، تعارض القاهرة- بشدة- خطط تهجير الفلسطينيين إلى مصر.

رابعًا: من المؤكد أن نتائج الانتخابات تأثرت بحقيقة أن الحرب في قطاع غزة أسهمت- كثيرًا- في زيادة الوزن السياسي الدولي لمصر، التي تعمل- مع قطر- وسيطًا حقيقيًّا بين إسرائيل وفلسطين. ومن الواضح أن الدول الغربية تحتاج إلى مساعدة القاهرة، بما في ذلك تحرير مواطنيها الذين تحتجزهم حماس رهائن. وبالإضافة إلى ذلك، فإن جميع المساعدات الإنسانية المقدمة للفلسطينيين في غزة تمر عبر مصر.

لقد غيرت الحرب في قطاع غزة- جزئيًّا- الأجندة الإخبارية داخل البلاد. لقد حول المصريون اهتمامهم من معاناتهم إلى ما يعيشه إخوانهم الفلسطينيون. إن الدور النشط الذي يضطلع به الرئيس السيسي في حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فضلًا عن الاهتمام الدولي بالقاهرة، يمنح المصريين شعورًا بالفخر الوطني.

وقبل يوم من بدء التصويت، اتصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعبد الفتاح السيسي. وخلال الاتصال الهاتفي، شكر فلاديمير بوتين زميله على “المساعدة على إجلاء المواطنين الروس وأفراد أسرهم، وكذلك على توصيل الشحنات الإنسانية من روسيا إلى قطاع غزة، وتمنى له النجاح في الانتخابات”.

أما فيما يخص العلاقات مع روسيا، فيجب أن أذكر أن العلاقات الدبلوماسية بين الاتحاد السوفيتي والمملكة المصرية تأسست عام 1943. بدأ التعاون بين البلدين بالتوقيع، في مارس (آذار) 1948، على أول اتفاقية اقتصادية لتوريد القطن من مصر مقابل الحبوب، والأخشاب، ومنتجات أخرى، من الاتحاد السوفيتي. وتميزت السنوات التالية بمستوى عالٍ من التعاون بين البلدان. وفي عام 1958، وُقِّعَت في القاهرة اتفاقية لتقديم المساعدة الاقتصادية والفنية لمصر في بناء المرحلة الأولى من السد العالي. في المجمل، بُنِيَ أكثر من مئة منشأة صناعية في مصر بمساعدة سوفيتية، منها مصنع حلوان للحديد والصلب، ومصنع نجع حمادي للألومنيوم، وخطوط كهرباء أسوان- الإسكندرية.

بعد فوز السيسي في انتخابات 2014، تحسنت العلاقات بين البلدين تحسنًا ملحوظًا. أصبحت روسيا أول دولة خارج العالم العربي يزورها رئيس مصري في منصبه. وفي فبراير (شباط) 2015، زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين القاهرة في زيارة رسمية، أسفرت عن اتفاقيات بشأن مشاركة “روساتوم” في بناء أول محطة للطاقة النووية المصرية في الضبعة، وكذلك إنشاء منطقة تجارة حرة بين مصر والاتحاد الاقتصادي الأوراسي. وفي 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2018، وقع قادة بلدينا على اتفاقية بين الاتحاد الروسي وجمهورية مصر العربية بشأن الشراكة الشاملة، والتعاون الإستراتيجي. إن نجاح الرئيس السيسي في الانتخابات يتوقع أن يؤدي إلى مزيد من تعزيز التعاون بين روسيا ومصر، بما يحقق طموحات كلا الشعبين الصديقين.

المصدر: مجلة الشؤون الدولية الروسية

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير.


شارك الموضوع