
في أعقاب سقوط مدينة الفاشر في إقليم دارفور مطلع نوفمبر (تشرين الثاني)، دخل مسرح العمليات السوداني مرحلة تشغيلية جديدة، اتسمت بتنفيذ عمليات اعتراض جو–أرض مستمرة نفذتها القوات الجوية المصرية ضد سلاسل الإمداد اللوجستي، والتي تُبقي قوات الدعم السريع قادرة على مواصلة القتال. فما بدأ بوصفه حملة جوية مصرية سرية تطور تدريجيًا إلى عمليات اعتراض واسعة النطاق وعلنية، مستندة إلى نضج منظومات القيادة والسيطرة والاتصالات والحواسيب والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع المصرية (C4ISR)، وإلى تحوّل ملموس في ميزان القوى الإقليمي.
يأتي هذا التحول مباشرة في أعقاب الانتصار الاستراتيجي الذي حققته المملكة العربية السعودية في اليمن، وهو انتصار أعاد تشكيل الاصطفافات الإقليمية بصورة حاسمة، وأعاد هذا التحول تشكيل البيئة السياسية الإقليمية بما وسّع نطاق الخيارات المتاحة أمام القاهرة. ومع تثبيت الرياض موقعها القيادي في الساحة اليمنية وترسيخها قدرة إدارة وتيرة التصعيد، باتت مصر قادرة على الانتقال من إجراءات كانت تُنفّذ سابقًا بهدوء وسرية إلى حملة اعتراض أكثر وضوحًا واستمرارية.
وكان الأثر التراكمي لهذه العمليات حاسمًا. فقد تعرضت منظومات الإمداد اللوجستي لقوات الدعم السريع، ولا سيما الأسلحة والأنظمة عالية النوعية التي تدخل إلى السودان عبر الممرات الغربية والشمالية الغربية، لاضطراب شديد. ولم تعد الحملة تقتصر على الضربات الحركية المباشرة، بل امتدت لتشمل إجراءات منسقة لحرمان الخصم من استخدام المجال الجوي، بما فرض قيودًا مادية ملموسة على عمليات إعادة الإمداد الخارجية.
باشرت مصر تنفيذ عمليات اعتراض جوي سرية بعد فترة وجيزة من سقوط الفاشر. وخلال هذه المرحلة، تحركت القوات المسلحة المصرية بصورة أحادية، مستهدفة أرتالًا آلية تابعة لقوات الدعم السريع كانت تتحرك من جنوب شرق ليبيا عبر منطقة مثلث الحدود باتجاه دارفور. وقد قُدِّر أن هذه القوافل كانت تنقل أسلحة ومواد إسناد لوجستي مرتبطة بشبكات إمداد مدعومة من الخارج.
في هذه المرحلة، نفذت مصر عملياتها من دون أي دعم تشغيلي سعودي أو تركي، مع حرص متعمد على الإبقاء على قدر عالٍ من قابلية الإنكار. كما أن عددًا من مسارات القوافل كان يتقاطع مؤقتًا أو يحاذي المجال السيادي المصري، وهو ما أسهم في خفض عتبة اتخاذ القرار لدى القاهرة للتحرك العسكري.
مجموعة الأهداف واللوجستيات المرصودة عبر مصادر المعلومات المفتوحة
تشير التقديرات المستندة إلى مصادر المعلومات المفتوحة وتحليل الصور إلى أن أرتال قوات الدعم السريع التي جرى اعتراضها كانت تضم:
وركزت الضربات المصرية بصورة منهجية على نقاط تجمع القوافل، ومناطق الحشد المرحلي، ونقاط الاختناق الصحراوية، بما هدف إلى تحقيق تعطيل منظومي شامل لشبكات الإمداد، لا الاكتفاء بإيقاع خسائر استنزافية مباشرة.
اتسمت الطلعات الجوية المصرية في بدايتها بالحدودية والتركيز على الضربات الدقيقة، في إطار اختبار موثوقية قدرات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، وضبط مستويات التصعيد. وخلال الأسبوع الماضي، تصاعدت الحملة إلى حزم ضربات رئيسية واسعة النطاق، شملت تنفيذ ما لا يقل عن عمليتي اعتراض كبيرتين استهدفتا أرتالًا تابعة لقوات الدعم السريع كانت تنقل أسلحة عالية النوعية مخصصة لدعم عملياتها القتالية ضد القوات المسلحة السودانية.
وأسفرت إحدى هذه الضربات، التي نُفذت قبل عدة أيام مع حجب التوقيت الدقيق، عن التدمير الكامل لقافلة كبيرة، حيث أكدت الانفجارات الثانوية فقدان شحنات ذخيرة كانت على متنها. وقد لعب التكامل المتقدم لمنظومات القيادة والسيطرة والاتصالات والحواسيب والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع المصرية (C4ISR)، ولا سيما دمج المستشعرات، والاستهداف الآني، وروابط القيادة المؤمنة، دورًا حاسمًا في تحقيق هذه النتيجة.
بالتوازي مع العمل الحركي المصري، تحركت المملكة العربية السعودية لاعتراض وحظر رحلات شحن عسكري من قبل داعمي قوات الدعم السريع، من العبور عبر المجالين الجويين السعودي واليمني، متى قُدِّر أنها تسهم في دعم منظومات الإمداد اللوجستي لقوات الدعم السريع.
وقد أسهمت هذه الإجراءات في:
ونتيجة لذلك، اضطرت رحلات الإمداد المرتبطة بالجهات الداعمة إلى سلوك مسارات أطول وأكثر انكشافًا عبر نقطة عبور (حُجِب اسمها)، ثم باتجاه تشاد، ما أدى إلى زيادة كبيرة في الكلفة، وارتفاع مخاطر الرصد والكشف، وفرض قيود ملموسة على حجم وكفاءة التدفق اللوجستي.
قدرات القوات الجوية المصرية ذات الصلة بالحملة
في الوضع الراهن، تفي أصول الجيل الرابع بالغرض العملياتي. غير أنه في حال اتساع نطاق الاعتراض أو تشدد المقاومة، قد يصبح توظيف مقاتلات الرافال ضرورة عملياتية.
أدّى الأثر المشترك لعمليات الاعتراض الجوي المصرية وحرمان المجال الجوي الذي تفرضه المملكة العربية السعودية إلى تحويل المنظومة اللوجستية لقوات الدعم السريع من نظام يتمتع بقدر من الصمود والمرونة إلى نقطة ضعف بنيوية قابلة للاستهداف. فقد باتت خطوط الإمداد أكثر قابلية للتنبؤ، وأكثر انكشافًا، وأقل قدرة على الاستدامة بمرور الوقت.
وعلى نحو مهم، ارتبط هذا التحول بالتغيرات التي طرأت على موازين القوة والاعتبارات السياسية في الإقليم، ولا سيما في ضوء ما أفرزته التطورات المرتبطة بدور المملكة العربية السعودية في الساحة اليمنية من إعادة ضبط للاصطفافات وتوسيع لهوامش الحركة، بما وفّر بيئة أكثر ملاءمة لانتقال هذا النمط من الضغط المنسق إلى حيّز التنفيذ الفعلي.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير