مقالات المركز

مجلس السلام.. آفاق وأخطار


  • 25 فبراير 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: france24

مثَّل إعلان تشكيل “مجلس السلام” بداية مرحلة جديدة من تاريخ القضية الفلسطينية، أهم ما تُوصَف به أنها تشكل عودة إلى نماذج الوصاية والانتداب التي سادت في المشرق العربي في القرن الماضي. ومن جانب آخر، تدخل القضية الفلسطينية مرحلة مفصلية مهمة، تتجاوز ما هو سياسي إلى ما هو بنيوي في طبيعة الصراع نفسه؛ فمجلس السلام لا يمثل مشروعًا إنسانيًّا أو إطارًا مؤقتًا لإعادة الإعمار، ولكنه خطوة ربما تحمل في جوهرها تحولًا إستراتيجيًّا في إدارة الملف الفلسطيني، وتحديدًا في قطاع غزة، نحو ترسُّخ الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية بنمط جديد من السيطرة والتحكم.

هناك مؤشرات واضحة على مدى الخطورة التي قد يمثلها مجلس السلام على مستقبل القضية الفلسطينية في ظل غياب التمثيل الفلسطيني في هذا المجلس، وتهميش دور الأمم المتحدة ومؤسساتها، ومنح صلاحيات واسعة للرئيس ترمب. وهذا ينقل القرار المتعلق بمستقبل غزة من أيدي الفلسطينيين إلى دوائر القرار الأمريكي دون أي تفويض وطني، أو شرعية سياسية محلية، أو عربية.

من جانب آخر، فإن وجود دول عربية وازنة ومؤثرة، مثل المملكة العربية السعودية، وجمهورية مصر العربية، في عضوية المجلس يعمل على إحداث توازن بنيوي في قرارات المجلس لصالح القضية الفلسطينية، ويحدّ من قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على الاستفراد باتخاذ القرارات المصيرية فيما يتعلق بمستقبل قطاع غزة. إضافة إلى وجود دول إسلامية أخرى داعمة لحقوق الشعب الفلسطيني، مثل تركيا، وباكستان، وإندونيسيا؛ مما يشكل ضمانة حقيقية لمنع التفرد الأمريكي والإسرائيلي في توجهات المجلس وقراراته المستقبلية.

غياب التمثيل الفلسطيني الرسمي والشرعي يكشف عن طابع مقلق لمخرجات هذا المجلس، مقابل حضور بنيامين نتنياهو وعدد من الدول الحليفة لواشنطن وتل أبيب. وإخضاع كل شيء في المجلس لفيتو “الرئيس الأبدي” ترمب فيه دلالة واضحة على انعدام التوازن في بنيته ومصداقيته وحياديته.

“مجلس السلام” ليس سوى مشروع سياسي لتكريس واقع الهيمنة، وإعادة تشكيل العلاقات الدولية وفق معايير القوة، في محاولة لإقصاء القانون الدولي، وتهميش الشعوب الصغيرة، وتصفية القضية الفلسطينية ضمن مقاربات منحازة لا تراعي مطالب الشعوب المقهورة وحقوقها المشروعة.

ويأتي إعلان انعقاد “مجلس السلام” في واشنطن، في التاسع عشر من فبراير (شباط) 2026، ليشكل خطوة مفصلية تعكس توجهات ترمب في المضي قدمًا بتنفيذ خطته الخاصة بقطاع غزة. ويمثل عمليًّا محطة انتقالية من المرحلة الأولى إلى المرحلة الثانية من الخطة، وهي المرحلة الأكثر تعقيدًا لارتباطها المباشر بملف جمع الهبات والتبرعات، وإعادة الإعمار وفق المنظور الأمريكي، وفي ظل ظروف إقليمية معقدة، تتعلق بالحشود العسكرية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، واحتمالية توجيه ضربة عسكرية أمريكية إسرائيلية إلى إيران.

إن تشديد ترمب على عقد اجتماع لمجلس السلام، وإعلان مليارات من التبرعات للمجلس، وانطلاق عمليات إعادة الإعمار، والقيام بخطوات عملية، من بينها إعلان صندوق دولي لتمويل التكاليف الإدارية والتشغيلية في غزة بإشراف مباشر من ترمب، ومسؤولين دوليين، يأتي لإرسال عدد من الرسائل؛ أولاها: رسالة أمريكية للحلفاء تؤكد استمرار واشنطن في تنفيذ خطتها، والثانية: إصرار ترمب على إنجاح المبادرة رغم التعثر، والثالثة: استمرار التنسيق مع الوسطاء والأطراف الضامنة للاتفاق الموقع في شرم الشيخ.

استنادًا إلى قرار من مجلس الأمن الدولي، يُنشأ (GITA) ليعمل كهيئة انتقالية يُناط بها عدد من المهام، تتمثل في إدارة الشؤون المدنية والإنسانية، وإعادة الإعمار، وتأمين الخدمات الأساسية، مثل الماء والكهرباء والصحة والتعليم. والهيكل التنظيمي للسلطة الانتقالية في غزة ينطلق من مجلس الأمن الدولي الذي يمنح الشرعية القانونية الدولية للسلطة التي ستدير قطاع غزة.

ومجلس إدارة (GITA) يتكون من ممثلين لدول مثل الولايات المتحدة، وتركيا، ومصر، وقطر، وهو يمثل السلطة السياسية العليا. والرئيس التنفيذي: شخصية دولية، مدنية أو سياسية (نيكولاي ملادينوف)، الذي كُلِّف بتنسيق الجهود، وتنفيذ قرارات مجلس الإدارة. والأذرع التنفيذية: جهاز لإعادة الإعمار، وجهاز للأمن الداخلي تحت إشراف إقليمي، وهيئة إنسانية وإغاثية، ومجلس محلي من خبراء فلسطينيين لإدارة الشؤون اليومية. وفي كل ذلك تغيب التطلعات السياسية الفلسطينية، وعلى رأسها إنهاء الاحتلال، وحق تقرير المصير؛ مما يجعل القضية الفلسطينية تنحصر في إطار إغاثي إنساني خدماتي وفق المنظومة الجديدة فقط.

مجلس السلام بات اليوم يمتلك صلاحيات إدارية وتشريعية واسعة تتيح له تعديل القوانين، وتغيير أعضاء اللجنة؛ ما ينذر ببيئة قانونية جديدة تتحكم بها جهة دولية، مما يقود إلى فصل قطاع غزة عن المنظومة السياسية والقانونية الفلسطينية. وفي هذا تكريس واضح لمشاريع تدويل ووصاية وانتداب، بما يهدد وحدة الكيان السياسي الفلسطيني الموحد، وهذا يعكس اللحظة التاريخية التي شُكِّل فيها المجلس، وهي لحظة سياسية دولية مأزومة، تبحث فيها واشنطن وتل أبيب عن صيغة تُمسك من خلالها بزمام الأمور في مرحلة ما بعد الحرب في قطاع غزة؛ لما يشكله من رمزية فلسطينية باتت ساحة اختبار لإرادة النظام الدولي في إعادة إنتاج نفسه، لا في إصلاح اختلالاته المتراكمة والعاجزة عن معالجة الأزمات الدولية.

إن عمليات الترويج التي تقوم بها بعض الأوساط السياسية الإقليمية والدولية بأن مرحلة جديدة من الرخاء وإعادة الإعمار تلوح في الأفق في قطاع غزة، وأن عودة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة باتت ممكنة بعد تنفيذ إصلاحات “مُرضية” ترسم معالمها واشنطن وتل أبيب، فهذا ربما يحدث مستقبلًا، وربما يواجه عقبات كبيرة تحول دون الوصول إليه؛ لأن هناك واقعًا معقدًا في قطاع غزة، وتوجهًا إسرائيليًّا بإعادة ترتيب المشهد الفلسطيني بما يخدم المصالح الأمنية والإستراتيجية الإسرائيلية.

لا تبدو الأهداف الحقيقية لـ”مجلس السلام” إعادة إعمار غزة، ولا تمكين الفلسطينيين؛ بل ربما تذهب إلى اعتماد طرف فلسطيني جديد تتوافر فيه شروط الولاء السياسي لإسرائيل، والانفصال عن الإرث المقاوم وتشابكاته الوطنية والتاريخية. وهكذا يُراد بناء مرحلة فلسطينية جديدة بلا ذاكرة ولا مقاومة، تُدار بمعايير القوة، لا بمعايير العدالة والحق.

في ظل هذا المشهد تصبح الحاجة أكثر إلحاحًا لجمع عناصر القوة العربية والفلسطينية، سياسيًّا واقتصاديًّا وأمنيًّا؛ لأن من يمتلك أدوات القوة اليوم هو القادر على التأثير وفرض شروطه في أي ترتيبات مستقبلية، فالتغييرات الإقليمية والدولية الجارية قد تعيد توزيع الأدوار، وليس مضمونًا أن تظل إسرائيل في الموقع المهيمن الذي تمتعت به لعقود، خصوصًا مع انكشاف حدود قوتها خلال الحروب المتكررة، ومع تآكل صورتها في الرأي العام الدولي.

وفي قلب هذه التحولات، تعود القضية الفلسطينية لتشكل رمزًا عالميًّا للحرية والعدالة، بعد أن تجاوزت حدودها الجغرافية لتعبر عن الضمير الإنساني في مواجهة الظلم والاستعمار والعنصرية. فبينما يعاد تشكيل العالم، تظل فلسطين بوصلة القيم، وامتحانًا حقيقيًّا لمدى صدقية النظام الدولي القائم على احترام حقوق الشعوب وإرادتها. ومع تغير موازين القوى على المستويين الإقليمي والدولي، لا يبدو أننا أمام مرحلة حلول نهائية للصراع، بل نحن في مرحلةٍ مختلفة تمامًا، مرحلة الصمود والبقاء، التي تتمثل في الحفاظ على الأرض، والإنسان، والرواية، والهوية الفلسطينية.

الحضور العربي في مجلس السلام يبقى صمام الأمان والأمل الوحيد للشعب الفلسطيني في الحفاظ على المسار الفلسطيني نحو الحل العادل في إطار المبادرة السعودية الفرنسية لحل الدولتين، التي صُوِّت عليها في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وحصلت على تأييد (142) دولة من الدول الأعضاء. ومن المأمول ألا تفقد اجتماعات مجلس السلام مسار حل الدولتين والتمسك به كحل عادل لقضية تحظى بالإجماع الدولي.

كما يبرز التحدي الحقيقي أمام الشعب الفلسطيني في آليات ومقومات إدارة الصمود بذكاء وواقعية تاريخية، وتحويل البقاء إلى مشروع وطني متجدد يحفظ الثوابت، ويستثمر التغيرات المتسارعة في بنية النظام الدولي لصالح القضية الفلسطينية التي ما زالت -رغم كل شيء- عنوانًا للحق الإنساني في وجه الظلم والاستعمار.

في ظل إصرار الرئيس الأمريكي ترمب على السير قدمًا في تنفيذ خطته للسلام في قطاع غزة، ورغم كل العقبات التي وضعتها إسرائيل للتهرب من استحقاقات المرحلة الأولى، وفي ظل الحضور الإسرائيلي في مجلس السلام، وغياب دول وازنة على الساحة الدولية، مثل الصين وروسيا وفرنسا وبريطانيا، تعترف بالدولة الفلسطينية على حدود 4 يونيو (حزيران) 1967م، يبقى الحضور العربي في مجلس السلام الضمانة الوحيدة لحماية الحق الفلسطيني في هذا المجلس. ومن المبكر الحكم على مجلس السلام والنتائج التي قد تحصل مستقبلًا لخطة ترمب بالتنفيذ الفعلي كما هو مخطط له، والبدء بإعادة الإعمار والانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، إضافة إلى نزع سلاح الفصائل الفلسطينية، فهذا مرهون بقدرة الإدارة الأمريكية على إجبار إسرائيل على الالتزام بكل ما جاء في خطة ترمب، وقدرة مصر وتركيا وقطر على إقناع الفصائل في غزة بتسليم أسلحتها، وتمكين لجنة التكنوقراط من إدارة الشؤون الإدارية والأمنية والمدنية في قطاع غزة.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع