أبحاث ودراسات

مبادرة “البنود العشرة” لوقف الصراع في السودان


  • 1 يناير 2026

شارك الموضوع

رغم مرور نحو 30 شهرًا، وتقديم 10 مبادرات لوقف الحرب في السودان، لا تزال “ألسنة اللهب” تشتعل في بلاد الطيب صالح، ومحمد الفيتوري، والهادي آدم، بل باتت دائرة النار تتوسع، ووصلت إلى ولايات ومدن لم تصل إليها الحرب من قبل، مثل ولايات جنوب كردفان وغربها، وبات الجيش السوداني والدعم السريع أبعد ما يكونان عن القبول بوقف إطلاق النار، وإنهاء الحرب التي بدأت صباح يوم 15 أبريل (نيسان) 2023؛ لقناعة كل طرف أنه يستطيع أن يحسم المعركة عسكريًّا.

وتتعدد الأسباب وراء “إطالة زمن الحرب” في السودان ما بين تقارب أو تماثل في القدرات العسكرية، ونجاح طرفي الحرب في تأمين دعم عسكري ولوجستي خلال ما يقرب من 3 سنوات، لكن السبب الأبرز ينبع من أن غالبية المبادرات كانت “مبادرات طوباوية مثالية”، بعيدة تمامًا عن “الواقع”، وبعيدة عن مسارات التفكير وحساباته لدى الأطراف الفاعلة على الأرض. وخير شاهد على غياب هذه “الواقعية” في مبادرات وقف إطلاق النار السابقة هي “المبادرة الرباعية” الأخيرة التي قدمها موسى بولس، مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، التي تنص على وقف إطلاق النار، ودخول المساعدات الإنسانية والطبية لمدة 3 أشهر، وخلال 9 أشهر أخرى يُتَّفَق على مسار سياسي “لا يكون للقادة الحاليين مكان فيه”، وهذا سبب كافٍ لعدم قبول المبادرة الرباعية، حيث يمتلك الطرفان القوة العسكرية، والنفوذ السياسي والتمويل المالي واللوجستي، والمطالبة مقدمًا بإبعادهم عن مستقبل العملية السياسية يكون “محفزًا” لرفض المبادرة، وليس قبولها.

ولهذا، ومن منطلق “الواقعية السياسية”، وبتجرد كامل، وانحياز فقط إلى الشعب السوداني، وأملًا في وقف الكارثة الإنسانية، أقترح مبادرة من 10 بنود لوقف الحرب، بحيث تنطلق هذه البنود العشرة من “الواقع” على الأرض، وليس من أي أمنيات وحسابات أخرى. وهذه المبادرة مقدمة لأطراف الحرب، والقوى المدنية، ولجميع الأحزاب والشخصيات السودانية، وللمبعوث الأمريكي موسى بولس، ولأطراف “اللجنة الرباعية”، التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، والهدف واحد هو وقف الحرب، وعودة السلام والاستقرار. وفي تقديري، كلما طال زمن الحرب بات من الصعب إيجاد “مساحة مشتركة” بين أطراف الصراع. وهذه البنود هي:

أولًا- تجميد القتال

لا يزال كل طرف يعتقد أنه يمكن حسم الصراع عسكريًّا لصالحه، فالفريق عبد الفتاح البرهان يرفض وقف إطلاق النار في الوقت الحالي حتى لا يأتي هذا الأمر عقب خسارة الجيش السوداني بعض الأراضي في دارفور، وفي بابنوسة، وهجليج. كما أن الدعم السريع يريد أن يبني على ما يراه زخمًا عسكريًّا لصالحه، نتج عما حدث في دارفور وكردفان والمثلث الحدودي؛ ولهذا فإن “تجميد القتال” هدف أكثر تواضعًا من الالتزام بوقف إطلاق النار فترة طويلة، وهو ما قد يشجع الطرفين على قبول مبدأ “تجميد القتال” شهرين لا أكثر، وخلال هذه الفترة يمكن المراهنة على وقف زخم الحرب، والتفكير بحكمة وتعقل في العودة من جديد إلى طاولة المفاوضات، بعد أن تأكد للجميع أن البندقية لن تحسم هذا الصراع.

ثانيًا- فتح المسارات الإنسانية

وهذا الأمر لن يختلف عليه الطرفان لحاجتهما إلى تخفيف المعاناة عن السكان في المناطق التي بحوزتهما، وهنا يجب على الأمم المتحدة وبرنامج الغذاء العالمي العمل بقوة خلال هذه الفترة من أجل دخول أكبر كمية من المساعدات الإنسانية والطبية؛ حتى يمكن إنقاذ ما يمكن إنقاذه من المرضى والمصابين. ويمكن للأمم المتحدة أن توجه “نداءً خاصًا” لجمع الأموال بهدف استغلال فترة تجميد الحرب لإدخال كل ما هو متاح من الدعم الإنساني والطبي، خصوصًا في المناطق المتضررة والبعيدة في دارفور، وكردفان، وبعض المناطق في الخرطوم.

ثالثًا- عدم الإقصاء

من الأسباب التي أسهمت في إطالة زمن الحرب أن كل طرف يرى أنه “الأحق وحده” في تقرير مستقبل السودان، وعدم مشاركة غريمه العسكري في صناعة مستقبل البلاد. ونظرًا إلى عدم قدرة أي طرف على توجيه “الضربة القاضية” إلى الطرف الآخر، وعدم قدرة أي طرف على تحقيق “النصر الحاسم والكاسح” خلال ما يقرب من 3 سنوات من الحرب، فإن الصيغة الأفضل للحفاظ على وحدة السودان وسلامته واستقراره تقتضي بـ”عدم إقصاء أحد”، وتحلى كل الأطراف “بالسمو والتسامح السياسي” تجاه الطرف الآخر؛ للانتقال من “ساحة المعركة” إلى “طاولة المفاوضات”. وعدم الإقصاء يعني “عدم الإقصاء”؛ بمعنى أن جميع الفئات، والأيديولوجيات، والجهويات لها نفس الحقوق والمسؤوليات.

رابعًا- وحدة السودان

تقر جميع الأطراف مقدمًا بوحدة الأراضي السودانية وسلامتها، وأنها لن تعمل أو تشجع على انفصال جزء من السودان، أو تقسيم السودان، أو تفتيت البلاد إلى دويلات، ويكون هذا الإقرار بمنزلة تأكيد أن السودان سوف يظل دولة واحدة على حدوده التي تزيد على 1.8 مليون كيلومتر.

خامسًا- دمج المجموعات القتالية في الجيش

هذا مبدأ “متفق عليه” بالفعل بين الأطراف السودانية، وليس جديدًا أو مستحدثًا؛ فقبل توقيع “الاتفاق الإطاري”، في 5 ديسمبر (كانون الأول) 2022، كان هناك اتفاق على دمج كل المجموعات المسلحة في الجيش السوداني، ومنها قوات الدعم السريع، واليوم لدينا نحو مليون مقاتل يتوزعون على مجموعات قتالية من دارفور غربًا حتى ولاية البحر الأحمر شرقًا. وسواء أكانت هذه المجموعات ذات صبغة جهوية أم أيديولوجية، تُدمَج في الجيش السوداني، أو تُسرَّح هذه المجموعات إذا رغبت في التسريح للعمل المدني. وسبق للجيش السوداني وقوات الدعم السريع أن دخلوا في مفاوضات طويلة من أجل تحقيق هذا الهدف قبل اندلاع الحرب. واليوم، مع ظهور مجموعات عسكرية “رديفة” داعمة للجيش والدعم السريع، يمكن استيعاب الجميع في منظومة الجيش السوداني الواحد. وتحتاج هذه العملية إلى أموال طائلة؛ ولهذا يمكن عقد “مؤتمر لدعم السودان”، يكون الهدف منه هو جمع الأموال لتسهيل عمل عمليات الدمج في الجيش، أو التحول إلى النشاط المدني

سادسًا- إغلاق ملف قتلى المظاهرات

أكثر الأسباب التي تعرقل وقف الحرب التي قادت إلى مقتل أكثر من 150 ألف سوداني هو خوف بعض القادة في الجيش السوداني والدعم السريع معًا من اتهامات التيار المدني لهم بقتل نحو 5000 سوداني في المظاهرات التي اندلعت في الفترة من نهاية 2018 حتى أبريل (نيسان) 2019. ويمكن تعويض أهالي هؤلاء الشهداء، وإغلاق هذا الملف من خلال “عفو كامل” من أهالي الضحايا عن كل من ارتكب هذه الجرائم؛ لأن البديل هو استمرار الحرب، وسقوط الآلاف من الضحايا الجدد دون أن يحصل الضحايا من متظاهري الثورة على أي عائد، أو “عدالة انتقالية”. ومع أن هذا الاقتراح مؤلم، ويتنافى مع مبدأ “العدالة الانتقالية” التي تنص عليها كل المواثيق الدولية، فإن التمسك بهذه العدالة الانتقالية يعني أن السودان سوف يظل في دائرة من العنف، والعنف المضاد

سابعًا- مجلس رئاسي برئاسة البرهان

للخروج من “الثنائية الحادة” التي قادت إلى أزمة الثقة بين الفريق عبد الفتاح البرهان والفريق محمد حمدان دقلو “حميدتي”، أقترح تشكيل “مجلس رئاسي خماسي” يكون فيه الفريق “حميدتي” هو النائب الأول بصلاحيات لا تنتهي إلا بنهاية المرحلة الانتقالية، ولا يجوز إقالته أو استبداله، على أن يكون هناك 3 شخصيات أخرى في المجلس الرئاسي إلى جانب الفريق البرهان والفريق حميدتي، بحيث يمثل أحدهم التيار المدني، والثاني يمثل ولايات وسط السودان وشرقه، والثالث يمثل غرب السودان وكردفان، وتكون القرارات فيه بالإجماع، أو بالتوافق، وفي حالة عدم وجود إجماع أو توافق يمكن الاحتكام إلى التصويت، وأي قرار يحتاج موافقة 4 من 5 على الأقل من أعضاء المجلس الرئاسي.

ثامنًا- حكومة ثلاثية

تُشكَّل حكومة من 24 وزيرًا، يسمي الفريق البرهان 12 وزيرًا، ويسمي الدعم السريع 8 وزراء، وتختار القوى المدنية 4 وزراء، وتكون مدة عمل هذه الحكومة 30 شهرًا، يسمي الدعم السريع رئيس هذه الحكومة 15 شهرًا، على أن يكون نائب رئيس الحكومة من جانب الفريق البرهان، وبعد نهاية الـ15 شهرًا الأولى يتبادل رئيس الحكومة ونائبه مناصبهما، بحيث يكون رئيس الحكومة بداية من الشهر السادس عشر هو نائب رئيس الحكومة في الشهور الخمسة عشر الأولى، كما أن الكتل الثلاث سوف تكون مشاركة في المجموعات المختلفة للحكومة؛ فعلى سبيل المثال، تُوزَّع “الحقائب السيادية”، مثل الخارجية، والدفاع، والداخلية، والمالية، على الكتل الثلاث، كما أن الكتل الثلاث (الجيش- الدعم السريع- القوى المدنية) تشارك في الوزارات الخدمية، أو الاقتصادية، أو غيرها.

تاسعًا- مدة انتقالية 30 شهرًا

بعد انقضاء الشهرين اللذين يُجمَّد فيهما القتال، تبدأ مفاوضات تشكيل الحكومة والمجلس الرئاسي، على ألا تزيد فترة هذه المفاوضات على 3 أشهر، وأقترح أن يُشكَّل “المجلس الرئاسي” أولًا، وتؤدي الحكومة اليمين القانونية أمام المجلس الرئاسي، ولهذا يكون الإطار الزمني لكل هذه المرحلة الانتقالية نحو 3 سنوات، منها شهران لتجميد القتال، و3 أشهر لمفاوضات تشكيل المجلس الرئاسي والحكومة، و30 شهرًا مدة عمل الحكومة الانتقالية.

عاشرًا- إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية

تنتهي المرحلة الانتقالية بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، بعد وضع دستور جديد، أو وثيقة دستورية يتفق عليها بين الجميع، توضح شكل الدولة السودانية، وهل تكون دولة رئاسية، أو برلمانية، أو تجمع بين النظامين الرئاسي والبرلماني؟

في النهاية، أتمنى أن تجد هذه المبادرة -التي تعبر عني فقط، وليس عن أي جهة أخرى- قبولًا لدى أطراف الحرب؛ حتى يكون عام 2026 عامًا للسلام والوحدة والاستقرار لكل ربوع السودان.

ما ورد في الدراسة يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع