مقالات المركز

أفشلنا مخطط تقسيم البلاد

ماذا تقول لنا أولى تصريحات خامنئي الابن عن استراتيجية إيران في الحرب الحالية؟


  • 13 مارس 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: alchourouk

بهذه العبارة القصيرة اختار المرشد الأعلى الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، أن يضع الإطار السياسي للحرب التي تخوضها بلاده الآن مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

في اليوم الثالث عشر على اغتيال أبيه وزوجته وأخته وأبنائه مع أول ضربة من ضربات العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، قدم مجتبى خامنئي مفتاحا لفهم الطريقة التي ترى بها القيادة الإيرانية الجديدة طبيعة الصراع.. وهذا ليس خطابا تعبويا عاديا.

فالخطاب الإيراني الرسمي، الذي نحن بصدد تحليله لرأس النظام الجديد، لا يصف ما يحدث على أنه حملة عسكرية تستهدف البرنامج النووي أو القدرات الصاروخية، بل يقدمه بوصفه محاولة لتفكيك الدولة الإيرانية، أي أن هدف العدوان النهائي أو الأساسي كان تقسيم إيران إلى دويلات أو مناطق نفوذ خارجة عن سلطة الدولة المركزية، كما هو الحال في العراق أو سوريا أو ليبيا مثلا.

إن القيادة الإيرانية، ومجتبى تحديدا في أول ظهور إعلامي له في الحياة العامة عموما، وليس حتى بوصفه مرشدا أعلى، تحاول تثبيت هذه النقطة تحديدا في الوعي الداخلي والخارجي على السواء.

فحين يتحدث المرشد الأعلى عن مخطط تقسيم البلاد، فهو يشير إلى سلسلة العمليات التي استهدفت رأس النظام السياسي والعسكري، الذي كان يقوده والده، خلال الأيام الأولى للحرب. فقد رافقت الضربات الجوية على المنشآت الإيرانية عمليات اغتيال القيادات العليا في المؤسسة السياسية والعسكرية الإيرانية، وهو ما لا يمكن تفسيره إلا على أنه محاولة لقطع رأس النظام.

في التاريخ المعاصر كثيرا ما ارتبطت هذه الاستراتيجية، أي ما قام به الأمريكيون والإسرائيليون، بفكرة إحداث فراغ مفاجئ في القيادة يؤدي إلى انهيار سريع لمؤسسات الدولة. لكن ما حدث في الحالة الإيرانية، حتى الآن على الأقل، هو نتيجة معاكسة، خصوصا من واقع ما نتابعه من القيادة الجديدة ومواقفها.

وبدلا من الانهيار ظهرت بنية السلطة في طهران وكأنها تمتلك قدرة عالية على إعادة تنظيم نفسها بسرعة. فقد سارت العملية وفق ما ينص عليه الدستور الإيراني بالحرف، على الرغم من ظروف الحرب والقصف الأمريكي الإسرائيلي المكثف، فتشكل مجلس قيادة مؤقت، وانتقلت الصلاحيات بين مؤسسات الدولة، والتئم مجلس خبراء القيادة، الذي يضم أكثر من 85 عضوا، واختيرت القيادة الجديدة، وكل ذلك في خلال أسبوع واحد، وأكرر تحت قصف بساطي من طيران الأعداء.

وها هي القيادة الجديدة خرجت بخطاب يظهر، أو يحاول إظهار، أن الدولة لم تفقد توازنها رغم الضربة الأولى، “وإنما الصبر عند الصدمة الأولى”.

إن تصريح خامنئي الابن بأن مخطط التقسيم قد فشل هو، في هذا السياق، إعلان سياسي بأن المرحلة الأخطر من الحرب، أي مرحلة الصدمة الأولى، قد جرى تجاوزها.

والرسالة الأولى من خطاب المرشد الجديد موجهة بلا شك إلى الداخل الإيراني، فالحروب التي تستهدف رأس النظام غالبا ما تراهن على إحداث ارتباك سياسي واجتماعي يفتح الباب أمام صراعات داخلية. ولذلك تسعى القيادة الإيرانية إلى إقناع المجتمع بأن الدولة ما زالت متماسكة وأن الخطر الوجودي قد تم احتواؤه.

وفي الوقت نفسه، حرص خامنئي على توجيه رسالة مختلفة إلى دول المنطقة، وخصوصا دول الجوار جنوبا وشمالا، ويبدو أنه كان يقصد بها أكثر دول الخليج، وهي تأكيده بأن إيران تؤمن بعلاقات الصداقة مع جيرانها، وأن عملياتها العسكرية تستهدف القواعد العسكرية الأمريكية داخل هذه الدول الجارة، وليس الدول نفسها.

هذه الصيغة نفهم منها أن طهران تدرك أن توسيع الحرب ليشمل مواجهة مباشرة مع دول الخليج قد يغير ميزان القوى بالكامل ويحول الصراع إلى حرب إقليمية واسعة. وهنا يحاول المرشد الجديد رسم خط فاصل بين استهداف البنية العسكرية الأمريكية في المنطقة وبين الدخول في مواجهة مع الدول المضيفة لهذه القواعد.

لكن مع ذلك يظل هذا الخط الفاصل هشا، فمجرد وجود القواعد العسكرية الأمريكية في عدد من دول الخليج يجعل أي تصعيد عسكري إيراني يحمل احتمال الانزلاق إلى مواجهة أوسع.

والسبب في ذلك يمكن استشفافه من تصريحات خامنئي نفسها، ففي هذه التصريحات قال المرشد الجديد إن إيران ينبغي أن تستخدم مضيق هرمز كورقة ضغط في الصراع. هذه النية الإيرانية تعيد إلى الواجهة أحد أهم عناصر القوة الاستراتيجية الإيرانية.

يمر عبر مضيق هرمز خمس تجارة النفط العالمية، واضطرابه خلال عشرة أيام أدى إلى صدمة كبيرة في أسواق الطاقة. بالنسبة لطهران، يمثل المضيق أداة ردع اقتصادية يمكن استخدامها للضغط على خصومها، خصوصا إذا طال أمد الحرب.

لكن استخدام هذه الورقة يحمل أيضا مخاطر كبيرة، لأن تعطيل الملاحة في المضيق قد يدفع الأمريكيين وحلفاءهم إلى توسيع العمليات العسكرية لحماية طرق الطاقة العالمية.

نقطة أخرى مهمة، وهي مسألة الصراع حول الوجود العسكري الأمريكي، فمن بين الرسائل الأكثر وضوحا في خطاب خامنئي كانت دعوته إلى إغلاق القواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط. هذه الدعوة تكشف بالطبع عن محاولة إيرانية لإعادة صياغة الحرب في إطار أوسع من مجرد مواجهة مع إسرائيل.

بالنسبة لطهران، المشكلة الأساسية ليست إسرائيل وحدها، بل البنية العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة. ومن خلال الدعوة إلى إغلاق هذه القواعد تحاول إيران تحويل الحرب إلى قضية إقليمية تتعلق بمستقبل الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط.

لكن هذا المطلب من المرشد الجديد، وهذا الطرح، يواجه واقعا معقدا. فكيف ستجبر إيران، وبأي حق مثلا، دول الخليج على اختيار شراكاتها العسكرية؟ إذ تعتمد العديد من الدول العربية على الشراكات الأمنية والعسكرية مع الولايات المتحدة كجزء أساسي من منظومة ردعها الإقليمية.

وبعد هذا الخطاب الأول للمرشد الأعلى الجديد، يبدو أن السؤال المنطقي الذي يطرح نفسه الآن هو: إلى أي مدى فعلا تستطيع إيران الاستمرار في المواجهة؟

وللإجابة عليه نحتكم إلى التقديرات العسكرية التي يمكن أن تستند إلى ما تقوله، وهي تشير إلى أن الحرب عالية الكثافة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى من الصعب أن تستمر لفترة طويلة، فمثل هذه العمليات تعتمد على استهلاك كبير للموارد العسكرية، سواء في الصواريخ أو في أنظمة الدفاع الجوي.

والسيناريو الأكثر ترجيحا، حسبما يقول لنا الكثير من الخبراء العسكريين، هو انتقال الصراع تدريجيا إلى حرب منخفضة أو متوسطة الشدة تعتمد بدرجة أكبر على المسيرات والهجمات غير المباشرة عبر حلفاء إيران في المنطقة. ولا نغفل، ونحن في اليوم الثالث عشر من الحرب المكثفة، أن الضلع الثالث في مثلث إيران، وأقصد بهم الحوثيين في اليمن، لم يدخلوا المعركة رسميا بعد.

وهنا يمكن القول إن طهران تملك في هذا النوع من الحروب خبرة طويلة، وبالتالي نفسا أطول من أعدائها، وهذا قد يسمح لها بإطالة أمد الصراع رغم التفوق العسكري الواضح للولايات المتحدة وإسرائيل في المجال الجوي بالطبع.

وفي الختام نقول إن الخطاب الأول لخامنئي الابن، عند قراءته بعين السياسة، هو بكل تأكيد محاولة لإعادة تعريف طبيعة الصراع. فبدلا من أن يتم تقديم الحرب الحالية على أنها نتيجة مباشرة للبرنامج النووي الإيراني، أو حتى للسياسات الإقليمية الإيرانية الممثلة فيما يصفه خصومها بالأذرع الإيرانية، تحاول طهران الجديدة تصويرها، أي الحرب، كجزء من مشروع أوسع كان ولا يزال يستهدف تفكيك الدولة الإيرانية نفسها.

نعم، هذه الرواية قد لا تقنع خصوم طهران وأعداءها، لكنها بلا جدال تمثل أداة سياسية مهمة في إدارة الحرب، وذلك لأنها تسمح للمرشد الجديد بتقديم الصراع على أنه معركة وجودية وليست مواجهة عسكرية فقط.

وفي مثل هذه الحروب غالبا ما يكون الصمود السياسي أهم من التفوق العسكري المباشر.

وبناء عليه، وعودة إلى عنوان المقال وعبارة خامنئي “أفشلنا مخطط تقسيم البلاد”، والتي يبدو أنها ستصاحبنا طوال هذه الحرب حتى تضع أوزارها، فإنه يمكن تفسيرها بوصفها إعلانا رسميا من القيادة الإيرانية بتجاوز المرحلة الأولى من الحرب، مرحلة الصدمة واختبار صلابة النظام، بنجاح.

أما المرحلة التالية فسوف تحدد مدى قدرة طهران الجديدة على تحويل هذا الصمود السياسي إلى استراتيجية طويلة المدى قادرة على التعامل مع الضغوط العسكرية والاقتصادية التي تفرضها الحرب.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع