أبحاث ودراساتأدب

لماذا تُعَدّ روسيا القائد العالمي للأرثوذكسية؟


  • 5 يوليو 2024

شارك الموضوع

بالنظر إلى العلاقة بين المسيحية الأرثوذكسية وروسيا، فمن الواضح أن هناك علاقة ترابطية بين الدولة الروسية والدين تاريخيًّا، كانت، وما زالت، وستظل. مع أن الدين منفصل رسميًّا عن الدولة في روسيا، فإن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية تعد مؤسسة مؤثرة إلى حدٍ ما، بما في ذلك في الخارج، سواء بين الكنائس الأرثوذكسية الأخرى، أو في التصور العام للدولة الروسية.

تاريخيًّا، منذ إنشاء النظام الملكي في روسيا، كانت الدولة الروسية والأرثوذكسية كيانًا واحدًا غير منفصل. تأسست الملكية الأرثوذكسية نتيجة للحرب ضد الوثنية بعد معمودية روس كييف، التي اضطلعت بدور رئيس في تشكيل الدولة الروسية. توج القيصر إيفان الرابع بالطقوس البيزنطية الأرثوذكسية. وبشكل عام، فإن إنشاء النظام القيصري، بناءً على نظريته، يرتبط بالدين، وتحقيق إرادة الله، الذي يكون المتحدث باسمه هو الملك. على وجه الخصوص، تُوِّجَ جميع القياصرة الروس من خلال حفل تنصيب أرثوذكسي، وشرط الأرثوذكسية إلزامي لمن سيتولى العرش القيصري. في عهد بطرس الأول، أُعلنت الإمبراطورية الروسية، وبدأ يُطلق على رأس الدولة لقب “الإمبراطور”، الذي حمل في الوقت نفسه لقب “القيصر المدافع عن الكنيسة”، الذي كان يقود أو يسيطر على الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، وله- بموجب العقيدة والقانون- الحق في ذلك، وهو ما وضع رأس الدولة في إطار المهيمن على الشؤون الدينية والسياسية. في عهد بطرس الأول، ألغيت مؤسسة البطريركية، وكان الإمبراطور القيصر هو قائد الكنيسة، ولم تعد إلا في عهد الاتحاد السوفيتي بمبادرة شخصية من يوسف ستالين. في الوقت نفسه، خلال السنوات السوفيتية، كان دور الكنيسة، وكذلك الدين بشكل عام، محدودًا ومنظمًا على نحو صارم. بعد عام 1991، بدأت عملية ترميم مؤسسات الكنيسة المفقودة وإحيائها.

تاريخيًّا، لم تكن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية هي الأقدم؛ فعند تأسيسها حصلت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية على الفور على المركز الخامس في الترتيب الكنسي بين الكنائس العالمية، وهي الآن الكنيسة الأرثوذكسية الأكبر والأكثر نفوذًا في العالم[1].

تجدر الإشارة إلى أنه بعد الانشقاق العظيم عام 1054، الذي أدى إلى نشوء كنيسة كاثوليكية غربية ذات ثقافة لاتينية بقيادة البابا في روما، وكنيسة أرثوذكسية شرقية ذات ثقافة يونانية، أصبح عدد الكنائس الأرثوذكسية الرئيسة في العالم 15 كنيسة، وهي: (القسطنطينية- الإسكندرية- أنطاكية- القدس- الروسية- الجورجية- الصربية – الرومانية- البلغارية- القبرصية- الهيلينية (اليونانية)- الألبانية- البولندية- التشيكية والسلوفاكية- الأمريكية).

حصل البولنديون على استقلال (رأس الكنيسة) عن الروس عام 1948، والتشيكية والسلوفاكية في عام 1951، والأمريكية في عام 1970. وحصل البلغاريون واليونانيون والألبان، وكذلك الروس، على استقلال (رأس الكنيسة) من كنيسة القسطنطينية في أوقات مختلفة. في الوقت نفسه، من حيث عدد رعاياهم وقادتهم (الأساقفة والمتروبوليتان)، فإن الكنائس ليست متكافئة. مع أن كنيسة القسطنطينية، وكذلك كنيسة أنطاكية والقدس والإسكندرية، كان لها بطريركية خاصة بها منذ عام 451، فإنها مؤسسة صغيرة نوعًا ما من حيث الاقتصاد والهيكل التنظيمي، مع أنها تدعى (على نحو غير متناسب مع حجمها) أنها بطريركية، ورأسها يسمى بطريركًا، وله السلطة النهائية في حل أي نزاعات كنسية. منذ أن أصدر برثلماوس الأول- البطريك الحالي لبطريركية القسطنطينية المسكونية- مرسومًا في عام 2019 يمنح “الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا”- المنشأة حديثًا- وضعًا رسميًّا يتيح لها الاستقلال عن بطريركية موسكو، تسبب ذلك في صراع بين الكنائس الأرثوذكسية في العالم.

أيد قرار بطريرك القسطنطينية كنيسة القدس والإسكندرية الأرثوذكسية للروم الأرثوذكس، وامتنعت الكنائس الألبانية، والأنطاكية، والجورجية، والهيلينية، والرومانية عن التصويت، وكل الباقي، أي ست كنائس، تحدثت عن دعم الكنيسة الأرثوذكسية الروسية (ليصبح لديها كتلة مكونة من سبع كنائس).

من الواضح أن الولايات المتحدة والدول الغربية سيّست هذه القضية؛ من أجل جعل الأمور أسوأ لموسكو. ويشير هذا العامل إلى أن الأغلبية، ومنها الكنيسة الأرثوذكسية الأمريكية، اختارت جانب روسيا.

بالإضافة إلى ذلك، وردًّا على تصرفات بطريركية القسطنطينية، بدأت بطريركية موسكو بفتح الإكسرخيات الخاصة (مكاتب تمثيلية) في بلدان أوروبا الغربية، وإفريقيا، وجنوب شرق آسيا. على وجه الخصوص، يقع كهنة كنيسة الإسكندرية للروم الأرثوذكس تحت حظيرة الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، الذين اعتبروا تصرفات رئيسهم (البطريرك ثيودوروس الثاني) غير مقبولة، وتنتهك شرائع الأرثوذكسية.

وبطبيعة الحال، من بين أمور أخرى، فإن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية هي جهة فاعلة نشطة في السياسة العالمية. تنظر الكنيسة الروسية إلى العلاقات خارج دائرة أتباعها على نحو مماثل لهم، وإمكانية التفاعل مع الهياكل الحكومية والعامة، وغيرها من الهياكل الدينية. هذا هو الفارق بين الكنيسة الروسية والجهات الفاعلة الحكومية في العمليات السياسية العالمية مع تقسيمها التقليدي إلى خارجي وداخلي مرتبط بالحدود الوطنية؛ ومن ثم، فإن المجال الذي تتجلى فيه الكنيسة الروسية بوصفها عنصرًا فاعلًا، يمكن أن يرتبط بمجال أنشطتها الخارجية[2].

تشارك الكنيسة الأرثوذكسية الروسية في مؤتمرات القمة المختلفة للزعماء، والمنظمات الدينية، وهياكل الأمم المتحدة. وفي السابق، كان هناك تفاعل نشط مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي ومجلس أوروبا. بالإضافة إلى ذلك، وفقًا للوثيقة العَقَدية “أساسيات المفهوم الاجتماعي للكنيسة الأرثوذكسية الروسية”، تغطي اهتماماتها مجالات مثل الأمة، والدولة، والأخلاق، والقانون العلماني، وقضايا الحرب والسلام، والسياسة، وأخلاقيات علم الأحياء، والبيئة، والعلاقات الدولية، والعولمة والعلمانية؛ لذلك، فإن طبيعة عمل الكنيسة الأرثوذكسية الروسية ذات نطاق عالمي حقًا.

إذا نظرنا حصريًّا إلى الجانب الاقتصادي، فإن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية لديها أصول مثيرة للإعجاب. الدخل من أنشطة الكنيسة المختلفة- على سبيل المثال- عائدات بيع الأدب الديني والخدمات الأخرى، وفقًا لتقديرات مختلفة، يصل إلى نحو 6 مليارات روبل سنويًّا (كل دولار أمريكي يساوي 87.85 روبل بأسعار اليوم). هذه الدخول لا تخضع للضريبة[3]. وفي الوقت نفسه، يتكون دخل الكنيسة أيضًا من الدخل الناتج عن المؤسسات التجارية، ويصل هذا الدخل- بحسب تقديرات الخبراء- إلى 55 في المئة من ميزانية الكنيسة، إلى جانب التبرعات التي تبلغ نحو 40 في المئة.

وأخيرًا، فإن أهم أصول الكنيسة الأرثوذكسية الروسية هو شعبها. وفي الوقت نفسه، داخل روسيا، تهتم كل من الكنيسة والحكومة بالتعاون المتبادل المنفعة. ومع إعلان “التحول المحافظ”، تلقت الدوائر التقليدية دعمًا غير عادي لمبادراتها، وهو ما خلق بيئة مواتية لصعود السياسة الانتخابية الروسية في مجموعة من المناطق التي يطلق عليها تقليديًّا “الحزام الأرثوذكسي”. مع أنه يمكن تبرير ذلك من خلال المبادرات العامة المختلفة نيابة عن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، وإنشاء مؤسسات جديدة، فمن الضروري أيضًا مراعاة الطبيعة العميقة للتقاليد الشعبية، أي تآزر أيديولوجية الدولة مع الأرثوذكسية، وأيديولوجية “موسكو هي روما الثالثة”، ومقارنة الغرب بالمسيح الدجال، وغيرها من الروايات الأخروية التي تمنح الكنيسة الأرثوذكسية الروسية بعدًا نوعيًّا فريدًا.

ما ورد في الدراسة يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير.


شارك الموضوع