
شكّلت الحرب الإيرانية منعطفاً خطيراً في العصر الحديث، لما حملته معها من متغيرات أسهمت في تشكيل وهيكلية الشرق الأوسط، بين من ربطها بمشروع إسرائيلي قديم–جديد، وبين من قال إنها حق مشروع في الدفاع عن أمن إيران. وفي كلتا الحالتين، فإن هذه الحرب كشفت عمق المشاريع والمخططات القديمة التي طفت على سطح المنطقة مؤخراً.
وبصرف النظر عن الأسباب التي شُنّت من أجلها الحرب، فإنها حرب طاحنة استُخدمت فيها كل صنوف الأسلحة، وكل جهة استخدمت أقوى ما لديها لتبرز قوتها وقدرتها على ضبط المشهد، عبر إيقاع الصواريخ والغارات المستمرة، ودخول جيش الطائرات المسيّرة بدلاً من الجيوش النظامية، لنخرج بصورة حرب غير نمطية لم يألفها العالم، ولم يتوقعها أحد. فقد ركز الجانب الأمريكي وإسرائيل على الأهداف التي تشل قدرة إيران على الاستمرار، من خلال ضرب مراكز ومنصات إطلاق الصواريخ، والأهداف الحيوية والتقنية الأخرى.
وفي وقت وصلت فيه الصواريخ الإيرانية إلى العمق الإسرائيلي، واستهدفت مصالح الولايات المتحدة في المنطقة، فإن ما يعني المتابع اليوم هو تركيز إيران على استهداف المنطقة، ولا سيما دول الخليج، وتركيزها المباشر على دولة الإمارات بشكل مكثف دوناً عن باقي الدول، ثم أربيل في كردستان العراق بشكل غير مسبوق، وبما يثير عشرات الأسئلة والرسائل: لماذا هاتان المنطقتان تحديداً؟ ولماذا الإمارات وأربيل؟
ولنصل إلى تساؤل آخر، فعلى سبيل المثال هناك مصالح أمريكية كثيرة للولايات المتحدة في أذربيجان القريبة جداً من إيران، ومع ذلك لم يتم استهدافها. وهناك أيضاً تركيا، الحليفة المعقدة العلاقة مع إيران، كذلك لم يتم استهدافها، رغم وجود سفارات وقنصليات للجانبين الأمريكي والإسرائيلي فيها. بل إنه عندما سقطت صواريخ في قاعدة إنجرليك التابعة لحلف الناتو في أضنة التركية، سارعت طهران إلى نفي مسؤوليتها عن إطلاق هذه الصواريخ.
وبالتالي، فهي حرب مصالح، وهدف إيران هنا ليس ضرب المصالح الأمريكية بقدر ما هو ضرب المصالح العربية، لأن الولايات المتحدة لن تتضرر بخسارة قاعدة هنا أو هناك، فيما مصالحها منتشرة حول العالم.
والسؤال الذي لم نجد له إجابة: لماذا الإمارات العربية المتحدة؟ ولماذا أربيل؟
للإجابة عن هذه التساؤلات، لا بد من تفكيك طبيعة الأهداف ضمن سياق أوسع من مجرد رد عسكري مباشر. فقراءة نمط الاستهداف تكشف أننا لسنا أمام بنك أهداف تقليدي مرتبط فقط بالضرورات العملياتية، بل أمام رسائل مركبة تُصاغ بعناية لتطال الجغرافيا السياسية بقدر ما تطال البنية العسكرية.
فلو كان الدافع محصوراً بالمصالح الأمريكية المباشرة، لكان من المنطقي توجيه الضربات نحو مسارات الإمداد الأكثر حساسية، كخطوط الربط الأذري–التركي التي تُعد أحد المسارات الداعمة للعمليات الإسرائيلية. إلا أن تجاوز هذه الأهداف، والتركيز على الإمارات بكثافة نارية لافتة، يشير إلى أن الهدف يتجاوز “تعطيل القدرة” إلى “إعادة تشكيل الرسالة”.
الإمارات هنا لا تُقرأ كهدف عسكري بحت، بل كرمز لنموذج إقليمي صاعد يقوم على الاستقرار الاقتصادي والانفتاح والاستثمار العالمي، وهي في الوقت ذاته لاعب متقدم في مسارات التطبيع وإعادة التموضع في الشرق الأوسط. وبالتالي، فإن استهدافها لا يهدف فقط إلى إحداث ضرر مادي، بل إلى تقويض “رأسمالها الرمزي” القائم على الثقة والاستقرار.
فهذا النوع من الضربات يعمل على ضرب البنية غير المرئية للاقتصاد، أي الثقة، والتي تُعد حجر الأساس في تدفقات الاستثمار وحركة الأسواق. حين تُستهدف الإمارات، فإن الرسالة لا تُوجَّه إلى الداخل فقط، بل إلى المنظومة الدولية المرتبطة بها: شركات متعددة الجنسيات، مؤسسات مالية، وشبكات لوجستية تعتمد على استقرارها كنقطة ارتكاز. بمعنى آخر، فإن الاستهداف هنا يسعى إلى إدخال عامل المخاطرة في معادلة كانت تُقدَّم على أنها منخفضة المخاطر.
كما أن هذا النمط من العمليات يندرج ضمن ما يمكن تسميته “حرب الإدراك”، حيث لا تكون النتائج مرتبطة بحجم الخسائر المباشرة، بقدر ارتباطها بتأثيرها النفسي والاستراتيجي. فالغاية ليست فقط إصابة الهدف، بل إعادة تعريفه في وعي الفاعلين الدوليين: من مساحة آمنة إلى مساحة قابلة للاهتزاز.
وفي سياق أوسع، فإن استهداف الإمارات يحمل أيضاً بعداً ردعياً موجهاً إلى الدول التي اختارت الانخراط في ترتيبات إقليمية جديدة، سواء عبر التطبيع أو عبر إعادة تشكيل تحالفاتها. والرسالة هنا مفادها أن الانخراط في هذه المسارات لن يكون بلا كلفة، وأن الفضاء الاقتصادي نفسه يمكن أن يتحول إلى ساحة ضغط.
الأخطر في هذا السياق هو أن تحويل مراكز الثقل الاقتصادي إلى أهداف يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع، حيث تتداخل الجغرافيا الأمنية مع الجغرافيا الاقتصادية، وتصبح المدن المالية والموانئ ومراكز الاستثمار جزءاً من معادلة الردع، لا خارجها. وهذا ما يعيد تعريف مفهوم “الأمن الإقليمي” من كونه أمن حدود إلى كونه أمن شبكات ومصالح عابرة للحدود.
أما أربيل، فاختيارها ليس معزولاً عن موقعها الوظيفي في التوازنات العراقية–الإقليمية. فهي تمثل نقطة تقاطع نفوذ أمريكي، وممراً لوجستياً واستخباراتياً مهماً، إضافة إلى كونها مساحة شبه مستقلة داخل العراق. واستهداف أربيل يحمل رسائل مزدوجة: الأولى إلى واشنطن بأن حضورها في هذه العقدة ليس بمنأى عن الضغط، والثانية إلى بغداد بأن معادلة السيادة لا تزال محل نزاع، وأن الفاعلين غير الدولتيين أو الإقليميين قادرون على تجاوزها.
والأهم من ذلك أن الجمع بين هدفين مختلفين جغرافياً، الإمارات وأربيل، يكشف عن محاولة ربط مسارات متباعدة ضمن ساحة اشتباك واحدة. أي أننا أمام “مسرحة إقليمية” للصراع، حيث تُستخدم الضربات لخلق ترابط قسري بين الخليج والعراق، وبين الاقتصاد والأمن، وبين الاستقرار الظاهري والهشاشة الكامنة.
وبالتالي، يمكن القول إن نمط الاستهداف يعكس انتقالاً من منطق “الرد على فعل” إلى منطق “إعادة هندسة قواعد الاشتباك”. نحن أمام محاولة لفرض معادلة ردع جديدة تقوم على توسيع نطاق المخاطر، بحيث لا تبقى محصورة في الجبهات التقليدية، بل تمتد إلى مراكز الثقل الاقتصادي والسياسي في الإقليم.
فالإمارات، في هذا السياق، لا يُراد منها فقط امتصاص الضربة، بل اختبار نموذجها بالكامل: هل ستتجه نحو التصعيد لحماية صورتها الردعية؟ أم ستفضّل الاحتواء حفاظاً على بيئة الاستثمار؟ هذا التردد المحتمل بين الأمن والاقتصاد هو بحد ذاته مادة الاختبار.
بهذا المعنى، تتحول الضربة من حدث عسكري إلى أداة تشخيص تُستخدم لاستكشاف خطوط القوة والضعف في مواقف الأطراف المختلفة. فهي ليست فقط رسالة، بل تجربة ميدانية لقياس ردود الفعل، وتحديد العتبات: متى يُرد؟ وكيف؟ وبأي سقف؟
والأهم أن نتائج هذا الاختبار لا تُقرأ لحظياً، بل تتراكم عبر الزمن لتشكل لاحقاً أساساً صلباً لإعادة رسم قواعد الاشتباك. أي إننا أمام عملية تدريجية ومعقدة لإعادة تعريف ما هو مقبول وما هو محظور، ليس عبر الاتفاقات الرسمية أو الأطر القانونية التقليدية، بل من خلال الوقائع المفروضة على الأرض، حيث تتحول الأفعال إلى سوابق، والسوابق إلى قواعد غير مكتوبة تحكم سلوك الفاعلين.
في هذا السياق، لا تعود القوة مقتصرة على القدرة العسكرية المباشرة، بل تمتد لتشمل القدرة على فرض معادلات جديدة واختبار حدود ردود الفعل لدى الأطراف المختلفة، بما يفضي في النهاية إلى ترسيخ أنماط سلوك قابلة للتكرار. ومن هنا، تغدو الساحة الدولية أقرب إلى مختبر مفتوح لإعادة إنتاج التوازنات، حيث يتم قياس كل خطوة بمدى تقبلها، لا بمدى مشروعيتها.
وعليه، فإن الإمارات تمثل النموذج الأكثر فاعلية في هذا المشهد الدولي، ليس فقط من حيث قدرتها على التكيف مع التحولات، بل أيضاً في كيفية توظيفها لهذه الديناميات لصالحها، عبر مقاربة براغماتية تجمع بين المرونة السياسية، والانخراط الانتقائي، وبناء النفوذ الهادئ القائم على الاقتصاد والشبكات، أكثر من اعتماده على الصدام المباشر.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير