مقالات المركز

قراءة في المؤتمر السنوي لوزير الخارجية الروسي وخطاب الدوران في المكان

لا جديد في الدبلوماسية الروسية


  • 22 يناير 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: riamediabank

منذ الدقائق الأولى للمؤتمر الصحفي السنوي لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الذي عقده الثلاثاء، 20 يناير (كانون الثاني) 2026، في المركز الصحفي لوزارة الخارجية، بدا واضحًا أن الخطاب الذي يقدمه لا يستهدف تقديم قراءة نقدية لحصيلة عام دبلوماسي بالغ الاضطراب، بقدر ما قدم قدرًا من التكيف اللغوي والسياسي مع المتغيرات الدولية الراهنة؛ فقد برزت منذ البداية نبرة إيجابية تجاه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وما يفعله داخل المشهد الأمريكي والأوروبي، بل على الساحة العالمية.

الإشادة المتكررة بترمب، التي لفت الانتباه إليها خلال سؤاله مراسل “سي إن إن”، تجاوزت المجاملة الدبلوماسية إلى ما يمكن وصفه بالرهان الدبلوماسي؛ ولذلك ما لبثت، بعد إثارتها للدهشة، أن شكلت المفتاح لفهم القدر الكبير من التحفظ الروسي في ملفات دولية حساسة، وعلى رأسها غزة، حيث بدا أن موسكو وكأنها تتجنب بوضوح أي موقف قد يُفهم على أنه إزعاج لواشنطن الجديدة بمبادرة مجلس السلام التي يدفع بها ترمب، أو لإسرائيل.

هذا الميل الحذر، الذي يغلف نفسه بخطاب “الواقعية” و”البراغماتية”، انعكس على مجمل تصريحات الوزير لافروف، من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، مرورًا بإيران وفنزويلا حتى غرينلاند. والنتيجة لم تكن بلورة رؤية روسية دبلوماسية جديدة، بل إعادة تدوير خطاب قديم مع تعديلات شكلية ولغوية طفيفة تفرضها موازين القوى المتبدلة.

ففي ملف غزة مثلًا، أعاد لافروف تأكيد ثوابت روسية معروفة، مثل حل الدولتين، وقرارات مجلس الأمن، والدور المركزي للأمم المتحدة. غير أن هذه الثوابت بدت معلقة في الهواء عندما انتقل الحديث إلى مبادة مجلس السلام التي طرحها ترمب لإدارة قطاع غزة، والتي أشرت إليها أعلاه.

الوزير الروسي تجنب أي تفكيك موضوعي لفكرة هذا المجلس، ولا لمفهومه، ولا لتشكيل المدعوين للمشاركة فيها، ولا عمّا إذا كانت سيصبح بديلًا عن الآليات المعترف بها دوليًّا لمرافقة عملية التسوية الفلسطينية، وإنهاء المأساة والكارثة الإنسانية في قطاع غزة. واكتفى لافروف بدلًا من ذلك بإشارات عامة عن “قابلية النقاش” بشأن هذه المبادرة، وعدم التعارض مع القانون الدولي، لكن من دون التوقف عند التناقض البنيوي بين فكرة إدارة دولية لغزة ومبدأ تقرير المصير الفلسطيني.

الأكثر دلالة لم يكن ما قيل، لكن ما لم يُقل. ما أقصده أن سؤال الشرعية لم يُطرح، ولا تم التذكير بأن أي صيغة لإدارة غزة خارج الإطار الأممي، وهو ما يطرحه ترمب في جوهر مبادرته، تُعد التفافًا على منظومة كاملة من القرارات الدولية. كما لم يتم التوقف كذلك عند الطابع الانتقائي والغريب لتشكيل المجلس المقترح، ولا عند توجيه دعوات لدول بعيدة كليًّا عن مسار التسوية. وهذا الصمت لا يمكن عزله عن سياق أوسع وهو -حسب فهمي- حرص روسي واضح على عدم إحراج ترمب في مبادراته السياسية.

في المقابل، غابت الرباعية الدولية عمليًّا عن خطاب لافروف، وهي بالمناسبة الإطار الذي كانت موسكو تقدمه سنوات بوصفه آلية شرعية ومتوازنة، لكنها لم تحظ بأي محاولة إحياء حقيقية. هذا التجاهل يعكس -على الأرجح- قبولًا روسيًّا بتآكل دور هذه الصيغة، ما دام البديل الترمباوي لا يستبعد موسكو رمزيًّا، وإن همش المرجعيات التي ضمنت لها سابقًا موقع الشريك المكافئ.

في الملف الإيراني، بدت الحيطة الروسية أوضح؛ فما تم التعبير عنه هو دعم لفظي للحلول السياسية، ورفض عام للتصعيد، لكن دون أي استعداد لتحمل كلفة سياسية دفاعًا عن طهران. الخطاب هنا بدا يعكس إدارة مسافة؛ بمعنى، نعم، إيران هي شريك لروسيا، لكن ليس على حساب تحسين شروط التفاوض مع واشنطن بخصوص أوكرانيا، وليس على حساب إزعاج ترمب.

أما في أوكرانيا، فقد شن الوزير الروسي هجومًا حادًّا ومباشرًا على الأوروبيين، وكال لهم الاتهامات بإطالة أمد الحرب، في مقابل خطاب إيجابي واستثنائي تجاه ترمب وموقفه من هذا الصراع، حيث وصفه لافروف في أكثر من موضع بأنه السياسي الغربي الوحيد الذي يفهم جذور الأزمة. وهذا التباين لا يعكس فقط الخلاف الحاد مع أوروبا؛ بل يعكس -وهو الأهم- رهانًا روسيًّا صريحًا على سلوك ترمب، ومن ثم واشنطن والولايات المتحدة تجاه هذه الأزمة، ولو تطلب ذلك تليين خطاب لطالما شدد على رفض الشخصنة في العلاقات الدولية.

في ملف فنزويلا، حافظ لافروف على خطاب مبدئي عن السيادة ورفض التدخل، لكن هذا الخطاب بدا مختلفًا تمامًا في تصريحات لافروف عن غرينلاند ونيات ترمب تجاهها، فجاء تعليقه محدودًا ومقتضبًا، وبمعنى أدق منسجمًا مع نهج يفضل عدم تضخيم القضايا التي لا تمس المصالح الروسية المباشرة.

ومن المفهوم هنا أن الوزير الروسي استخدم خطاب الدفاع عن القانون الدولي حين يخدم الاشتباك مع الغرب، ويتجاهله حين يقترب من رئيس أمريكي تعلق عليه موسكو آمالًا سياسية كبيرة.

في المجمل يمكن القول إن مؤتمر لافروف في حصيلة العام المنصرم، وأولويات العام الجاري في الدبلوماسية الروسية، لم يقدم تحولًا نوعيًّا في مقاربات السياسة الخارجية الروسية، بقدر ما عكس استمرارية في الخطاب، مع التكيف التكتيكي مع المتغيرات الدولية.

دبلوماسية موسكو كما عكستها تصريحات الوزير لافروف لا تزال تتحرك ضمن منطق تقليل الخسائر، وتعظيم هامش المناورة من خلال ما يمكن وصفه بسياسة إدارة الانتظار؛ انتظار ما ستفعله واشنطن ترمب، انتظار ما إذا كان هذا الأخير سينجح في كسر الاجماع الغربي في أوكرانيا، ويقود عملية تفكيك الناتو عبر بوابة غرينلاند، وانتظار ما إذا كان يمكن تمرير مبادرته التي تتجاوز الأمم المتحدة دون كلفة سياسية كبيرة.

وهذا الخيار هو خيار مفهوم في سياق دولي مضطرب، لكنه يترك انطباعًا بأن السياسة الخارجية الروسية تمر بمرحلة إدارة الواقع القائم أكثر من أن تكون مشاركة في إعادة صياغة هذا الواقع.

هذه المقاربة بالطبع مفهومة تكتيكيًّا، لكنها تطرح إشكالية إستراتيجية أعمق: إلى أي حد سوف تنجح موسكو في الاستمرار في رفع راية التعددية القطبية والشرعية الدولية بالتوازي مع تكييف خطابها العملي لتفادي إزعاج رئيس أمريكي بعينه، حتى في ملفات تمس جوهر النظام الدولي مثل غزة؟

بهذا المعنى، لم يكن المؤتمر السنوي للافروف إعلانًا عن مسار جديد، بقدر ما كان تأكيدًا لنهج معروف، يراهن على عامل الوقت، وعلى تبدل مواقف الشركاء والخصوم على حد سواء، مع الإبقاء على الخطوط العامة دون تعديل جذري.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع