مقالات المركز

لافروف و”حرب الروايات”.. لماذا ترى موسكو أن المواجهة مع الغرب بدأت قبل أوكرانيا؟


  • 23 سبتمبر 2026

شارك الموضوع

وجه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الثلاثاء 22 سبتمبر (أيلول) 2026، سلسلة من الاتهامات اللاذعة إلى وسائل الإعلام الغربية، بأنها تستخدم ملف المسيرات التي تظهر في أجواء دول أوروبية لبناء حملة إعلامية جديدة ضد روسيا.

وأكد شيخ الدبلوماسيين الروس أن الاتهامات الموجهة إلى موسكو في هذا الملف تأتي امتدادا لما وصفه بالحرب الإعلامية والسياسية المستمرة ضد بلاده منذ سنوات طويلة.

جاءت تصريحات الوزير لافروف خلال افتتاح المنتدى الدولي “حوار حول الأخبار الزائفة 4.0″، الذي يعقد في المركز الوطني “روسيا” في قلب العاصمة الروسية، بمشاركة أكثر من ألفي شخص من خبراء تدقيق الحقائق والصحافة الاستقصائية من نحو ثمانين دولة. وقد كنت بين الحضور، واستمعت بعناية إلى تصريحات لافروف من على بعد عدة خطوات منه ومن منصة المنتدى.

لم يحصر لافروف حديثه واتهاماته في حوادث المسيرات الأخيرة المثيرة للجدل في أجواء الدول الأوروبية. فقد استعاد وزير الخارجية الروسي المخضرم سلسلة طويلة من الأزمات التي ترى موسكو أن الإعلام والمعلومات استخدما خلالها لتهيئة الرأي العام في تلك الدول لقرارات سياسية وعسكرية كانت لها نتائج كارثية، واستند بعضها، بحسب الرؤية الروسية، إلى أسباب ومعلومات غير صحيحة، بدءا من قصف يوغوسلافيا عام 1999 وغزو العراق عام 2003، مرورا بقضيتي سيرغي سكريبال وأليكسي نافالني، وصولا إلى بوتشا والحرب الأوكرانية نفسها.

ربط الوزير الروسي هذه الملفات جميعا في سلة واحدة بمسألة أوسع وأعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين روسيا والغرب منذ وصول فلاديمير بوتين إلى سدة الحكم وتسلمه مفاتيح السلطة في الكرملين.

لافروف يقول لنا بوضوح تام إن المواجهة الحالية بين روسيا والغرب بدأت قبل أوكرانيا بوقت طويل. بدأت، بحسب كلامه، عندما شرعت موسكو تحت قيادة بوتين في التخلص مما وصفه بصيغ مختلفة من الاستعمار الحديث الذي حاول الغرب ممارسته على بلاده في إطار علاقتها معه.

وترجمة هذا التصور الذي قدمه شيخ الدبلوماسيين الروس هي أن الغرب لم يتقبل عودة روسيا إلى ممارسة سياسة خارجية أكثر استقلالية. فالغرب، وفق هذا التصور، لا تهمه السياسات الداخلية للقادة المطيعين له، ولا يلجأ إلى انتقاد السياسة الداخلية إلا عندما يرغب في ممارسة الضغط على من لا يستجيب لمطالبه أو يحيد عن الطريق الذي يرسمه للقادة التابعين له.

لقد استخدم الغرب الإعلام المتفوق لديه، الذي ظل ولا يزال يصوغ الرواية العالمية للأحداث ويقدمها من الزاوية التي تلبي مصالحه حصرا، من أجل الضغط على روسيا، ثم استخدم العقوبات والقيود الاقتصادية والسياسية إلى جانب أدوات الضغط التقليدية.

هذا الكلام، بالطبع، أنقل إليكم من خلاله التفسير الروسي لتطور العلاقة بين روسيا والغرب منذ لحظة دخول بوتين الكرملين رئيسا. وهو، في رأيي، كلام مهم لكي نفهم الطريقة التي تقرأ بها موسكو، ويقرأ بها الكرملين ونخبته، الصراع الحالي مع الغرب، حتى نستطيع أن نتصور معا أبعاده الحقيقية وإلى أين يمكن أن يصل بنا.

فحرب أوكرانيا، وفق هذا التصور، ليست نقطة البداية، وإنما هي أحدث حلقات السلسلة وأعلى درجات سلم المواجهة التي تراكمت أسبابها وأحداثها على امتداد أكثر من عقدين من الزمن.

ولهذا، من وجهة نظري، عاد لافروف إلى التاريخ الحديث، وعاد إلى يوغوسلافيا والعراق. وأشار إلى المعلومات التي استخدمت لتبرير التدخل العسكري في يوغوسلافيا، ثم إلى العرض الاستعراضي الشهير لوزير الخارجية الأمريكي الراحل كولن باول أمام مجلس الأمن في فبراير (شباط) 2003، عندما قدم ما يفترض أنها معلومات عن برامج أسلحة الدمار الشامل العراقية، ولوح بالأنبوب الشهير الذي أصبح أحد أبرز المشاهد التي سبقت غزو دولة الحضارة العريقة، العراق، في مارس (آذار) 2003، وتدميرها كما دمر التتار مكتباتها العريقة قبل ذلك بقرون، ثم ثبت لاحقا عدم العثور على مخزونات أسلحة الدمار الشامل التي استخدمت في تبرير الحرب.

وهذا المثال يقدمه لنا وزير الخارجية الروسي لكي يخبرنا بضرورة أن نكون حذرين وواعين. فالرجل قد بلغ من العمر الدبلوماسي عتيا، وكأنه يقول لنا: انظروا وانتبهوا إلى الطريقة التي يبني بها الغرب الرواية السياسية والإعلامية التي تسبق استخدامه القوة، ويمنح لنفسه بذلك الغطاء اللازم أمام الرأي العام الداخلي في بلاده، الذي يهمه بالدرجة الأولى، ثم أمام الرأي العام العالمي، حتى يقلل مساحة الاعتراض بعد ذلك.

ثم توقف الوزير الروسي مطولا أمام قضية أليكسي نافالني، التي شكلت لسنوات أحد أبرز الملفات التي استخدمها الغرب في انتقاد بوتين خلال السنوات التي سبقت التصعيد الكبير في أوكرانيا.

أعاد الوزير الروسي التذكير بالمرحلة الأخيرة من قضية نافالني، عندما قال إن المستشفى الذي استقبله أولا في مدينة أومسك الروسية بعد تدهور حالته الصحية لم يثبت تعرضه للتسمم بمواد كيميائية، وقال إن ذلك مثبت بالوثائق. وبعد ذلك نقل نافالني إلى مستشفى شاريتيه في برلين، وأعلنت السلطات الألمانية لاحقا وجود آثار لمادة من مجموعة “نوفيتشوك”.

واتهم الوزير الروسي الجانب الألماني بعدم تقديم المواد والوثائق التي طلبتها موسكو للتحقق من هذه النتائج. وفي المقابل، أعلنت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بعد تحليل عينات أخذها خبراؤها من نافالني، وجود مؤشرات لمادة مثبطة للكولين إستيراز ذات خصائص بنيوية مشابهة لمواد من عائلة “نوفيتشوك”. وهنا تتباين بصورة واضحة الرواية الروسية مع النتائج التي أعلنتها ألمانيا والمنظمة الدولية.

وعندما أتى شيخ الدبلوماسيين الروس إلى الحديث عن الملف الأكثر ارتباطا بالتوتر الروسي الأوروبي الحالي، وهو المسيرات التي يقال إنها روسية في أجواء الدول الأوروبية، وخصوصا قصة المسيرة في مطار لايبزيغ الألماني، قال لافروف إن الإعلام الغربي يستخدم حوادث ظهور طائرات مسيرة فوق دول الاتحاد الأوروبي لاتهام روسيا من دون تقديم أدلة كافية.

وقد جاء كلامه وسط ارتفاع حاد في التوتر مع بولندا وليتوانيا كذلك، وبصورة خاصة في أعقاب تصريحات وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي بشأن استعداد بلاده وحلفائها للرد دفاعيا وهجوميا على روسيا.

بلا شك، المسألة هنا تتجاوز الجدل حول جنسية كل مسيرة. فإثبات أن روسيا تتعمد إرسال مسيرات إلى المجال الجوي لدول الناتو ستكون له نتائج سياسية وعسكرية عكسية مباشرة عليها، لأنها ستقود بالتأكيد إلى تعزيز الدفاعات الجوية وزيادة الإنفاق العسكري، فضلا عن أنها ستقدم مبررا لتوسيع الحلف انتشار قواته.

وبالتالي، لن تكون روسيا مستفيدة من ذلك في الوقت الحالي. ولهذا تحاول موسكو منع تحول الوقائع الفردية غير المؤكدة ابتداء إلى استنتاج سياسي ثابت في الذهنية الجمعية الأوروبية، مفاده أنها تنفذ حملة متعمدة ضد المجال الجوي الأوروبي.

أما الجزء الأكثر تفصيلا في كلمته فتعلق ببوتشا وأحداثها. عرض لافروف الرواية الروسية بشأن ما جرى، واتهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بخداع بوتين عندما اتصل به يوم 29 مارس (آذار) 2022، على خلفية اجتماعات إسطنبول بين الروس والأوكرانيين، التي توصل خلالها الطرفان إلى تفاهمات كان من الممكن، بحسب الرواية الروسية، أن تقود إلى إنهاء الحرب في نهاية شهرها الأول.

وبحسب ما عرضه لافروف، طلب ماكرون من بوتين سحب القوات الروسية من محيط العاصمة الأوكرانية كييف وضواحيها، التي كانت من بينها مدينة بوتشا، وبرر طلبه بأن التفاوض لا يمكن أن يجري والمسدس مصوب إلى رأس الطرف الآخر. ووفق الرواية الروسية، استجاب بوتين، وسحبت القوات الروسية يومي 29 و30 مارس (آذار)، ثم ظهر عمدة مدينة بوتشا تحديدا مبتهجا أمام الإعلام يوم 31 مارس (آذار) بمناسبة خروج القوات الروسية، من دون الإشارة إلى وجود جثث في الشوارع.

ثم ظهرت، في مطلع أبريل (نيسان)، صور الجثث في شوارع هذه المدينة الصغيرة، وكانت وسائل إعلام دولية، من بينها “بي بي سي”، حاضرة لنقل صور المأساة والجثث التي ظهرت في بوتشا، بعد أيام قليلة من إعلان عمدة المدينة خروج القوات الروسية منها من دون أن يتحدث في ذلك الإعلان عن وجود قتلى أو جثث في الشوارع.

وهذه هي النقطة التي تستند إليها موسكو في التشكيك في الرواية الأوكرانية والغربية بشأن أحداث بوتشا. في المقابل، تتهم أوكرانيا ودول غربية القوات الروسية بقتل المدنيين خلال فترة سيطرتها على المدينة، كما وثقت جهات دولية حالات قتل لمدنيين وطالبت بتحقيقات مستقلة في الانتهاكات التي شهدتها بوتشا. ولذلك ينبغي التمييز هنا بين الرواية التي عرضها لافروف بشأن تسلسل الأحداث وبين المسؤولية عن عمليات القتل، التي تنفيها موسكو وتتهم بها كييف القوات الروسية.

وربط لافروف اتصال ماكرون ببوتين بالدور الذي لعبه رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون، الذي وصل إلى كييف في أبريل (نيسان) 2022، في وقت كانت فيه المفاوضات بين موسكو وكييف لا تزال مستمرة.

ويستند الجانب الروسي في هذا الصدد، من بين أمور أخرى، إلى تصريحات دافيد أراخاميا، رئيس الوفد الأوكراني في مفاوضات إسطنبول، الذي قال لاحقا إن جونسون أبلغ الجانب الأوكراني بأن الغرب غير مستعد لتوقيع شيء مع روسيا، ودعا إلى مواصلة القتال. وأراخاميا لا يزال حيا ويشارك في الحياة السياسية الأوكرانية واجتماعات القيادة الأوكرانية.

لكن أراخاميا تحدث أيضا عن عوامل أخرى حالت دون التوصل إلى اتفاق، من بينها عدم الثقة في روسيا، ومسألة الضمانات الأمنية، والحاجة إلى تعديل الدستور الأوكراني إذا قبلت كييف الحياد. ولذلك فإن القول إن زيارة جونسون كانت السبب الوحيد في إفشال اتفاق نهائي يتجاوز ما تثبته شهادة أراخاميا نفسها، في حين ترى موسكو أن الزيارة أدت دورا أساسيا في إجهاض مسار التفاوض.

بالطبع، لم يتوقف لافروف عند أوكرانيا، فقد وسع مفهوم الحرب المعلوماتية ليشمل العقوبات والسياسة الاقتصادية الغربية والعلاقات مع الصين ودول الجنوب العالمي والتصويت في الأمم المتحدة، بل وحتى الرياضة والثقافة.

واتهم الوزير الروسي الدول الغربية بأنها تلجأ إلى القيود والعقوبات والضغط السياسي لأنها تعرف، بحسب رؤيته، أن المنافسة المفتوحة غير كافية لكي تحافظ على مواقعها في الاقتصاد العالمي. “لا تستطيع العيش في ظل المنافسة الشريفة”، هكذا قال الوزير لافروف عن دول الغرب.

واتهمها كذلك بالضغط على دول الجنوب العالمي، بما في ذلك عبر التلويح بمنع المساعدات والتمويل عنها إذا صوتت في المؤسسات الدولية على خلاف الرغبة الأمريكية والأوروبية.

وهذا الكلام يضع اتهامات لافروف للغرب داخل الخطاب الروسي الأوسع عن النظام الدولي متعدد الأقطاب وحاجة العالم الملحة إليه الآن، بحسب الرؤية الروسية.

إن موسكو، يا أيها القارئ الكريم، لا تتعامل مع الإعلام حاليا على أنه قطاع منفصل عن الاقتصاد أو المؤسسات الدولية. فقد أدركت، وإن كان ذلك متأخرا، أهمية الإعلام ودوره في العالم المعاصر. لقد أدركت أن امتلاك شبكات الإعلام العالمية والنظام المالي الدولي ومؤسسات العقوبات والنفوذ داخل المنظمات الدولية وفر، ولا يزال يوفر، للغرب حزمة من الأدوات المهمة جدا التي تعمل معا من أجل الحفاظ على نفوذه وموقعه المهيمن في النظام الدولي.

ومن هذه الزاوية، تصبح المنافسة مع الصين، وفرض العقوبات على روسيا، والصراع على أصوات دول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، فضلا عن الحرب الإعلامية الشرسة حول أوكرانيا، أجزاء مختلفة من المشكلة نفسها.

وهذا الاستنتاج الذي وصلت إليه معكم يفسر لنا طبيعة المنتدى الذي اختاره لافروف ليكون المنصة التي يعرض منها هذه الأفكار أمام الحضور وأمام العالم. فالنسخة الرابعة من المنتدى، الذي أطلقته موسكو قبل أربع سنوات ومنحته اسم “حوار حول الأخبار الزائفة”، هي ترجمة عملية لهذا الإدراك الروسي المتأخر لأهمية الإعلام.

وتجمع هذه النسخة مسؤولين وصحفيين وخبراء دوليين في التحقق من المعلومات والتكنولوجيا من عشرات الدول، وتضمنت أجندتها موضوعات الذكاء الاصطناعي، وكيف يمكن استخدامه في التزييف العميق، وأمن الانتخابات، وما يطلق عليه المنظمون “السيادة المعرفية”.

هذا المنتدى هو محاولة، أو لأكون أدق، جزء من سياسة روسية جديدة تستهدف بناء قنوات وشبكات معلوماتية مع دول الجنوب العالمي، بالتوازي مع بناء علاقات اقتصادية وسياسية خارج المؤسسات التي يسيطر عليها الغرب أو يتمتع داخلها بالنفوذ الأكبر.

تريد موسكو أن تقول لهذه الدول إن الخلاف حول أوكرانيا ليس حالة منفصلة، بل هو نموذج، وفق الرؤية الروسية، للطريقة التي يمكن أن تستخدم بها القوة والآلة الإعلامية الجبارة، ومعها الأدوات الاقتصادية، ضد أي دولة تحاول الانعتاق من التبعية والخضوع للغرب أو تدخل في مواجهة سياسية مع المراكز الغربية.

بالطبع، وحتى لا يكون كلامنا مجرد تنظير، نقول إن نجاح هذه الاستراتيجية، التي أراها محاولة محمودة، سيظل مرتبطا بمشكلة أساسية، وهي أن القدرة على تقديم رواية بديلة، على أهميتها، لا تكفي في حد ذاتها لإثبات صحتها. وبالطبع، هذا الكلام ينطبق على الطرفين.

فالادعاء الغربي يحتاج إلى دليل، وعلينا أن نتوقف عن قبول كل ما يقدمه الغرب إلينا باعتباره حقيقة مكتملة من دون تمحيص أو تحقق. فالعالم واسع الأرجاء، ومصادر المعلومات متعددة، ويكفي فقط أن نفتح أعيننا بصورة أوسع، وأن نبحث ونقارن قبل أن نصدر أحكامنا.

وبالتأكيد، أي ادعاء روسي لا بد أن نطلب عليه دليلا أيضا. وهذه القاعدة، أي ضرورة التحقق من الروايات، تزداد أهمية الآن. والسبب في ذلك أن المسيرات والذكاء الاصطناعي والصور المولدة رقميا والسرعة الهائلة لانتشار المعلومات جعلت الفترة الفاصلة بين وقوع الحدث وتشكيل الموقف السياسي منه أقصر من غمضة عين.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع