مقالات المركز

هل تتراجع دبلوماسية الصفقات أمام الدبلوماسية الكلاسيكية في إدارة حرب أوكرانيا؟

لافروف أم دميترييف.. صراع المسارات داخل الكرملين


  • 9 مارس 2026

شارك الموضوع

انشغل المراقبون، وانشغلت معهم خلال الأسبوع الأخير بأكمله، بحرب أمريكا وإسرائيل على إيران، لكن حربًا أخرى مشتعلة ولا تقل خطورة، بل قد تكون مرتبطة بشكل مباشر بالعدوان على إيران، وهي حرب أوكرانيا التي لم تضع أوزارها، بل على العكس تشهد تطورات مهمة تجعلني أعود إليها مضطرًا. فقد لفت انتباهي، وأنا أتابع تطوراتها، خبر نشرته وكالة تاس مساء الجمعة 6 مارس (آذار) 2026، وتداولته معه منصات روسية أخرى بشكل متوازٍ.

ينقل الخبر نفي كيريل دميترييف، رئيس الصندوق الروسي للاستثمارات المباشرة، لشائعات متصلة بدوره أو بموقعه في المسار التفاوضي. وبالتدقيق وجدت أن نفيه هو لشائعة إعفائه من منصب الممثل الخاص للرئيس الروسي للاستثمار والتعاون الاقتصادي مع الدول الأجنبية، وبالتالي خلعه من ملف المفاوضات مع ويتكوف وكوشنر بشأن التسوية في أوكرانيا، خصوصًا على خلفية ما يثار في الدوائر الروسية عن خداعهما لعراقتشي والإيرانيين في مفاوضات جنيف.

وبصرف النظر عن دقة ما دار على قنوات تليغرام الروسية والتعليقات المرافقة لها، وخبر وكالة تاس، فإن الأهم ليس الشائعة نفسها، بل ما كشفته من سؤال صار مطروحًا بوضوح في الداخل الروسي: من يمسك فعلاً بالملف الأوكراني في موسكو اليوم؟ هل هو المسار الذي يربط التسوية المحتملة بحزمة تفاهمات سياسية وأمنية صارمة، وهو المسار الذي يسمى بمسار الدبلوماسية الكلاسيكية، ويمثله وزير الخارجية المخضرم سيرغي لافروف ومعه مساعد الرئيس الروسي للسياسة الخارجية يوري أوشاكوف؟ أم المسار الذي حاول أن يفتح نافذة اقتصادية موازية، أو بمعنى أدق مسار الصفقة مع إدارة ترامب، ويقوده بالطبع كيريل دميترييف؟

لكن، ومن موقع المراقب عن كثب لتركيبة منظومة القرار الروسي، أرى من الخطأ اختزال المشهد في “صراع أجنحة” بالمعنى المباشر أو التنظيمي لهذا المفهوم، وكأن الكرملين منقسم بشكل حاد إلى حزبين متواجهين. الأدق هنا، في رأيي، أن بوتين يسمح بوجود أسلوبين في إدارة الهدف نفسه داخل البنية الروسية وتحت إشرافه هو شخصيًا.

الأول يمكن تسميته، مجازًا طبعًا، مسار لافروف – أوشاكوف، والذي يعطي الأولوية للأمن الصلب، وتثبيت الوقائع الميدانية قانونيًا، وعدم الاستعجال، ورفض أي مقايضة مع الأمريكيين والأوكرانيين والأوروبيين بالتبعية تجعل الاقتصاد بديلاً عن الضمانات السياسية والسيادية.

أما الثاني فهو مسار دميترييف، والذي يدعو إلى توسيع مساحة التفاهم مع واشنطن، وخصوصًا مع ترامب، من خلال الاقتصاد واختبار ما إذا كانت إدارة ترامب مستعدة لربط إنهاء الحرب بحزمة مصالح كبرى تبدأ من الطاقة والطيران إلى المعادن والتمويل والتسويات الدولارية.

هذا التمايز في المسارات ليس من بنات أفكاري أو تصوراتي المتخيلة، وإنما أستشفه من التغطيات الروسية الكبرى التي أتابعها يوميًا وبوعي موضوعي يسترعي الحياد ويهدف إلى الفهم. وقد ظهر جليًا مع ما عُرف بـ”حزمة دميترييف” الاقتصادية، والتي تحدثت عنها بلومبرغ وقالت إن موسكو مررتها إلى واشنطن. ومع ذلك تقتضي الموضوعية التأكيد على نقطة مهمة، وهي أن الكرملين، حتى لحظة كتابة هذه السطور، لم يؤكدها، لكنه أيضًا لم ينفها بالكامل. بل اكتفى دميتري بيسكوف، عندما طُلب منه التعليق على ما نشرته بلومبرغ، بالقول: “روسيا تعرض التعاون بطبيعة الحال”.

وبالتالي، واستنادًا إلى موقف الكرملين الذي نستشفه من تصريحات المتحدث الرئاسي، يصبح حضور دميترييف في جنيف أو ميامي أو الرياض أو أبوظبي مؤشرًا على أن الكرملين حاول فعلاً أن يحتفظ بمسار موازٍ للمسار الأمني. وكالات الأنباء الروسية، بل وكذلك وكالة رويترز، نقلت في شهر فبراير أن دميترييف تحدث عن “تقدم” في المفاوضات و”حركة إيجابية” في محادثات السلام، وهذا خطاب يختلف في نبرته عن لغة الوزير لافروف الباردة، التي لا تشير إلى مثل هذا التقدم. كما أن بيسكوف نفسه كان قد شرح في ديسمبر أن مهمة دميترييف في الولايات المتحدة هي أن يعمل على الاستقبال، بمعنى أن دوره أن يستلم ويحصل من الأمريكيين والأوروبيين على ما أنجزوه في خططهم للتسوية، ثم يرفعه إلى الرئيس.

وهذا أيضًا نستطيع فهمه على أن بوتين لم يفوضه بتقديم تنازلات سياسية باسم موسكو. وهذه، في رأيي، نقطة مهمة، لأنها تقول إن دميترييف لم يكن أصلًا مفاوضًا على جوهر السيادة والحدود، وإنما مجرد حامل لقناة اختبار تناسب عقلية من يتعامل معه بوتين، أي ساكن البيت الأبيض، وبالتالي فهم ما يمكن أن تعطيه واشنطن إذا أرادت صفقة.

لكن المشكلة أن هذه القناة بدت منذ البداية محمَّلة بأكثر مما تحتمل. فحين تحدثت تقارير روسية وغربية عن حزمة دميترييف، التي تشمل عودة الشركات الأمريكية إلى السوق الروسية والتعاون في الطاقة النووية والنفط والغاز والطيران والمعادن، كان الافتراض الضمني أن الاقتصاد قد يتحول إلى محرك للتسوية.

لكن الوزير لافروف بعث برسالة معاكسة تمامًا، ولا يزال، وذلك من واقع متابعتي الدائمة لما يقوله، حين قال بوضوح إن موسكو لا ترى “مستقبلًا ورديًا” في الاقتصاد مع الولايات المتحدة، بل زاد على ذلك بالتأكيد أن واشنطن لا تزال تستخدم العقوبات والحرب على ناقلات النفط الروسية وتحاول إزاحة روسيا من أسواق الطاقة.

وبحسب ما ذكرته صحيفة “فيدوموستي” في أحد تقاريرها التي اطلعت عليها مؤخرًا، فإن جوهر ما تسميه الصحافة الروسية “روح أنكوريدج” كان قائمًا على احتمال تقاطع أوسع مع واشنطن، لكن هذا الاحتمال تراجع لأن الولايات المتحدة لم تمارس ضغطًا كافيًا على كييف، ولم تظهر استعدادًا لفصل المسار الاقتصادي عن منطق العقوبات والهيمنة.

بل دعوني أزيدكم من الشعر بيتًا: إنه بعد ما حدث من العدوان على إيران في منتصف عملية التفاوض معها بواسطة ويتكوف وكوشنر في عُمان، ثم في جنيف، بدأت تظهر تحليلات في أوساط مقربة من صنع القرار الروسي تقول إن عملية التفاوض مع الولايات المتحدة ولقاء ألاسكا بين ترامب وبوتين، وكل ما جرى على مدار عام في ملف أوكرانيا بين موسكو وواشنطن، كانت عملية تغطية وخداع استراتيجي، استغلها ترامب لينفذ خططًا موازية، مثل خطف مادورو والسيطرة على فنزويلا ونفطها، والهجوم على إيران ومحاولة فرض السيطرة على نفط الخليج وبسط النفوذ في المنطقة، مع ضمان عدم وجود رد فعل روسي قوي بسبب “وهم” الكرملين بحاجته إلى المفاوضات مع ترامب لحل مسألة أوكرانيا.

وهنا تحديدًا يصبح الحديث عن فريق لافروف وفريق دميترييف مفيدًا لنا من ناحية التحليل. فلافروف وأوشاكوف يتحركان من فرضية أن واشنطن تريد إدارة الأزمة، لا حلها بشروط تلبي مصالح روسيا، وأن أي اندفاع اقتصادي قبل تثبيت الملفات الصلبة قد يتحول إلى فخ، تحصل بموجبه أمريكا على قناة تفاوض مريحة، وتبقى أوكرانيا في موقعها، وتستمر أوروبا في التسليح، فيما يُطلب من موسكو في الوقت نفسه إبداء مرونة من دون مقابل حقيقي.

أما دميترييف فيبني منطقه على فرضية معاكسة تنص على أن إدارة ترامب مختلفة عن الإدارات السابقة، وأنها تفهم لغة المصالح المباشرة، وأن تقديم صورة ما بعد الحرب، أو للدقة صورة ما بعد التسوية، قد يجعل واشنطن أكثر ميلًا للضغط على كييف. لذلك كان دميترييف هو الرجل الأنسب للاتصال بستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وللتحدث عن الاقتصاد قبل أن يتحدث عن الخرائط.

لكن ما حدث في أواخر فبراير يكشف حدود هذا الرهان. فجولة جنيف بدت وكأن الكل يدور في حلقة مفرغة، ولم تنتج اختراقًا سياسيًا، بل دفعت إلى إعادة التفكير في المكان نفسه. فضلًا عن ذلك، وفي إطار متابعتي لما تقوله الدوائر الرسمية، كرملين وخارجية، وكذلك الصحف الروسية الكبرى عن آفاق جولة جنيف الثانية التي كان يُفترض أن تجري يومي 5 و6 مارس (آذار) الجاري، وجدت تقارير صحف مثل “كوميرسانت” و”آر بي كا”، ووكالات مثل “تاس”، تفيد بأن موسكو طرحت فكرة نقل الجولة التالية من جنيف إلى أبوظبي مجددًا بسبب “عدم كفاية حياد جنيف” وقربها الزائد من أوروبا.

وهذا تطور مهم نستشف منه أن المزاج الروسي داخل الدائرة الصلبة صار أكثر ميلًا إلى منطق لافروف – أوشاكوف، بمعنى أنه كلما اقترب التفاوض من البيئة الأوروبية زادت مخاطر التشويش والضغط، بل والاختراق السياسي.

وهنا تتراجع قيمة الصياغة الجميلة والجذابة للمسار الاقتصادي، وتعلو قيمة ضبط المسرح نفسه.

ومن هنا أعود إلى خبر وكالة تاس، الذي انطلقت منه كنقطة للتحليل وإبداء رأيي عبر سطور هذا المقال عن احتمالية هزيمة مسار دميترييف وانتصار مسار لافروف – أوشاكوف. بالطبع هذه الفكرة، بصيغتها الحادة، غير قابلة للتسليم الكامل، ذلك أنني أعترف أنني أبنيها على استنتاج كبير قائم على معطيات لم تتبلور نهائيًا بعد، لكنني أستشرف بها المستقبل القريب في إدارة ملف حرب أوكرانيا من داخل أروقة الكرملين.

وما أقرأه من كل التطورات الجارية الآن أن موسكو والكرملين وبوتين عادوا إلى قاعدة أبسط وأقسى في هذا الملف، وهي: لا صفقة كبرى قبل صفقة الحرب نفسها.

والمسألة الأخطر هنا، في رأيي، ليست داخلية بحتة، ولكنها مرتبطة بقراءة الروس لموقف ترامب وإدارته. فكل ما حدث على مدار العام يشير إلى أن كل ما كان يريده ترامب وسعى إليه هو نافذة زمنية محدودة، وإن لم يقلها دائمًا بصيغة تاريخ نهائي، بمعنى أنه وفريقه كل ما يهمه كان أن يبحث عن إنجاز أو تقدم يمكن تسويقه سياسيًا للداخل الأمريكي.

وبالعودة إلى عنوان المقال، لافروف أم دميترييف، أقول إننا لسنا أمام سقوط رجل وصعود آخر، بل نحن أمام إعادة ترتيب للتراتبية داخل الملف يشرف عليها ويديرها ويتخذ القرار النهائي فيها سيد الكرملين.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع