
عندما كنت أستمع إلى خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونقاشه المطول، الذي استمر لساعات خلال مشاركته في الجلسة العامة للاجتماع السنوي الثالث والعشرين لنادي فالداي الدولي للحوار، في 1 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، بضواحي موسكو، كان أمامي طريقان لفهم ما قاله في الخطاب ويقوله في الرد على أسئلة الخبراء من علماء السياسة والاقتصاد وأساتذة الجامعات من مختلف أقاليم العالم، بما فيها دول الغرب الرئيسية كلها تقريبا.
الطريق الأول هو التقاط العناوين المباشرة التي خرجت بها على الفور وكالات الأنباء تباعا، وعلى رأسها بالطبع أوكرانيا، وأوروبا والناتو، والولايات المتحدة وإدارة ترامب، وموضوع كالينينغراد الملتهب في الأيام الأخيرة، والسلاح النووي وإمكانية استخدامه، والصين والهند والعقوبات والطاقة.
أما الطريق الثاني، وهو الذي رأيته أكثر أهمية، فهو محاولة فهم المنطق البوتيني الذي يربط كل هذه الملفات في سلسلة واحدة، ثم وضع هذا الخطاب داخل المسار الفكري والسياسي الذي بدأ بوتين في صياغته بوضوح منذ مشاركته في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007، ثم أعاد تطويره في فالداي 2014، ونقله بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا في 2022 إلى مستوى مختلف تماما، وصولا إلى ما طرحه هذه المرة في فالداي 2026.
اخترت بالطبع الطريق الثاني، لاعتقادي أن قراءة التصريحات منفصلة تعطي صورة صحيحة، نعم، لكنها صورة جزئية أو مجزأة، ولكنها لا تفسر مراد الرجل. ما أقصده أنك بإمكانك مثلا، كمتابع مهتم أو كمراقب، التوقف طويلا أمام تحذير بوتين بشأن كالينينغراد، أو عبارته عن أن روسيا سوف تضع جميع الأسلحة الموجودة في ترسانتها على جدول الأعمال إذا تعرضت الأراضي الروسية لهجوم مباشر. ويمكن كذلك التوقف عند حديثه عن أوروبا وتصوره لمستقبل الاتحاد الأوروبي، أو عند إبقائه الباب مفتوحا أمام الحوار مع واشنطن.
لكن جمع هذه التصريحات، وهي بلا جدال بالغة الأهمية، لا يقدم لنا صورة واضحة عما كان يريد بوتين أن يقول عن موقع روسيا والعالم بعد أزيد من أربع سنوات ونصف من الحرب في أوكرانيا، وبعد عشرين عاما تقريبا من خطابه الشهير في ميونيخ في فبراير (شباط) 2007.
ما فهمته أن بوتين لم يكن يتحدث أساسا عن أوكرانيا، رغم المساحة الكبيرة التي احتلتها الحرب الحالية في حديثه ونقاشه، ولم يكن أيضا يقدم تحذيرا جديدا لأوروبا أو حلف شمال الأطلسي. ما فهمته أن الرجل كان يحاول تقديم تصور روسي متكامل للحظة الدولية الراهنة، يتجاوزه هو نفسه كشخص وكحاكم لروسيا في المرحلة الحالية، وهذا التصور يقدم عالما انتهت فيه مرحلة ما بعد الحرب الباردة بصورتها القديمة، لكن مع ذلك القواعد المستقرة للنظام الذي سيخلف هذه المرحلة لم تتشكل بالكامل، ولم تتضح أطرها حتى الآن.
ولذلك، وبناء على فهمي هذا، فإن أوكرانيا وكالينينغراد والناتو وترامب وشي جين بينغ والصين وبريكس والعقوبات ليست في هذا البناء طوبات أو قوالب منفصلة، ولكنها أجزاء من تصور أكبر يلمح لنا عمن سيشارك في كتابة قواعد النظام الدولي المقبل، وعلى أي أساس ينبغي أن يشارك وبأي ميزان للقوة.
وبالتالي بدا لي أن أفضل مفتاح لقراءة فالداي 2026 هو العودة إلى المسار الذي قطعه خطاب بوتين نفسه. ويمكن اختصاره بشيء من التبسيط بالطبع في أربع مراحل، وهي مرحلة ميونيخ عام 2007، عندما حاول بوتين بصوت عال التحذير من خطورة الأحادية القطبية. والثانية، في فالداي 2014، عندما كان يقول إن القواعد القديمة تتآكل وإن العالم قد ينزلق إلى لعبة بلا قواعد. والثالثة، في 2022، عندما وجد نفسه مضطرا للانتقال من الاعتراض على النظام الأحادي القطبية إلى المواجهة الخشنة المفتوحة معه. أما في 2026 فهو يتحدث كما لو أن تراجع الهيمنة الغربية أصبح بالنسبة إليه، وإلى موسكو بالتبعية، واقعا عمليا وليس توقعا للمستقبل، وبناء عليه فإن السؤال لم يعد ما إذا كان النظام سيتغير، ولكن من سيشارك في كتابة قواعد ما سيأتي بعده.
في رأيي المبني على فهم شخصي لما كان يرمي إليه بوتين، هذا هو التحول الذي يستحق التوقف عنده قبل الدخول في تفاصيل أوكرانيا والنووي وأوروبا. لأن بوتين في ميونيخ 2007 كان لا يزال يتحدث من داخل النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب الباردة، وكان يطالب الغرب بأن يسمع اعتراضات روسيا ويصغي إليه ويعترف بمصالح بلاده ومكانتها التي تستحقها في هذا النظام.
أما بوتين في فالداي 2026 فلا يبدو مشغولا بضرورة إقناع الغرب بصحة اعتراضاته. إنه يتحدث من فرضية مختلفة تماما، فهو يقول إن النظام الذي اعترضت عليه موسكو قبل عشرين عاما أصبح هو نفسه، أي ذلك النظام، في مرحلة انتقال الآن، وأن روسيا تريد ضمان أن تكون بين القوى التي ستشارك في تحديد ما يأتي بعده.
فعندما وقف بوتين في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007، لم تكن هناك حرب أوكرانية، ولم يكن يتخيل أحد، لا في روسيا ولا في أوكرانيا، أن يحدث هذا الذي يحدث الآن. وكانت روسيا جزءا لا يتجزأ من الاقتصاد الأوروبي، بل وكانت عضوا في مجموعة الثماني. أضف إلى ذلك أن علاقتها بالناتو، رغم وجود خلافات، لم تكن علاقة مواجهة عسكرية مفتوحة.
ومع ذلك أعلن الرجل يومها رفضه لنموذج الأحادية القطبية الذي تهيمن فيه الولايات المتحدة منفردة، وانتقد بشجاعة استخدام واشنطن للقوة خارج ما تعتبره موسكو أطر الشرعية الدولية. وصب نقده اللاذع والحاد على توسع الناتو شرقا. وانتقد بشدة تحويل قواعد وطنية لدولة واحدة، وهي الولايات المتحدة، إلى قواعد يطلب من العالم كله الالتزام بها.
لكن بوتين آنذاك لم يكن يعلن قطيعة مع الغرب، فقد كان لا يزال يتحدث من داخل النظام على أمل أن يصغي الطرف الآخر إليه وإلى مطالبته بمكان أكبر لروسيا فيه. كان الاعتراض وقتها على طريقة إدارة ذلك النظام، وليس على ضرورة بناء نظام بديل.
لكن حرب جورجيا عام 2008، التي اندلعت بأوامر غربية لاختبار جدية بوتين، وبعدها ما حدث خلال أزمة الربيع العربي، وخصوصا سوء تفسير القرارات الأممية بشأن الأزمة الليبية وقتل القذافي على الهواء، ثم إرهاصات الأزمة الأوكرانية وضم القرم عام 2014، كانت عوامل تراكمت في عقل الرجل وجعلته يغير هذا المنطق.
وجاءت مقدمات هذا التغير في عنوان فالداي 2014 نفسه، والذي حمل عنوانا معبرا: “النظام العالمي: قواعد جديدة أم لعبة بلا قواعد؟”. حينها بدأ بوتين الحديث عن أن القواعد التي حكمت مرحلة ما بعد الحرب الباردة بدأت تفقد قدرتها على ضبط العلاقات الدولية، ولم يعد يقول إن الولايات المتحدة تستخدم نفوذها بصورة مفرطة فقط. وانتقلت موسكو من نقد السياسة الأميركية إلى نقد بنية النظام ذاته.
ومع ذلك، ظلت روسيا في ذلك الوقت أقرب إلى قوة كبرى تعترض على نظام لا تستطيع تغييره منفردة، فالصين لم تكن قد وصلت إلى المستوى الحالي من المنافسة مع الولايات المتحدة، والذي وصلته بعد عام 2017. وبريكس كانت تكتلا وليدا، والهند كانت أقل وزنا مما هي الآن، والاقتصاد الروسي كان لا يزال معتمدا بدرجة كبيرة على اندماجه في أوروبا.
ثم جاءت حرب أوكرانيا لتدفع هذه الرؤية من الفضاء النظري إلى المواجهة الخشنة المباشرة. في فالداي 2022 تحدث بوتين بشكل لا لبس فيه عن دخول العالم أحد أخطر عقوده منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وعطف على ذلك بالتأكيد على اقتراب نهاية مرحلة الهيمنة الغربية المنفردة في الشؤون الدولية.
ومنذ ذلك الحين أصبحت الحرب الأوكرانية في رواية بوتين، وهي بالطبع الرواية الروسية الرسمية، جزءا من صراع أوسع على شكل النظام الدولي. ووفق تصور بوتين هذا، فإن أوكرانيا ليست أصل الصراع وإنما ساحته الأكثر عنفا، بينما يدور الخلاف الأكبر، في واقع الحال، حول رفض الولايات المتحدة وحلفائها في الغرب الاعتراف بتغير ميزان القوة العالمي.
بالطبع هذه رواية بوتين، وأنا كسعد لا أدعوك، أيها القارئ الكريم، للتعامل معها باعتبارها الوصف الوحيد للحرب الحالية. فهناك دولة أوكرانية ذات سيادة وقرارات ومصالح خاصة بها، وروسيا، نعم، هي التي بدأت في 24 فبراير (شباط) 2022 عمليات عسكرية واسعة عبر الحدود الأوكرانية، وهو ما أدانته أغلبية كبيرة في الجمعية العامة للأمم المتحدة.
لكن ما أحاول أن أقدمه لك هنا هو فهمي للأسباب التي أوصلت بوتين إلى هذه المرحلة، فالحرب الأوكرانية ليست بداية الحكاية، كما قد تكون فهمت من كلامي أعلاه، وأنا أحاول في هذه السطور التي أكتبها لي ولك لنحاول معا فهم ما يجري، لأنه بهذا الشكل أو ذاك يؤثر علينا وعلى بلداننا، وأرى من الضروري الفصل بين تحليل السياق الجيوسياسي الذي قاد إلى الحرب وبين المسؤولية عن قرار بدء العمليات العسكرية الشاملة.
فما تغير اليوم، أي بحلول فالداي 2026، في رأيي، هو أن بوتين لم يعد يتحدث عن التعددية القطبية باعتبارها احتمالا للمستقبل، بل باعتبارها واقعا سياسيا بدأ بالفعل، بينما تأخرت ولا تزال تتأخر المؤسسات الدولية عن استيعابه. وما استند إليه في هذا الرأي هو حديثه عن الأمم المتحدة ومؤسسات ما بعد 1945، ومحاولة الأقلية الغربية، حسب وصفه، الاحتفاظ بنفوذ يتجاوز وزنها الفعلي في العالم.
لكنه مع ذلك، وللموضوعية، لم يدع إلى هدم الأمم المتحدة أو إلى إسقاط النظام الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، وهذا مفهوم، فروسيا اليوم نفسها هي أحد أكبر المستفيدين من هذا النظام، إذا نظرنا إلى وضعيتها كعضو دائم في مجلس الأمن الدولي، وأنها تملك حق النقض “الفيتو” وتستخدمه عندما تراه يخدم مصالحها.
ما تريده موسكو هو الحفاظ على الامتيازات الروسية التي أنتجها نظام 1945، والذي حاول الغرب حرمانها منه بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، وفي الوقت ذاته يرغب الكرملين في تقليص الامتيازات السياسية التي راكمها الغرب بعد نهاية الحرب الباردة، لكن واشنطن لم تستمع ولم تصغ إلى بوتين من 2007 وحتى 2022.
وقد تعتقد، عزيزي القارئ، أن هذا الكلام يشير إلى تناقض مهم في الرؤية الروسية. فموسكو تتحدث عن ديمقراطية العلاقات الدولية والمساواة بين الدول، لكنها في الوقت نفسه تتمسك بنظام يمنح خمس قوى فقط حق النقض، وتتعامل مع الأمن العالمي من منظور تفاهمات القوى الكبرى.
وأقول لك نعم، أنت محق، فالمشروع الروسي ليس مشروعا ثوريا بالكامل. بمعنى أن روسيا لا تريد إسقاط النظام الدولي وتهديمه تماما، ولكنها تريد إعادة توزيع السلطة داخله. إنها تريد عالما لا تحتكر فيه الولايات المتحدة والغرب تحديد القواعد، ولكنها لا تريد عالما تختفي فيه مراتب القوة. وهذه هي الواقعية السياسية في عالم اليوم، وإذا كنت تريد الحقيقة فلا بد أن ترى ذلك بوضوح وتتصرف على أساسه، وإلا فمصيرك دائما التعجب والتندر ومصمصة الشفاه لا أكثر.
التعددية القطبية الروسية معناها، حسبما أفهمها، زيادة عدد المراكز التي يجب التفاوض معها، لكنها بحال لا تلغي ولا تريد أن تلغي مفهوم القوة الكبرى.
ويقودني هذا الكلام إلى السؤال الذي لم يقدم بوتين إجابة مكتملة عنه، لا في كلمته ولا في إجاباته عن الأسئلة المتنوعة التي طرحت عليه، وهو: ما قواعد العالم المتعدد الأقطاب الذي يقصده ويتحدث عنه؟
فمن السهل إثبات أن توزيع القوة الاقتصادية والديموغرافية والتكنولوجية تغير، وأن الصين والهند ودول الجنوب العالمي أصبحت أكثر وزنا، وهذه حقيقة واضحة هذه الأيام. وأن الغرب لم يعد يمتلك القدرة التي كانت لديه في التسعينيات على تحديد الاتجاه الدولي منفردا، وحرب إيران خير شاهد ودليل على ذلك. لكن الانتقال من هذا التشخيص إلى نظام مستقر يحتاج إلى قواعد تقبل القوى الكبرى نفسها الخضوع لها عندما تتعارض مع مصالحها. وإذا أصبحت التعددية القطبية مجرد اعتراف متبادل بمناطق نفوذ القوى الكبرى، فإننا لن نكون أمام نظام أكثر ديمقراطية، كما يقولون، وإنما أمام عودة حديثة إلى سياسة توازن القوى الكبرى.
ولقد أصبحت أوكرانيا هي الاختبار الأصعب لهذا التناقض. بوتين أعاد في فالداي الرواية الروسية المعروفة عن توسع الناتو وتحويل أوكرانيا إلى منصة جيوسياسية وقاعدة عسكرية متقدمة معادية لروسيا ورفض الغرب التعامل مع المخاوف الأمنية الروسية. وهذه بالطبع عوامل لا بد من اعتبارها جزءا من تاريخ الأزمة، ومع ذلك لا يقبل بها الطرف الآخر لإلغاء مبدأ سيادة الدول الذي تستند إليه موسكو نفسها عندما تنتقد التدخل الغربي. والقول إن الولايات المتحدة وحلفاءها خالفوا القانون الدولي في العراق أو ليبيا أو كوسوفو يضعف بالفعل الحجة الغربية الأخلاقية، لكنه لا يحول استخدام القوة الروسي إلى قاعدة قانونية بديلة. بمعنى أن ازدواجية المعايير الغربية لا تنتج تلقائيا شرعية روسية.
وما كشفه حديث بوتين في فالداي عن مستقبل الحرب هو أكثر أهمية من إعادة مناقشة أسبابها. فالرجل لم يقدم تنازلات جوهرية جديدة، ولم يظهر أن موسكو أصبحت مستعدة لقبول وقف سريع للقتال بالشروط المتاحة حاليا. لقد تحدث عن المفاوضات، نعم، لكنه أبقى الشروط الروسية الأساسية قائمة، ورفض منطق وقف الضربات المتبادلة في قطاع الطاقة بصورة منفصلة عن التسوية الأوسع. وهذا يعني أن الكرملين لا يزال يعتقد أن الوقت والميدان يمكن أن يحسنا شروطه التفاوضية أكثر فأكثر.
وهذا قد يفسر لنا اختلاف لغة بوتين تجاه واشنطن عنها تجاه أوروبا. الولايات المتحدة ما زالت الخصم الاستراتيجي الأكبر من حيث القدرات، لكن إدارة دونالد ترامب يتم التعامل معها في الخطاب الروسي الرسمي باعتبارها طرفا يمكن التفاوض معه، بينما أصبحت أوروبا توصف باعتبارها الطرف الأكثر تمسكا وممارسة لسياسة احتواء روسيا واستمرار دعم أوكرانيا عسكريا. وأقول بشكل مباشر وواضح إنه سيكون من الخطأ الاعتقاد بأن هذا الكلام معناه وجود تحالف روسي-أميركي ضد أوروبا، ولا أن واشنطن قبلت شروط موسكو. كل ما في الأمر، في رأيي، هو أن بوتين يحاول استعادة نموذج التفاوض المباشر بين القوى الكبرى، أي أن واشنطن وموسكو تتفاوضان على المصالح الاستراتيجية، بينما تحاول موسكو الحد من قدرة الأوروبيين على تحديد شروط العلاقة الروسية-الغربية بالكامل.
وهذه المسألة تكشف لنا عن فارق مهم بين بوتين نسخة 2007 وبوتين نسخة 2026. في ميونيخ كان مركز اعتراض بوتين هو الولايات المتحدة، بينما كانت أوروبا ما تزال فضاء مهما للشراكة الاقتصادية والسياسية مع روسيا. أما صورة اليوم فتبدو مختلفة، وعلى الرغم من أن واشنطن تظل المنافس الأكبر، فإن أوروبا أصبحت مصدر الخطر الأمني الأكثر مباشرة في التصور الروسي. والحرب في أوكرانيا تجري على الأرض الأوروبية، والبنية العسكرية للناتو تتوسع في الجناح الشرقي للناتو. أضف إلى ذلك أن فنلندا والسويد أصبحتا عضوين في الحلف، ودول البلطيق ترفع إنفاقها الدفاعي، وفضلا عن ذلك كله تتجه ألمانيا وأوروبا إلى إعادة التسلح بقوة. لذلك لم يعد القلق الروسي هو: لماذا يقترب الناتو من حدودنا؟ كما كان في 2007، وذلك لأن البنية العسكرية اقتربت بالفعل، وبالتالي أصبح السؤال الخطير: ماذا سيحدث إذا جرى اختبار حدود الردع الروسي؟
وعند هذه النقطة تأتي أهمية كالينينغراد، وهذه تحديدا نقطة يجب فيها مقاومة العنوان الإعلامي السهل. بمعنى أن بوتين لم يقل ببساطة إن روسيا سوف تستخدم السلاح النووي إذا تعرضت كالينينغراد لهجوم. ما قاله الرجل في معناه المباشر هو أنه إذا وقع هجوم مباشر على الاتحاد الروسي، سواء على كالينينغراد أو على أراض روسية أخرى، فإن مسألة استخدام جميع الأسلحة الموجودة في ترسانة روسيا العسكرية، وهي تشمل بالطبع النووي بكل أنواعه، ستصبح مطروحة فورا للاستخدام.
نعم، هو لم يقل إن أي حادث حول كالينينغراد سيؤدي إلى ضربة نووية روسية مباشرة، لكن ما فعله أكثر خطورة في رأيي، فهو قد رفع درجة الغموض بشأن طبيعة الرد. وهذا هو جوهر الردع النووي التقليدي. بمعنى أن الخصم لا يحتاج إلى الاعتقاد بأن روسيا ستستخدم السلاح النووي حتما، يكفي أن يعيش في قلق بسبب أنه لا يستطيع التأكد من أنها لن تستخدمه. وعندما نضع ذلك إلى جانب تصريحات نيكولاي باتروشيف، التي تناولتها في مداخلة للتلفزيون العربي قبل حديث بوتين في فالداي بساعتين تقريبا، عن أوامر من بوتين لكل الجهات الروسية المعنية بضمان أمن كالينينغراد باستخدام كل الوسائل، والتحذيرات الروسية السابقة من أي محاولة لعزل هذا الإقليم، تصبح الرسالة البوتينية أكثر وضوحا، بمعنى أن موسكو تريد إدخال أي سيناريو عسكري يتعلق بكالينينغراد في حسابات التصعيد الاستراتيجي، أي النووي، وليس إبقاءه، أي السيناريو، باعتباره مواجهة تقليدية محدودة يمكن التحكم في سقفها مسبقا.
ولذلك فإن أهم ما في كلام بوتين، من وجهة نظري، ليس تهديد أوروبا بالنووي، ولكن محاولته جعل أوروبا غير قادرة على استبعاد النووي تماما وبشكل دائم ومستمر من حساباتها إذا تحول أي صراع محتمل قرب كالينينغراد إلى هجوم مباشر على الأراضي الروسية.
في الوقت نفسه، حرص بوتين على نفي نية روسيا مهاجمة أوروبا. والجمع بين هاتين الرسالتين ليس متناقضا كما قد يبدو، إذا تعاطينا معهما من وجهة نظر الردع، بمعنى أنه يقول: نحن لا نعتزم مهاجمتكم، لكننا لا نضمن لكم طبيعة ردنا إذا هاجمتمونا. لكن المشكلة أن الأوروبيين لا يبنون تقديراتهم على النوايا الروسية المعلنة، ولكنهم، ومن واقع ما يصدر من تصريحاتهم، يبنون هذه التقديرات على أساس حجم القدرات والسلوك السابق، وأقصد بذلك خبرة تجربة أوكرانيا.
لذلك يعيدون التسلح ويعززون الجناح الشرقي للناتو، وهذا أمر مفهوم إذا نظرنا من زاوية النظر الأوروبية. أما موسكو فتنظر إلى الإجراءات نفسها باعتبارها دليلا على استعداد الحلف للمواجهة. وهكذا تتشكل المعضلة الأمنية التقليدية، كما يقول علم العلاقات الدولية، فكل طرف يقدم إجراءاته باعتبارها دفاعية، بينما يراها الطرف الآخر هجومية، فينتج الاثنان معا مستوى أعلى من التسلح والخطر حتى من دون أن يكون قرار الحرب قد اتخذ فعليا.
الصين في حديث بوتين كانت لها مكانة خاصة، وهو محق في ذلك، فقد انتقلت خلال العقدين الماضيين من شريك مهم لروسيا إلى عنصر بنيوي يصعب الاستغناء عنه في قدرتها على تحدي النظام الغربي. ومن الصعب اليوم تصور المشروع الروسي الحالي لعالم متعدد الأقطاب من دون القوة الاقتصادية والتكنولوجية الصينية.
ومع ذلك توجد “لكن” مهمة في هذا السياق، فروسيا تريد عالما لا تهيمن عليه قوة واحدة، لكنها تعتمد في مواجهة التفوق الغربي على شراكة شديدة العمق مع القوة الوحيدة التي تستطيع منافسة الولايات المتحدة عالميا، وهي الصين، ولذلك فإن السؤال المستقبلي سيكون ما إذا كانت التعددية القطبية ستنتج بالفعل عدة مراكز مستقلة للقوة، أم سينتهي العالم إلى منافسة أميركية صينية كبرى تحتل روسيا داخلها موقعا عسكريا وسياسيا مهما، نعم، لكنه أقل وزنا اقتصاديا.
ولهذا السبب لم يسقط بوتين الهند من حديثه، وفي اعتقادي سبب ذلك أنه يدرك أن الهند في هذا السياق تصبح أكثر أهمية لفكرة التعددية القطبية مما تبدو في الخطاب الروسي اليومي. بمعنى أن الصين، نعم، هي شريك استراتيجي لموسكو، لكن الهند تمثل نموذجا لقوة كبرى لا تريد الانضمام بصورة كاملة إلى أي كتلة.
وهذا ينطبق بدرجات متفاوتة على دول بريكس والجنوب العالمي التي تريد الاحتفاظ بعلاقات مع روسيا والصين والولايات المتحدة وأوروبا في الوقت نفسه. وإذا استطاعت هذه الدول الحفاظ على استقلالها الاستراتيجي، فعندها سيكون العالم متعدد الأقطاب بالفعل. أما إذا وجدت نفسها مجددا مضطرة إلى الاصطفاف داخل معسكرين متواجهين، كما حدث في حقبة الثنائية السوفيتية الأميركية من بعد الحرب العالمية الثانية وحتى انهيار الاتحاد السوفيتي، فسنكون أقرب إلى حرب باردة جديدة منها إلى تعددية قطبية حقيقية.
وبالتعريج سريعا على الاقتصاد في رؤية فالداي البوتينية نسخة 2026، أجد أنه لا يمكن من الناحية الموضوعية قبول رواية أن العقوبات لم تؤثر في روسيا، كما لا يمكن بالدرجة ذاتها من الموضوعية قبول التوقعات الأوروبية التي كانت تتنبأ بأنها ستؤدي سريعا إلى انهيار الاقتصاد الروسي.
الحقيقتان لم تتحققا، يا أيها القارئ الكريم. فروسيا تكيفت مع جزء كبير من العقوبات بفضل إعادة توجيه تجارتها إلى الصين والهند وتركيا ودول الجنوب العالمي، وحافظت بذلك على علاقات اقتصادية واسعة خارج الدائرة الغربية، لكنها دفعت وتدفع لأجل ذلك تكاليف حقيقية في التكنولوجيا والتمويل والتضخم والإنفاق العسكري والاعتماد المتزايد على أسواق محددة. كما أن الضربات الأوكرانية على منشآت التكرير خلال الشهرين الأخيرين أظهرت أن الطاقة لم تعد مجرد مورد اقتصادي روسي، ولكنها أصبحت جزءا مباشرا من ميدان الحرب.
ومع ذلك تجدر الإشارة إلى أن ترك بوتين الباب مفتوحا أمام عودة الشركات والأصول الغربية إذا تغيرت الظروف السياسية يكشف لنا عن جزئية مهمة في التصور الروسي المستقبلي للعلاقات مع أوروبا والغرب عموما، بمعنى أن موسكو لا تسعى بالضرورة إلى انفصال اقتصادي أبدي عن الغرب. ولكن ما تريده هو التعامل معه، أي الغرب، من دون العودة إلى مستوى الاعتماد السابق عليه. وهذه هي عين البراغماتية وروحها.
وحتى لا أطيل عليك، أيها القارئ الكريم، وإذا أردت اختزال تطور بوتين خلال هذه السنوات العشرين الماضية، من واقع متابعة حثيثة وعن كثب، فسأقول لك إن بوتين في 2007 كان يريد أن يسمعه الغرب ويصغي إلى مخاوفه ومطالبه، وفي 2014 حاول، أو لأكون أدق في التعبير، أراد أن يفهم الغرب أن روسيا لن تقبل النظام كما هو الآن بانفراد الولايات المتحدة، وبسخرية باراك أوباما حينها من روسيا، عندما وصفها بالقوة الإقليمية المهمة. فوصل بنا في 2022 إلى إعلان المواجهة الخشنة، والتأكيد على أنها أصبحت مفتوحة.. وعلي وعلى أعدائي، طالما صمت آذانهم أو لا يريدون أن يسمعوا.
أما في 2026، فهو يتحدث كما لو أنه تجاوز مرحلة محاولة إقناع الغرب أصلا، أو لا يرى أصلا ضرورة أو حاجة لذلك. فبالنسبة له لم يعد السؤال الروسي الأساسي: هل ستعترفون باعتراضاتنا؟ لا.. لقد أصبح السؤال الآن: كيف ستجلس القوى الكبرى للتفاوض على النظام العالمي الجديد الذي سيأتي بعد تراجع قدرة النظام الحالي على العمل؟
من الخطأ القول أو الاعتقاد أن هذا الكلام معناه أنني أقول أو أستنتج أن روسيا انتصرت في الصراع على النظام الدولي، ولا أن الغرب انتهى. ففي اعتقادي ويقيني الراسخ، الولايات المتحدة ما زالت وستظل خلال القرن الحالي تمتلك قوة اقتصادية وعسكرية وتكنولوجية هائلة. وإذا تحدثنا بموضوعية سنرى أن الناتو توسع بعد 2022 بدلا من الانكماش، فضم فنلندا والسويد. وأوروبا ما زالت كتلة اقتصادية كبيرة، لكنها بلا شك تتراجع ودورها إلى الاندثار. وفي الوقت نفسه، وعلى الرغم من كل مساعي الصين وروسيا وغيرهما، لا يزال الدولار يحتفظ بموقعه المركزي في النظام المالي العالمي.
لذلك فإن الحديث عن نهاية الهيمنة الغربية سيكون أدق إذا فهمنا هذه الهيمنة على أنها عملية تاريخية متنازع عليها ولا تزال مستمرة، وليس على أنها حدث وقع وانتهى. والجديد في هذا السياق هو أن الغرب لم يعد قادرا بالسهولة السابقة على تحويل تفوقه إلى إجماع عالمي، ولتنظر، عزيزي القارئ، إلى حالة إيران نموذجا، وليس أنه فقد تفوقه في كل المجالات.
وقد فهمت خطاب بوتين أمام فالداي 2026 على أنه محاولة لتحديد موقع روسيا في عالم لم يولد بعد. روسيا التي يقدمها بوتين لا تريد العودة إلى نظام التسعينيات المهين، وفي الوقت عينه لا تستطيع إعادة النظام السوفيتي ثنائي القطبية، ولذلك يبحث بوتين مع شي ومودي عن نظام توجد فيه عدة مراكز كبرى للقوة، وتحصل فيه موسكو على اعتراف دائم بأنها واحدة من كباره.
ولم أفهم خطاب بوتين أمام فالداي 2026 باعتباره إعلان انتصار روسي، ولا باعتباره تهديدا بحرب عالمية، ولا باعتباره عرض سلام على الغرب. فهمته باعتباره إعلانا روسيا عن دخول الصراع الدولي مرحلة لم يعد الخلاف فيها على أوكرانيا أو الناتو أو العقوبات، وإنما على من سيجلس إلى الطاولة لكتابة قواعد المرحلة التالية، وما مقدار القوة الذي سيحمله كل طرف من تلك الأطراف، التي ستجلس للكتابة، معه إلى تلك الطاولة.
المشكلة في الخطاب كله أن أخطر مرحلة ليست العالم القديم الذي ينتقده بوتين، ولا العالم الجديد الذي يتصوره، ولكنها المسافة الواقعة بين هذين العالمين.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير