
لقد كشفت الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط) 2026، مع الهجوم الأمريكي- الإسرائيلي الواسع على إيران، عن التحول النوعي في طبيعة تموضع القوى الكبرى داخل أزمات الشرق الأوسط، حيث لم يعد تأثير الفاعل الدولي يقاس بدرجة انخراطه العسكري المباشر، ولكن بقدرته على توظيف الصراع، واستغلال نتائجه سياسيًا واستثمار تداعياته في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية. وقد برزت روسيا بوصفها أحد أكثر الأطراف قدرة على تحقيق مكاسب استراتيجية من الحرب، رغم عدم مشاركتها عسكريًا، وذلك عبر الجمع بين إدانة الهجوم سياسيًا، ورفض شرعنته دوليًا، والاستفادة من تداعياته لتعزيز موقعها الإقليمي والدولي.
فمنذ الساعات الأولى للضربات، اتخذت موسكو موقفًا نقديًا واضحًا من العملية العسكرية، معتبرةً أنها تجاوزت منطق الردع المحدود إلى محاولة أوسع لإعادة تشكيل البيئة الإيرانية والإقليمية بالقوة. إلا أن هذا الموقف لم يتحول إلى انخراط مباشر في الصراع، ولكنه ظل ضمن حدود الدعم السياسي والدبلوماسي، وهو ما يكشف عن نمط روسي يقوم على إدارة المسافة وتعظيم المكاسب، وليس على الغياب وتحمل أعباء المواجهة. وبذلك، لم تكن روسيا وسيطًا تقليديًا، كما لم تكن حليفًا مقاتلًا، ولكنها كانت فاعلًا يعمل على رسم موقعه داخل الأزمة بما يسمح له بالتأثير في تفسيرها وفي بعض مخرجاتها دون أن يتحول إلى طرف فيها.
وقد أظهرت تطورات مارس وأبريل 2026 أن الحرب لم تظل محصورة في الإطار الأمريكي- الإيراني المباشر، ولكنها تحولت إلى أزمة متعددة المسارات، شملت مضيق هرمز، والجبهة اللبنانية، وأسواق الطاقة، ومسارات الوساطة في إسلام آباد، والتباينات الغربية حول نطاق الهدنة وحدودها. وهنا تحديدًا اتضحت قيمة التموضع الروسي، لأن موسكو قرأت الحرب على أنها لحظة لإعادة توزيع الضغط على الولايات المتحدة وليست مواجهة ثنائية فقط، وإعادة إبراز مركزية روسيا في معادلات الطاقة، ومنع واشنطن من تحويل الإنجاز العسكري إلى شرعية دولية مستقرة.
لا يمكن وصف الموقف الروسي من الحرب بالحياد التقليدي، لأن موسكو لم تتعامل مع طرفي الصراع باعتبارهما متكافئين في أصل المسؤولية عن اندلاع الحرب، ولكنها حمّلت الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية تفجيرها، ورفضت منذ البداية الخطاب الذي قدم الضربات باعتبارها ضرورة أمنية مجردة. كما أنها لم تدخل شراكتها مع إيران في إطار التزام دفاعي مباشر، ولكنها حافظت على مسافة محسوبة من الانخراط العسكري، بما يتيح لها حماية مصالحها من دون تحمّل كلفة المواجهة المفتوحة مع واشنطن. وهذا النمط هو ما يمكن تسميته بالحياد الوظيفي، أي الانخراط السياسي الكامل في تفسير الحرب، مع الامتناع عن التورط العسكري فيها.
ويعكس هذا السلوك إدراكًا روسيًا بأن قيمة الدور لا تستمد من الحضور الميداني فقط، ولكن من القدرة على التأثير في تعريف الأزمة، والأطر الدولية التي تُدار من خلالها. ولذلك، سعت موسكو إلى الجمع بين الدعوة إلى وقف العمليات العسكرية، وطرح نفسها شريكًا ممكنًا في جهود التهدئة، وتعطيل أي محاولة لتحويل نتائج الحرب إلى أساس لشرعية دولية أحادية تقودها واشنطن. ولذلك يمكننا القول إن الحياد الروسي لم يكن غيابًا، ولكنه صيغة متقدمة من التموضع المرن داخل أزمة معقدة.
تكشف الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران عن جانب آخر بالغ الأهمية، يتمثل في أثرها على إعادة توزيع الانتباه والموارد الأمريكية. فمع اتساع الحرب أفقيًا نحو مضيق هرمز، واستمرار التوتر على الجبهة اللبنانية، وتعقد مسارات الهدنة والمفاوضات، لم تعد واشنطن تتعامل مع ملف منفصل يمكن ضبطه بسرعة، بل أصبحت تتعامل مع أزمة مركبة تمس الردع، والطاقة، والتحالفات، والاقتصاد الداخلي، والشرعية الدولية في وقت واحد. ويعني ذلك أن الحرب أدت عمليًا إلى توسيع العبء الاستراتيجي الأمريكي، وإلى خلق بيئة أكثر ملاءمة لخصوم واشنطن الدوليين.
كما لم تكن موسكو بحاجة إلى تحقيق انتصار مباشر حتى تستفيد من الحرب، ولكن يكفيها أن تسهم الأزمة في تشتيت خصمها، وإعادة توزيع أولوياته، وتقليل قدرته على التركيز في ساحات أخرى. وهذه إحدى السمات الأساسية للتنافس بين القوى الكبرى في المرحلة الراهنة، حيث لم تعد المكاسب ترتبط بالحسم العسكري فقط، ولكن بقدرة طرف على دفع خصمه إلى استنزاف متعدد المسارات. ولذلك فإن أحد أهم أوجه الربح الروسي من الحرب يتمثل في زيادة الضغط على الولايات المتحدة أكثر من تعميق قدرتها على فرض تسوية مستقرة.
يعد اضطراب الملاحة في مضيق هرمز وارتفاع أسعار الطاقة أحد أهم المداخل لفهم الاستفادة الروسية من الحرب. فكلما زادت المخاوف بشأن تدفقات النفط والغاز من الخليج، عادت روسيا إلى الواجهة بوصفها موردًا يصعب تجاوزه في سوق الطاقة العالمية، حتى في ظل العقوبات الغربية. ولذلك لم تعد الحرب مجرد أزمة أمنية في الشرق الأوسط، ولكنها تحولت إلى عامل ضغط على البنية الاقتصادية الدولية، أعاد إبراز حدود قدرة الغرب على عزل روسيا ماليًا بالتوازي مع الحفاظ على استقرار أسواق الطاقة. وقد انعكس ذلك في النقاشات المتعلقة بتمديد بعض الإعفاءات المتصلة بالطاقة الروسية لاحتواء صدمة الحرب في السوق العالمية.
لا يقتصر تأثير مضيق هرمز على الجانب الاقتصادي فقط، بل يمتد أيضًا إلى البعد السياسي المرتبط بطبيعة الصراع نفسه. فروسيا لم تنظر إلى قضية الملاحة في المضيق باعتبارها مشكلة منفصلة عن الحرب، بل ربطتها بأسبابها الأساسية. لذلك، رفضت التعامل مع نتائج الأزمة فقط، مثل اضطراب الملاحة أو ارتفاع الأسعار، دون التطرق إلى الأسباب العسكرية والسياسية التي أدت إليها.
ويمكن فهم الموقف الروسي على أنه لا يهدف فقط إلى دعم إيران، ولكن إلى التأكيد على أن حل أزمة الملاحة يجب أن يبدأ بمعالجة أصل الصراع، وليس الاكتفاء بالتعامل مع نتائجه. فبالنسبة لموسكو، لا يمكن ضمان حرية الملاحة بشكل مستقر دون معالجة جذور الأزمة التي أدت إلى تهديدها.
أظهرت تطورات أبريل 2026 أن الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران لم تُنهِ الصراع بقدر ما أعادت توزيع مساراته. فقد خفف التصعيد على المسار الأمريكي- الإيراني المباشر، كما تزامن مع استمرار الضربات الإسرائيلية في لبنان، وبقاء الخلافات حول مضيق هرمز والبرنامج النووي والعقوبات. وهذا النمط يكشف أن التهدئة لم تعد تستخدم باعتبارها أداة لإنهاء الحرب، ولكن باعتبارها آلية لإعادة توزيع القوة والضغط بين الجبهات المختلفة.
وتعكس المواقف الروسية نمطًا يؤكد أن الطريقة التي تتبعها واشنطن في التعامل مع الأزمة ليست كافية. فعند تجميد التصعيد في جبهة وبقاء التصعيد قائمًا في جبهة أخرى، لا يعني أن الصراع قد انكمش فعليًا، ولكنه يكون قد أُعيد ترتيبه. وهذا يعزز الرؤية الروسية التي تقول إن الأطر الغربية للتهدئة لا تنتج استقرارًا شاملًا، ولكنها تدير التصعيد ضمن حدود تخدم الأولويات الأمريكية وتحالفاتها، من دون معالجة البنية الأساسية للأزمة.
تكشف الجبهة اللبنانية بوضوح عن هشاشة الهدنة الجزئية وحدودها. فاستمرار العمليات الإسرائيلية على لبنان بعد الإعلان عن التهدئة مع إيران أظهر أن الفصل بين الجبهات ليس فصلًا نهائيًا، ولكنه إعادة توزيع وظيفي للصراع. وبهذا المعنى، أصبح لبنان نموذجًا لاختبار مصداقية أي حديث عن خفض التصعيد، لأن استثنائه من بعض التفسيرات الأمريكية للهدنة يعني أن التهدئة لم تكن شاملة منذ البداية.
وهذا بدوره يمنح روسيا مساحة إضافية لتأكيد طرحها النقدي للدور الأمريكي في إدارة الأزمة. فحين يبدو أن واشنطن تسعى إلى ضبط مستوى الخطر المباشر عليها مع إبقاء هوامش مفتوحة لحلفائها في ساحات أخرى، تبرز صورة الولايات المتحدة بوصفها مديرًا للتصعيد لا صانعًا لتسوية مستقرة. ولذلك فإن الجبهة اللبنانية لم تمثل امتدادًا جانبيًا للحرب فقط، ولكنها كشفت عن النمط الذي تُدار به الأزمة كلها.
رغم التقارب الروسي- الإيراني، فإن موسكو لم تسع إلى تمكين إيران من حرب طويلة مفتوحة، كما لم تقبل أيضًا بانتصار أمريكي- إسرائيلي يحول الضربات إلى إعادة تشكيل إقليمية أحادية. ولهذا بدت سياستها قائمة على هدفين متوازيين: منع إضعاف إيران إلى درجة تخل بموازين القوة الإقليمية لصالح واشنطن، ومنع انفلات الحرب إلى فوضى شاملة تهدد الاستقرار الطاقوي والإقليمي بدرجة تتجاوز حدود المصلحة الروسية.
وهذا هو جوهر التحوط الاستراتيجي الروسي. فهو ليس مجرد تردد بين بدائل، ولكنه إدارة دقيقة للتوازن بين المكاسب والمخاطر. فروسيا تحتاج إلى بقاء إيران شريكًا قائمًا وقادرًا على التفاوض والممانعة، ولكنها لا تحتاج إلى حرب إقليمية شاملة لا يمكن ضبط آثارها. ومن هنا يمكن فهم الموقف الروسي الجامع بين التشدد السياسي تجاه أصل الحرب، والمرونة العملية تجاه مسارات احتوائها.
وختامًا، يتضح من مجمل التطورات أن روسيا تعاملت مع الحرب على إيران على أنها فرصة لإعادة تموضعها داخل الشرق الأوسط والنظام الدولي، وليس كأزمة خارجية فقط. فهي أدانت الحرب، ورفضت شرعنتها، وسعت إلى التأثير في تفسيرها الدولي، واستفادت من اضطراب الطاقة، وراقبت كيف أعادت الأزمة توزيع الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها. وبذلك، لم تكن موسكو غائبة عن الحرب، بل حاضرة فيها من خلال إدارة المسافة عنها.
ولذلك فإن فهم الموقف الروسي يتعدى وصفه على أنه مجرد رد فعل دبلوماسي، بل يُنظر إليه باعتباره جزءًا من استراتيجية أوسع تقوم على توظيف الصراعات غير المباشرة في إعادة تشكيل النفوذ. وفي ظل هشاشة الهدنة، واستمرار الخلافات حول لبنان وهرمز والعقوبات والبرنامج النووي، تبدو روسيا حتى الآن من بين أكثر القوى استفادة من أزمة لم تخضها ميدانيًا، لكنها نجحت في تحويلها إلى رافعة سياسية واقتصادية واستراتيجية.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير