تقدير موقف

كيف ترى اليابان الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي؟


  • 5 نوفمبر 2023

شارك الموضوع

في الفترة بين عامي 2012 و2018، ظهرت عدة مقالات باليابانية تهدف إلى “ما يمكن أن تتعلمه اليابان من إسرائيل بشأن كيفية تنشيط اقتصادها”. كانت هُناك رغبة في استنساخ ما سمَّاه اليابانيون “إسرائيليتنا المحلية” على صعيد الاقتصاد، لكن الآن، مع تصاعد سياسة الانقسام والكراهية التي يمارسها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والمجموعة المُتطرفة مِن حوله، أصبح هناك كثير مِن التشكك فيما يمكن أن تمثله إسرائيل لليابان.

تأثر المجتمع الياباني بالهجوم الذي شنته حركة المقاومة الإسلامية “حماس” مِن قطاع غزة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) على مستوطنات إسرائيلية مُحيطة بالقطاع، راح ضحيته المئات، واختطفت العشرات، حيث ترى الصحافة اليابانية أن ما حدث هو “هجوم إرهابي يُعادل (15) هجومًا من هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) عند مقارنة الحدثين وفقًا لقلة لعدد سكان إسرائيل، فيما جاء الموقف الرسمي للحكومة اليابانية مؤيدًا لحق تل أبيب في الرد بقوة، وتدمير حركة حماس، واستعادة الردع حتى يفكر الأعداء، مثل حزب الله اللبناني، ومن خلفه إيران، مرتين قبل مواصلة الهجمات من جانبهم، وإنقاذ الرهائن الإسرائيليين والأجانب، والسعي إلى تحقيق العدالة لضحايا هذه الهجمة، مع مراعاة عدم قتل المدنيين الفلسطينيين الأبرياء، مع أن هذه نتيجة مأساوية، لكن لا مفر منها.

بشكل عام، لدى اليابان صورة مشوهة عن الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، وليس المقصود هنا النقد؛ بل إلقاء الضوء أن هناك هوة ثقافية، وتاريخية، وجغرافية واسعة تفصل بين طوكيو وإحدى أهم قضايا الشرق الأوسط. تفاعل اليابانيون بحزن وغضب، وتضامنوا مع الصدمة العميقة التي يشعر بها اليهودـ في إسرائيل وفي الشتات- نتيجة لهجوم حماس، واعتبروه وحشية مُطلقة، أعادت إلى الحاضر صيغة سؤال: “هل هُناك مكان آمن يعيش فيه اليهود بحيث لا يتعرضون مرة أخرى لخطر مذبحة، دون أن يأتي أحد لإنقاذهم؟”.

تتجاهل السردية اليابانية الرسمية-على الأقل- وجود فلسطين تاريخيًّا، ونكبة الشعب الفلسطيني، وتُركز- مثل الدول الغربية الأخرى- على نموذج إسرائيل ليس بوصفها دولة احتلال استيطاني؛ بل بوصفها نموذجًا مُتطورًا مِن أرض فيها مدارس، وجامعات، ومزارع، ومراكز تكنولوجية مُتطورة، وقبل كُل هذا هي الملاذ الآمن الوحيد للشعب اليهودي. معظم الشعب الياباني يدرس حالة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين مِن باب الجُرح التاريخي، فقد كان جيش الإمبراطورية اليابانية حليفًا ضمنيًّا لألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية مِن أربعينيات القرن الماضي، وربما يعلمون أن النازيين قتلوا كثيرًا من اليهود في المحرقة، لكنهم عمومًا يضعون المحرقة في سياق أوسع.

ويتم التركيز على المذابح ضد اليهود في الإمبراطورية الروسية، والاضطهاد المستمر في أوروبا الشرقية والوسطى، وإلقاء الضوء على محاكمة الجندي الفرنسي ألفريد دريفوس في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، الذي جاء اتهامه فقط لأنه يهودي دليلًا على معاداة السامية؛ مما حفّز الحركة الصهيونية الحديثة، التي تُعد حركة قومية- دينية في جوهرها، وتلقى هوى عند الشعب الياباني، الذي آمن- إيمانًا متطرفًا- بقوميته، وديانته الفريدة في الفترة الزمنية نفسها. ومِن منظور آخر سياسي وبرغماتي، يرغب اليابانيون في التفوق الأخلاقي على خصومهم، فإذا كان عدوي اللدود في روسيا، أو كوريا الشمالية، مُعاديًا للسامية؛ فطوكيو تتقبلها وتدعمها، ويمكن الاستفادة مِن دعم اللوبي الصهيوني القوي في الولايات المتحدة والغرب.

ويعرف بعض اليابانيين عبارة “لن يحدث ذلك مرة أخرى أبدًا” على أنها نداء عالمي قوي ضد المحرقة اليهودية، لكنهم يستخدمونها للتعبير عما حدث في مأساتهم مع سقوط قنابل نووية على هيروشيما وناغاساكي خلال الحرب العالمية الثانية، في رمزية مُتشابهة، ترفض “الإبادة الجماعية”، خاصةً أن محيط اليابان الآسيوي المُعادي كُله (موسكو، وبكين، وبيونغ يانغ) يهددها بالأسلحة النووية؛ ما يجعل التماهي الياباني- الإسرائيلي يعطي قوة أيديولوجية لموقف طوكيو، ويحشد لها دعم العالم الغربي في أي تنافس، أو صدام داخل آسيا.

ترى اليابان نفسها في إسرائيل، فالأخيرة دولة صغيرة مُحاطة بدول عدوة، وقد أدى هجوم حماس إلى تشويه صورة الجيش الإسرائيلي، وأجهزة المخابرات الإسرائيلية. إنها مسألة حيوية للأمن القومي الياباني أن تتمكن إسرائيل سريعًا من استعادة الردع لقوات الدفاع الإسرائيلية؛ من خلال إظهار أن لديها القدرة والإرادة، وأن الدعم الأمريكي كافٍ للتخلص مِن عوامل التهديد؛ لأن الفشل في القيام بذلك قد يؤدي إلى اعتبار إسرائيل، ومِن ورائها الولايات المتحدة، نمرًا من ورق؛ وفي هذه الحالة، تصبح اليابان- الحليف الأبرز في آسيا لواشنطن- في موقع تساؤل عن أهمية الحماية، وإمكانية الردع الأمريكي للصين، وروسيا، وكوريا الشمالية في أي مواجهة مُستقبلية.

لذا جاء رفض اليابان قرارًا بخصوص غزة يدعو إلى وقف إطلاق النار في مجلس الأمن، في إطار منظور داخلي يتعلق بالسياسة اليابانية في إقليمها المُحيط، حيث تتشابه إيران مع كوريا الشمالية مثلًا في امتلاك برنامج صاروخي مُتطور، فيما أصبحت روسيا تلجأ إلى تكتيكات الطائرات بدون طيار الانتحارية الإيرانية الصُنع، وهذا ما يدفع طوكيو إلى المتابعة- عن كثب- كيف ستتغلب إسرائيل والولايات المتحدة على هذا التهديد؟ وما تداعياته؟ وما التكتيكات التي ستُتّبع لردع طهران، وتحييد حزب الله اللبناني عن أرض المعركة؟ فقد تكون مُفيدة لإعادة استخدامها على الساحة اليابانية.

 أخيرًا، تتلخص الرؤية اليابانية في ضرورة أن تقوم إسرائيل برد قوي على أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، وهذا يعد الضمانة فقط لأمن الشرق الأوسط برمته؛ لأنه إذا فشلت تل أبيب في حسم هذه المواجهة، فربما يحزم الإسرائيليون حقائبهم ويغادرون، باستثناء ما أشارت إليه رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة غولدا مئير للسيناتور آنذاك جو بايدن قبل نصف قرن، بأنه ليس لدى الإسرائيليين مكان آخر يذهبون إليه.

تنظر طوكيو إلى أنه مِن المستحيل تهجير اليهود مِن أرض إسرائيل، لكن يمكن أن تكون هذه الحرب أشبه بحرب عام 1973 مع مصر، التي انتهت باتفاقيات كامب ديفيد عام 1978، والسلام الدائم بين إسرائيل ومصر، الذي ولدته الاتفاقية. ولعل هذه الحرب المدمرة ستجعل الإسرائيليين يدركون من جديد أنهم ليس لديهم مكان آخر يذهبون إليه، وكذلك الحال للفلسطينيين؛ لذا يجب عليهما استئناف جهود حسن النية للتوصل إلى تسوية عادلة لصراع دام لأجيال، لكن هذا يحتاج إلى قيادة جديدة مِن كلا الجانبين لإعطاء فرصة للسلام، حيث يجب خروج نتنياهو والمتطرفين الصهاينة مِن السلطة، كما يجب التخلص مِن حركة المقاومة الإسلامية واستبدال حكومة وطنية فلسطينية بها، تنخرط في مشروع السلام الذي تعطل في الشرق الأوسط.


شارك الموضوع