تقدير موقف

قمة على حافة التوازن.. بوتين وترمب بين اختبار الإرادات وحدود الصفقة


  • 9 أغسطس 2025

شارك الموضوع

بينما تتجه الأنظار في موسكو وواشنطن، وعواصم كبرى في العالم، إلى ما قد تكون واحدة من أهم القمم وأكثرها حساسية في السنوات الأخيرة، بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي دونالد ترمب، تشير التطورات الأخيرة في مسار التحضير لهذه القمة إلى دخول الأزمة الأوكرانية مرحلة شديدة السيولة السياسية؛ لأنها مرحلة تتداخل فيها بوضوح الحسابات الداخلية في واشنطن مع اعتبارات موسكو، ومخاوف الساحة الأوروبية.

ما يجعل هذا اللقاء مختلفًا، ليس فقط طبيعة التوقيت؛ بل التداخل غير المسبوق بين حسابات اللحظة التفاوضية وضغوط البيئة السياسية في العاصمتين الكبيرتين.

في واشنطن، جاء إعلان ترمب، يوم الجمعة 8 أغسطس (آب)، نفيه وجود أي شرط مسبق بحضور الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي اللقاء المرتقب مع بوتين، ليمحو بذلك رسميًّا ما تم تداوله في الإعلام الأمريكي عن هذه المسألة.

المثير أن يوم الجمعة تحديدًا هو اليوم الذي انتهت فيه بالمناسبة مهلته الترهيبية بفرض العقوبات والضرب بسلاح الرسوم الجمركية إن لم يحدث اتفاق وقف إطلاق النار في أوكرانيا، لكن النار لم تتوقف، والقصف يتواصل.

هذا النفي من جانب ترمب أزال -في رأيي- من الطريق حاجزًا شكليًّا، لكنه في الوقت نفسه أطلق نقاشات داخلية أكثر تعقيدًا، حيث تخشى أوساط سياسية وإعلامية تكرار مشهد قمة هلسنكي 2018 بين الرئيسين، حيث خرج ترمب من لقاء بوتين ليواجه اتهامات بأنه قدم تنازلات مجانية.

وهذا القلق -حسبما قرأته من تعليقات وتحليلات عن اللقاء المرتقب- يتجاوز الولايات المتحدة ليصل إلى العواصم الأوروبية وكييف بالطبع، التي ترى في أي انفتاح أمريكي- روسي مباشر تهديدًا لمصالحها التفاوضية.

اللافت أن ترمب اختار أن يبقى ملف المهلة أو “الإنذار الأمريكي” مفتوحًا، واكتفى بالقول إن فرض العقوبات الجديدة سوف يعتمد على موسكو، وأضاف أنه لا يزال يشعر بخيبة شديدة. هذا التعليق الترمباوي القصير في جملته يحمل في طياته مساحة واسعة للمناورة، لأنه يتيح لترمب خيار إعلان إجراءات اقتصادية جديدة، أو تأجيلها، كما حدث في ملف الرسوم الجمركية على الهند.

هذا الغموض الذي يستخدمه ترمب كثيرًا يخدم -في اعتقادي- هدفًا مزدوجًا: الحفاظ على الضغط، وفي الوقت نفسه عدم إغلاق الباب أمام التفاهم مع بوتين قبل القمة.

أما على الجانب الروسي، فمن واقع متابعتي، تبدو الرسائل أكثر انضباطًا؛ فيوري أوشاكوف، مساعد الرئيس الروسي للسياسة الخارجية، أكد بوضوح وجود اتفاق على عقد القمة في الأيام المقبلة، وأشار إلى أن مكان انعقادها كذلك تم الاتفاق عليه، دون الإفصاح عنه.

بوتين نفسه قال خلال استقباله رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد في الكرملين، يوم 7 أغسطس (آب) 2025، إن الإمارات هي من بين الخيارات الممكنة لاستضافة هذا اللقاء، وأكد أن الاهتمام بعقد القمة متبادل.

بوتين كذلك، وفي خطوة ذكية -في رأيي- ولرفع الحرج عن ترمب، وتخفيف الضغط الإعلامي عليه، قدم مرونة مشروطة فيما يتعلق بإمكانية لقائه مع زيلينسكي، فبعدما كان يشير في تصريحاته سابقًا بوضوح إلى رفضه منح زيلينسكي هذا الشرف، ترك هذه المرة الباب مفتوحًا أمام إمكانية التقائه، لكنه ربط ذلك بتوافر الظروف والشروط المناسبة، وهي خطوة تعكس رغبته أيضًا في إبقاء القرار الخاص بهذه المسـألة بيد موسكو، وإدارته وفق السياق السياسي.

إلى جانب ذلك، ظهرت في الإعلام تسريبات غير مؤكدة عن خطة ويتكوف المحدثة، التي يقال إنها تشمل وقف إطلاق النار، ورفع العقوبات عن روسيا، وتأجيل البت قانونيًّا في ملف الأراضي التي ضمتها روسيا لمدة 49 سنة على الأقل، من دون التطرق إلى توسع الناتو، أو وقف الدعم العسكري لأوكرانيا.

ومع أن هذا الطرح الموجود في التسريب -إن صح- يتقاطع مع بعض المطالب الروسية، فإن تمريره يصطدم -في رأيي- بثلاثة عوائق رئيسة؛ أولها هشاشة الضمانات الطويلة الأمد؛ فترمب ليس مخلدًا، والعائق الثاني هو قابلية أوكرانيا لمراجعة التزاماتها في أي وقت. أما الثالث فهو الموقف الأوروبي الرافض للاعتراف بأي تغييرات حدودية بالقوة؛ ما يعني ضمنيًّا الإقرار بهزيمة أوروبا سياسيًّا على الأقل أمام روسيا في هذه الجولة من الصراع.

نقطة أخرى مهمة، رأيتها في التطور الذي نتج عن لقاء بوتين ويتكوف يوم 6 أغسطس (آب)، ففكرة القمة الروسية الأمريكية التي على الأغلب اقترحها بوتين نفسه على نحو مفاجئ -كما عودنا- بل بحركة لاعب شطرنج ماهر وبارد الأعصاب، أربكت جدول العقوبات الأمريكي المبرمج، وربما فاجأت البيت الأبيض نفسه.

وتحليلات روسية موزونة قرأتها ترى أن اقتراح بوتين وضع الإدارة الأمريكية أمام معضلة الجمع بين التحضير لقمة رفيعة المستوى مع بوتين والحفاظ في الوقت نفسه على ضغط العقوبات، وهو ما قد يدفعها إلى البحث عن حلول وسط، مثل العقوبات المؤجلة، كما ذكرت أعلاه في حالة الهند، أو المحدودة النطاق.

وأرى أن موسكو في المقابل تدرك أن اللحظة السياسية الراهنة تتيح لها اختبار حدود استعداد واشنطن للتفاوض خارج الإطار التقليدي المتعدد الأطراف. وإذا كان الكرملين وبوتين يفضلان صيغة ثنائية مباشرة، فإن أوروبا وأوكرانيا ستتحركان لمنع هذا المسار من أن يتحول إلى صفقة ثنائية، تُفرض نتائجها على الأطراف الأخرى، وتُسقط فوقيًّا على زيلينسكي، وستارمر، وماكرون، وميرتس، وباقي أتباعهم.

من المهم كذلك الإشارة إلى أن الأسواق الروسية تفاعلت فورًا مع أنباء القمة، حيث ارتفع مؤشر الأسهم بأكثر من 5%.

هذا الصعود يعكس رهانًا من المستثمرين على أن اللقاء قد يؤدي إلى تخفيف ملموس للعقوبات -ولو في حدها الجزئي- بما ينعكس على مناخ الأعمال في روسيا.

لكن هذه الثقة المبدئية تبقى مشروطة بقدرة الطرفين على الوصول إلى تفاهم فعلي، وهو أمر لا يمكن الجزم به في هذه المرحلة.

اللافت أيضًا أن المسار التفاوضي ما زال بلا جدول أعمال نهائي واضح، والتحليل الروسي يذهب إلى أن القمة إذا عُقدت -وفق المعطيات الحالية- قد تكون أقرب إلى اجتماع مفتوح على الاحتمالات، بدلًا من لقاء يختتم بتوقيع حزمة اتفاقات معدة سلفًا.

هذا النمط يجعل مجال المناورة وهامشها أكبر للرئيسين، لكنه يزيد أيضًا مخاطر أن ينتهي اللقاء دون نتائج ملموسة، أو أن تتحول نتائجه إلى مادة للجدل الداخلي في واشنطن.

واذا تحدثت من منظور أوسع، فيمكن القول إن ما يحدث الآن هو مرحلة اختبار متبادل، وما أقصده -حسب فهمي الشخصي بالطبع- أن كل طرف يسعى إلى استكشاف استعداد الآخر للانتقال من الضغط المتبادل إلى تفاهمات عملية؛ فبوتين، هدفه -في رأيي- هو تثبيت صيغة تفاهم مباشر مع واشنطن ترمب يمكن أن يعاد من خلالها رسم قواعد الاشتباك في الملف الأوكراني. أما ترمب، فإن نجاح القمة قد يتحول إلى ورقة سياسية كبيرة على أبواب انتخابات التجديد النصفي، خاصة إذا تمكن من تقديمها لجمهوره على أنها إنجاز دبلوماسي يفتح باب التسوية.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير.


شارك الموضوع