
عادت الحكومة الإسرائيلية مرة أخرى إلى تأجيل الالتزام بإطار عمل يمكن أن يمهد الطريق نحو وقف أوسع لإطلاق النار والتوصل إلى تسوية سياسية في قطاع غزة، في خطوة تعكس نمطا مستمرا من رفض الاتفاقات أو تعديلها تحت وطأة الضغوط السياسية الداخلية.
وفي الوقت الذي يواصل فيه الوسطاء الدوليون جهودهم للتوصل إلى نهاية دائمة للصراع، أوضح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن حكومته لم توافق على أحدث المقترحات المدعومة من الولايات المتحدة، رغم التقارير التي تحدثت عن ضمانات بأن أي انسحاب إسرائيلي من قطاع غزة لن يبدأ إلا بعد نزع السلاح الكامل لحركة حماس.
وتأتي هذه التطورات في وقت يواصل فيه قطاع غزة مواجهة واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخه الحديث. فبحسب وزارة الصحة في غزة، أسفرت الحرب منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 عن أكثر من 73 ألف قتيل، وما يزيد على 174 ألف جريح.
ويؤكد مسؤولون فلسطينيون أن النساء والأطفال يشكلون نحو نصف الضحايا، فيما تعرض ما يقارب 90% من البنية التحتية الحضرية في القطاع للتدمير أو لأضرار جسيمة، بينما لا تزال مساحات واسعة من غزة تفتقر إلى الرعاية الطبية الكافية، والمياه النظيفة، والكهرباء، وشبكات الصرف الصحي العاملة.
برز هذا الأسبوع أحد أكثر المشاهد مأساوية في الحرب، بعدما جرى انتشال رفات 112 شخصا من أفراد عائلتي أبو شريعة والحسّاينة في حي الصبرة بمدينة غزة، وذلك بعد نحو عامين من غارة جوية إسرائيلية دمرت مربعا سكنيا كاملا في 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2023.
وشهدت مراسم التشييع، التي تعد من أكبر الجنازات خلال الحرب، دفن رفات 44 طفلا دون السادسة عشرة من العمر، و37 امرأة، إضافة إلى أكثر من عشرة أشخاص من ذوي الإعاقة.
ويصف سكان فلسطينيون الهجوم بأنه “مجزرة حي الصبرة”، مؤكدين أن القصف العنيف أدى إلى انهيار عدة مبان فوق سكانها، ما أسفر عن مقتل نحو 308 أشخاص.
أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إسرائيل لم توافق على مسودة إطار السلام التي قدمتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وقال نتنياهو، في رسالة مصورة، إن المقترح يعكس الموقف الأمريكي أكثر مما يعكس الشروط الإسرائيلية.
وأضاف: “لقد أرسلوا إلينا مسودة مقترح لم نوافق عليها. إنه ليس مقترحنا، وقد نقلنا إليهم ملاحظاتنا.”
وجاءت تصريحاته بعد إعلان حركة حماس استعدادها، من حيث المبدأ، لتسليم أسلحتها خلال المرحلة الثانية من المبادرة المقترحة، التي تتضمن، وفقا للتقارير، نزع سلاح الحركة تدريجيا بالتزامن مع انسحاب إسرائيلي مرحلي من قطاع غزة.
إلا أن مجلس السلام المكلف بالإشراف على المبادرة أكد لاحقا للمسؤولين الإسرائيليين أن أي انسحاب إسرائيلي لن يبدأ قبل أن تنهي حماس بالكامل قدراتها العسكرية، بما يشمل الأسلحة الخفيفة والثقيلة، ومخزونات الصواريخ، وشبكات الأنفاق.
وعقب اجتماع بين نتنياهو وممثلي مجلس السلام، شدد الجانبان على ما وصفاه بـ”التفاهم المشترك” بشأن الأهداف النهائية للعملية في غزة.
تشير المعطيات إلى أن الحسابات السياسية الداخلية تؤثر بصورة كبيرة في طريقة تعامل إسرائيل مع المفاوضات.
ويستعد نتنياهو لخوض الانتخابات البرلمانية المقررة في 27 أكتوبر (تشرين الأول)، فيما يرى محللون أن أي انسحاب عسكري واسع قبل موعد الانتخابات قد يضعف ائتلافه الحاكم، ويمنح المعارضة فرصة أكبر لانتقاده.
ولا يزال الائتلاف الحاكم يعتمد على دعم وزراء من التيار الديني المتشدد، من بينهم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، اللذان أعلنا معارضتهما لأي تنازلات تقدم لحركة حماس، وطالبا بمواصلة الضغط العسكري.
كما أن المخاطر السياسية بالنسبة إلى نتنياهو تتجاوز الانتخابات، إذ إن خسارته للسلطة قد تعرضه لاحتمال السجن على خلفية قضايا الفساد التي لا تزال منظورة أمام القضاء.
ويرى كثير من المراقبين أن هذه الاعتبارات الداخلية تقلل من فرص تقديم إسرائيل تنازلات كبيرة قبل إجراء الانتخابات.
في المقابل، تواصل الأوضاع الإنسانية في مختلف أنحاء قطاع غزة التدهور بصورة متسارعة.
وتحذر السلطات البلدية من أن القيود التي تفرضها إسرائيل على إدخال الزيوت الصناعية، وقطع الغيار، ومعدات الصيانة، تهدد بانهيار الخدمات العامة الأساسية، بما في ذلك شبكات المياه، والصرف الصحي، والبنية التحتية للكهرباء.
كما لا تزال الخدمات الطبية تعاني من ضغوط هائلة.
وقبل اندلاع الحرب، كان في قطاع غزة أكثر من ألف مريض يخضعون لغسيل الكلى، إلا أن التقديرات الطبية الحالية تشير إلى أن نحو 700 مريض فقط ما زالوا يتلقون العلاج، من دون وجود تفسير رسمي شامل لهذا الانخفاض. ويخشى المسؤولون الصحيون أن يكون عدد من المرضى قد توفي، أو نزح، أو فقد إمكانية الوصول إلى الرعاية الطبية المنقذة للحياة.
وتؤكد وزارة الصحة في غزة أن مئات الجثامين لا تزال عالقة تحت الأنقاض، بينما تواجه طواقم الإنقاذ نقصا حادا في المعدات اللازمة لعمليات انتشال الضحايا.
ويقترح أحدث مسار سلام مدعوم من الولايات المتحدة وقفا مرحليا للعمليات العسكرية الإسرائيلية، بالتزامن مع نقل أسلحة حركة حماس تدريجيا إلى سلطة إدارية فلسطينية جديدة.
لكن حركة حماس تؤكد أن الهجمات العسكرية الإسرائيلية يجب أن تتوقف فورا قبل البدء بأي عملية لنزع السلاح.
في المقابل، ترفض إسرائيل الانسحاب من المواقع التي تسيطر عليها حاليا، بما في ذلك المناطق الواقعة خارج ما يسمى بـ”الخط الأصفر”، قبل استيفاء جميع الشروط الأمنية.
ويشير المقال إلى أن الولايات المتحدة غير قادرة على ممارسة ضغوط فعالة على إسرائيل لإلزامها بتنفيذ خطة السلام الخاصة بقطاع غزة.
وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الاتفاق المقترح مؤخرا بأنه “اختراق تاريخي”، رغم عدم ظهور أي نتائج ملموسة حتى الآن.
وبحسب ترمب، نجح مجلس السلام في الحصول على تعهدات تقضي بالنزع الكامل لسلاح حركة حماس والفصائل المسلحة الأخرى، مقابل انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية مع تقدم مراحل التنفيذ.
وطُرح إنشاء مجلس السلام لأول مرة في سبتمبر (أيلول) 2025 للإشراف على عملية السلام في غزة، قبل توسيع نطاق مهمته لاحقا ليشمل معالجة نزاعات دولية أخرى.
ويرى منتقدون، من بينهم ناشطون في مجال حقوق الإنسان، أن المجلس قد يتجاوز المؤسسات الدولية القائمة، ولا سيما الأمم المتحدة، ما يثير تساؤلات حول المساءلة والشرعية الدولية. ويقول سكان محليون إنهم لم يلمسوا أي فائدة من المجلس، ويعتبرونه عديم الجدوى.
ورغم استمرار الجهود الدبلوماسية، لا تزال فرص التوصل إلى اتفاق نهائي لإنهاء الحرب في غزة تواجه تحديات كبيرة.
فالحكومة الإسرائيلية تتمسك بتحقيق أهدافها الأمنية كاملة قبل أي انسحاب عسكري، بينما تصر حركة حماس على وقف الحرب بشكل كامل قبل تسليم سلاحها.
وفي ظل هذا التباعد الكبير في المواقف، يواصل المدنيون في قطاع غزة تحمل العبء الأكبر للحرب، مع استمرار ارتفاع أعداد الضحايا، وتفاقم الأزمة الإنسانية، وتدمير البنية التحتية، وتراجع الخدمات الصحية والمعيشية.
ويرى مراقبون أن الحسابات السياسية الداخلية في إسرائيل، إلى جانب الخلافات حول آليات تنفيذ أي اتفاق، قد تؤدي إلى إطالة أمد الصراع، حتى في ظل استمرار الوساطات الدولية والضغوط الأمريكية للتوصل إلى تسوية.
ويبقى مستقبل قطاع غزة مرهونا بقدرة الأطراف المعنية على تجاوز الخلافات السياسية والأمنية، والتوصل إلى اتفاق يضمن وقفا دائما لإطلاق النار، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، وتوفير الحماية للمدنيين الذين يدفعون الثمن الأكبر لهذه الحرب المستمرة.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير